راجعه- احمد مزيد ابو ردن - كانت مدائن صالح والعلا، أوديدان القديمة ضمن منظومة التواجد النبطي، وتحت سلطة ملوك البتراء الانباط، وما زالت الشواهد الماثلة للعيان تتحدث عن عظمة هذا المكان الذي اشاده الانباط العرب بعبقريتهم الفذَّة في النحت والتعامل مع الحجارة الصمّاء، حيث نحتوا القبور والبيوت والآبار والمضافات والادراج، وهي تتبع الان الى منطقة «تبوك».
ويأتي هذا الكتاب الجميل بورقه المصقول وصوره الجميلة المفصحة عن المكان، وما كتبه المؤلفان المتخصصان في الآثار والنقوش النبطية، الاستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الانصاري والدكتور حسين بن علي ابو الحسن من معلومات تشكل سلسلة من الكتب عن القرى التي تقع على طريق البخور القديم، وطريق التجارة والقوافل والتوابل.
في هذا الكتاب الفريد الذي يتحدث عن المكان الذي يعتبر امتدادا للمكان النبطي ولزمن الحارث الرابع الذي كان يحكم هذه المنطقة الشمالية من الجزيرة العربية والتي كانت جزءا مهما من دولة الانباط الواسعة الممتدة المترامية الاطراف.
وبعد ان قضى الرومان على مملكة الانباط عام 106 ميلادي تحول طريق التجارة الى البحر وبدأت الحجر «مدائن صالح» تفقد اهميتها بوصفها محطة رئيسية على طريق التجارة يتم فيها تبادل السلع وتجبى الضرائب من ارباب القوافل الى غير ذلك من المعاملات.
واول من قدّم وصفا مفصلا لآثار الانباط في الحجر وكان اول اوروبي يزورها في العصر الحديث الرحالة البريطاني «شارلز داوتي» الذي وصل اليها مع قوافل الحجاج بين عامي 1876 و1877 واقام بها مدة من الزمن في القلعة الموجودة بها وقام «دوتي» بنسخ الكثير من النقوش المهمة ونشرها في كتابه «رحلة في صحراء الجزيرة العربية»، ليفتح بذلك الطريق امام المهتمين بالحضارة النبطية لدراسة تلك النقوش.
ويوجد في «العُلا» وما حولها العديد من الكتابات والرسوم الصخرية التي تتركز في بعض المواقع القريبة من المناطق المسكونة ومحطات القوافل التجارية وبالقرب من مصادر المياه، وتتنوع الكتابة التي وُجِدَت في العلا حيث تبدأ بالديدانية وتنتهي بالكتابات العربية الاسلامية المبكرة والمتأخرة، مرورا باللحيانية والمعينية المبكرة وخطوط البادية الثمودية والنبطية.
وكما يقول الدكتور عبدالرحمن الطيب الانصاري: ان هذه الكتابات تمثل رصيدا لجزء من ثقافة الشعوب التي تعاقبت على المنطقة، ودونت هذه الكتابات بحروف عربية مشتقة من خط المسند الجنوبي ما عدا الكتابات التي تعود الى اصل آرامي، كما ان لغة هذه النقوش عربية الا انها تختلف في لهجاتها وهي لهجات عربية شمالية تتميز عن بعضها الآخر في ظواهر لغوية يسيرة».
ومن اهم هذه المواقع التي تتركز فيها الكتابات، الحزبية، وجبل عكمة، ووادي المعتدل ودنن وابو عود، والرزيقية، والكتاب ممتع جدا ومكتوب بلغة عذبة رشيقة يقدم المكان النبطي في الحجر «مدائن صالح»، ويفصح عن الكثير من النقوش التي في المقابر والتي تتحدث عن دفع رسوم وغرامات للمعبودات والكهنة، كما اشارت الى وجوب حفظ نسخة عن نقوش المقابر في المعابد.
وقد قام الباحثان بقراءة وترجمة النقوش المكتوبة على واجهات المقابر وفي داخل المعابد وتدل هذه النقوش على الارتباط الوثيق بين الدين والقانون وقيام الكهنة بالسهر على تطبيق الوثائق القانونية، ومن هذه النقوش المهمة التي تحمل اسماء الذين كتبوها ذلك النقش الموجود على مقبرة «كمكم ابنة واثلة ابنة حرام» وابنتها «كليبة» المؤرخة في ديسمبر سنة 1 قبل الميلاد والذي ينص على: «أنّ من لا ينفذ المكتوب هنا سوف يعاقب من «ذي شَرَىْ» وهُبَل ومناة بخمس لعنات، وللكاهن بغرامة قدرها الف قطعة حارثية من مدينة «سِلعْ» البتراء، وينجو من ذلك من يبرز بيده وثيقة من يد «كمكم» او ابنتها «كليبة» تتعلق بالمقبرة المذكورة وسارية المفعول فيما يخص شؤون هذه المقبرة».
وكما تقول مقدمة الكتاب: «فان الجزء الثاني من هذا الكتاب خصص للحديث عن الحجر «مدائن صالح» حيث عولجت آراء الباحثين في نشأة الحجر ودورها التجاري في المصادر الكلاسيكية، وأصْل الانباط وامتداد دولتهم داخل الجزيرة العربية، وعلاقة الانباط بكل من بلاد الشام وفلسطين ودولة البطالمة، وتناول الكتاب تجارة الانباط من حيث دروبها ومجريات امورها وسلعها حتى نهاية حكم الانباط في الحجر بالاضافة الى اهم الدراسات الاثارية التي تحدثت عن الحجر.