بصورة أو بأخرى ستأتي هذه المقاربة في مدارين، أولهما أكاديمي، تحاول، في فلكه، أن تقول شيئاً عن آفة الفساد، ومظاهر خطورتها، ومصادر قوّتها. وفي ثانيهما ستقف، ولو بشكل وَعِرْ، على بعض من الجهد المضني الذي نبذله في الأردن لمواجهة هذا الخلل الجسيم، والتردّي البيّن الذي أصاب، ليس المال أو الإدارة فقط، ولكن، وهذا هو الأخطر، قد ألحق ضرراً كبيراً ومفجعاً بمنظومتي القيم والمبادئ، حيث شاعت بين الناس تبريرات وتفسيرات وبحث هائل عن الذرائع، وكلها جاءت للتغطية على الفساد والفاسدين والمفسدين. بل وأن الأمر قد وصل في البعض أن مأسسوا الفساد، وراحوا يتعاطون معه ومع ارتداداته على أساس أنها هي الصواب، وأن الدعوة إلى الابتعاد عنها، أو مفارقتها فعلاّن لا يصدران إلا عن ضعف وعَتَهْ، وعدم اقتدار وجُبْن و»هبل «، حتى وصل الحال إلى مرحلة من التردي، باتت معها فترة الإصلاح، سواء من ناحية التعريف أم من ناحية التوصيف، مثار جدل ونقاش كبيرين، حتى بلغت الاختلافات والمنازعات والصراعات والمناكفات درجة التخندق المتقابل، وتبني الاتهامات والاتهامات المقابلة. فالفِرْقة التي ألِفت الفساد، ورتعت في عفنه، وغطّى جلودها الصدأ، وران على قلوبها، قد اعتبرت أن الإصلاح ومكافحة الفساد هو خروج عن الواقع، بل وأحياناً تعتبره خروجاً عن المنطق. وأصبح الفساد عندها هو «الرجولة» و«الشطارة» و«الفهلوة» و«الفتوة»، وغدا الإصلاح شاذاً وغير واقعي. وراحت هذه الفئة تطلق شعارات تنادي بضرورة الأخذ بما هو حادث، والإدّعاء بأن «المجتمع الفاضل» الخالي من الفساد، وأن «المدينة الفاضلة» النقية، ما هي إلا توهمات قائمة في ذهن الفلاسفة الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن التعامل مع الواقع.ومن الخطورة بمكان، أن كثيراً من ممارسات الفساد قد تجاوزت «الفرديّة» و«الحالات المعزولة»، لتصل إلى التحرك من خلال تنظيمات ومافيات وأطر، أحدثت تحوّلات مخيفة في التركيبة الاجتماعية بحيث تكرّست حالات التفارق والتفاوت الاجتماعي، مما أدّى إلى ازدياد حدّة التوتر وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.إضافة إلى ما سبق، فقد توسّعت ميادين ظاهرة الفساد، وأصبح من الصعب، إن لم يكن من المتعذر، تقديم مفهوم شامل لها، خاصة ما تعلق بماهيتها ومعاييرها واتساع دائرة استشرائها، وقوّتها.ومع الإقرار بأن كل المجتمعات البشرية قد أصابها الفساد ولو بنسب متفاوتة، وذلك حيث تنازعت البشر ثنائيات الخاص والعام، والخير والشر، والطهر والنجاسة، والشفافية والإخفاء، والمساءلة والتعالي على القانون، والمقاضاة والحصانات، مع ذلك كلّه فإن هناك محاولات دوليّة جادّة وصادقة قد سعت نحو كشف الفساد، والتعاطي معه كحالة مرضية عدوانية شرسة، وذلك بإطلاق دعوات الإصلاح، سواء على المستوى العقلي والمخاطبة الذهنية، أم على المستوى السياسي والقضائي والقانوني والإعلامي. وقامت عملية المواجهة هذه، في أساسها، على جملة من المرتكزات والمبادئ والأسس، لعل أهمها، الإدراك بأن أي تغيير حقيقي يعني، بالضرورة، الانتقال من وضع فيه فساد أو شبهة فساد إلى وضع مغاير تماماً، بالرغم من وجود قوى ومحاولات الشّدّ العكسي، للعمل على إفراغ هذه الجهود عن مضمونها، وإظهارها على أنها عملية عاجزة وغير قادرة، وأنها قفز في الهواء، وذلك باللجوء إلى وسائل من الفساد ممثلة في التمويه أو التضليل أو تقديم الحلول المجزأة وغير الصادقة، حتى وجدنا أنفسنا أمام حالات من «المواربة الإصلاحية» أو «الخوار الإصلاحي» أو «اختراع المصطلحات الفاسدة» التي تسوق الناس إلى وديان من الوهم والخوف والارتباك. ولنا مع التجربة الأردنية في مكافحة الفساد قول لاحق بمناسبة مشاركتنا للمجتمع الدولي في يوم مكافحة الفساد، سميناها: الأردن يستحق الأفضل.
مكافحة الفساد: «الأردن يستحق الأفضل» 1/2
12:00 18-12-2011
آخر تعديل :
الأحد