عمان - الرأي - يضم كتاب (قصيدة هيروشيما) للشاعر وفيق خنسة قصيدة واحدة بلغات ثلاث هي العربية والانجليزية واليابانية، ومع ان هذه التجربة ليست جديدة، الا انها تبقى نادرة وربما ان اقامة الشاعر في اليابان لمدة طويلة هي التي اوحت له بكتابة هذه القصيدة (الديوان) وجعلته يلحق بها الترجمة اليابانية.
وبما ان القصيدة الحديثة تكسر مساحة الزمن الموضوعي، وتخلق زمنها الخاص لترتقي الى مستوى الاسطورة، فتضمن لنفسها الافلات من شروط الزمن حتى تدخل مملكة الخلود كما يقول الناقد محمد لطفي اليوسفي، فان هذه القصيدة، وما خلقته من مستويات متعددة في المعنى وما حملته من تحفيز للقراءة والارتقاء وما كشفت عنه من اساليب وحواش جعلها ديوانا خاصا متميزا وفريدا من نوعه، سواء من حيث الدراما الشعرية الصاعدة منذ بداية النص او من حيث اللغة وبنائها ودلالاتها وانزياحاتها غير المتناهية.
ومهمة الشعر كما يقول الناقد احسان عباس هي تفسير العالم وتحويله، فهل استطاعت هذه القصيدة ان تفسر، ام وقفت عند حدود الوصف فقط، ام انها لم تصف في الاصل بل قفزت عن ذلك الى خشبة مسرحها مباشرة لتؤدي دورها دون تدخل من القاص/الشاعر، بل وقف الشاعر موقفا اخر او متفرجا او قارئا وجعل النص يتكلم كما هو.
فقد كانت هيروشيما سطورا في كتاب التاريخ المدرسي، واراد لها الشاعر ان تتواجد حية نامية وبث فيها روحه او جزءا من روحه،فانطلقت تحدث نفسها وتحدث الاخر كما شاهدت وكما احست هي.
واذا كانت الشعرية تمنح الحرية للمبدع كي ينسق وينظم الدوال داخل الجملة وفق ما يهوى تحقيقا للتأثير الذي يريد تحقيقه، فان الشاعر في قصيدته قد ابتعد اكثر من ذلك متجاوزا الجملة الى اللفظة الواحدة اي الكلمة، لانها هي في الحقيقة بؤرة تلتقي فيها جملة من المعاني التي تنتمي الى نفس الحقل الدلالي وهي مستقر امكانات كثيرة من الدلالات.
«هيروشيما
وقت املس يتدلى
من السماء
عصر تقشر
وسال رغوة من الداخل
كثافة تتسلق الخلائق»
كل لفظة تم انتقاؤها كانت معبرة عن كثير من المعاني، تماما كما فعل الحجر الواحد عند القائه في بركة ماء راكدة، فانه يخلق دوائر متلاحقة لا حدود لها، والحق ان كل لفظة من الفاظ القصيدة تستحق التوقف لدراستها وتأمل مدلولاتها الواسعة والتي كثفها الشاعر في مفردة دالة الى عدة مدلولات، لان الشاعر هنا في قصيدته لا يريد ان يكون وصافا كواقع او صفة، لا مؤرخا، فالتاريخ موجود في كتب التاريخ ولكن القصيدة تحمل التاريخ واللون والزمن واللغة هي التي ترسم وتشكل وتصرخ وتهمس، والشعرية هي تحدد مسار اللوحة، فبعد ان ينتقل الشاعر من تصوير حالة المدينة قبل اعلان قيامتها دون وصف مباشر، وانما باضاءة المشهد على المدينة لتحدث صورتها عن نفسها، ينتقل فورا الى الحد الفاصل بين الوجود واللا وجود ومن السكينة الى القيامة:
«هيروشيما
آب قيامة ودخان
.......
الوان رماد
واسترسال
مهرول في النسيان
.........
هاوية
بلا مفاتيح
وموت
بلا مسيح».
فاختراع موقع الكلمة والتركيب والتعديل الداخلي لجذر الكلمة من اهم عمليات التنسيق الذي تقوم عليه البنيوية.
وبما ان المضمون في القصيدة لا يستدعي الترهل والاسهاب والتطويل، بل يتم تشكيله البنائي على السرعة وعدم التوقف كثيرا امام الاجزاء المفتوحة والمتمعنة عن الامساك، فقد لجأ الشاعر الى الشكل المناسب من حيث الاختصار والومضة السريعة المعتمدة على ما قل من اللفظ، وكما يقول سوسير فانه لا فرق بين الشكل والمضمون فكلاهما متوحد في الاخر، وهذا ما يفسره النص في القصيدة من حيث شكلها ومضمونها.
الا ان الشاعر يترك لاوعيه ليفسر المكبوت والمنسي، فهو كونه مليئا بالتناقض والصراعات، ولذا فانه يربط كثيرا بما حدث في اماكن اخرى شكلت في نفسه العميقة - على مبدأ فرويد - حالة من التكثيف فتبرز دير ياسين وضحايا كفر قاسم وخيام اللاجئين:
«هيروشيما
- دير ياسين -
ضحايا - كفر قاسم
جرس في العشب كي يبقى
ونار في مآتم».
ولان التكرار يسهم بما يوفره من دفق غنائي في تمكين الحركات من الوصول الى مراحل الانفراج، فان النص قد اعتمد على تكرار الاسم هيروشيما مع الانتقال بالاسم من حالة الى اخرى لتكتمل اللوحة الشعرية على الوجه الذي يريد، وقد اعتمد الشاعر على تكريس الاسماء واتكأ على ما تحمله هذه الاسماء من معان ومدلولات مع انه لم يفسح مجالا او هامشا، لتحليلها او تفسيرها باعتبارها جزءا من البناء الشعري الذي قامت عليه القصيدة، ولعله اراد بهذا التنكر المقصود ان يجعل من القارىء صورة ثقافية مشابهة له.