عن غياب الابداع في مسلسل «الحقيقة والسراب»... الشـخصيات النمطـية مقتل الدراما العـربية!

عن غياب الابداع في مسلسل «الحقيقة والسراب»... الشـخصيات النمطـية مقتل الدراما العـربية!

تاريخ النشر : الاثنين 12:00 24-1-2005
No Image
عن غياب الابداع في مسلسل «الحقيقة والسراب»... الشـخصيات النمطـية مقتل الدراما العـربية!

نزيه أبو نضال - لا تزال الدراما التلفزيونية العربية فناً حديثاً، عربياً وعالمياً، وبالتالي لم تستقر بعد مفاهيم نقدية جامعة مانعة، كما يقال، في محاكمة هذا الفن، حتى لدى غالبية النقاد المتخصصين الذين لا زالوا يحكّمون ذائقتهم الجمالية العفوية، فما بالك بالنسبة للجمهور المتلقي!
 ومن هنا تنبع، في رأينا، ضرورة المتابعة النقدية الجادة للأعمال الدرامية، ومحاولة تبيان ما يسمّى بأسباب الجودة الفنية أو الفشل الفني، بغية ترشيد عملية التلقي، حتى لا يبقى «كل شيء عند العرب صابون».. فثمة مسافة إبداعية ضوئية بين محمد فاضل وبين تيسير عبود، بين أسامة أنور عكاشة وبين مصطفى محرم..الخ..
 ولعل ما حفزني على هذا الموضوع الهام رسالة من السيد محمد خضر وصلتني على الايميل هذا الاسبوع وتستدعي الحوار، علماً أنني أتجنب عادة الرد على العديد من الرسائل والملاحظات، خاصة الايجابية منها، وما لفت انتباهي في رسالة خضر، وبمعزل عن غياب آداب الحوار، أنه يأخذ عليّ نقدي السلبي لمسلسل «الحقيقة والسراب»، ويعتبره أفضل عمل درامي عرض في السنتين الأخيرتين، كما أخذ عليّ بالتالي موقفي السلبي من كاتبة العمل (سماح عبد المنعم الحريري) مستشهداً برأي من سمّاه (كاتبك) عكاشة!
 بالطبع من حق أي كان اعتبار أي مسلسل أجمل ما رأى.. فيما يصبح من حق غيره في المقابل اعتباره من أسوأ ما رأى! لكن المعوّل هنا هو أن يخبرنا هذا المنحاز، مع او ضد، على ماذا بنى حكمه فنياً، ولو بحدود الحد الادنى من المحاكمة النقدية، وهذا ما حاولنا أن نفعله سابقاً، ونحاول ان نفعله الان:
قلنا، الاسبوع الماضي، عند حديثنا عن مسلسل «أولاد الأكابر، بأنه لا يمتلك ما يكفي من عناصر النجاح.. فـ «كاتبة العمل الشابة، سماح عبد المنعم الحريري، التي قدمت من قبل «الاحلام البعيدة» و«قبور من حرير» مسكونة، كما يبدو، بالتراجيديات الهندية والافلام المصرية الهابطة، وكما لاحظنا ذلك من خلال نقدنا لمسلسلها البائس  «الحقيقة والسراب» والمحشو بالمبالغات العصابية، غير المبررة، من فيفي عبده».
ولكن أرجو أن يكون واضحاً أنني أكتب عن دراما تستحق النقد، لأن الكثير مما تعرضه الفضائيات العربية لا يستحق لا النقد ولا المشاهدة أصلاً. وهذا الحكم على مسلسل  «الحقيقة والسراب» بنيناه على قراءة نقدية سابقة لنا بينّا فيها ما نعتقده من حيثيات فنية، وهذا هو اجتهادنا على كل حال، قد يصيب وقد يخطىء، لكن على من يرفض ذلك أن يدلي بحيثيّاته أيضاَ.
 ومن هنا فحين تابعنا مسلسل «الحقيقة والسراب»، في عرضه الأول قبل عام فقد فعلنا ذلك لأننا نحترم اسهام مخرجه مجدي أبو عميرة ولهذا قلنا «ومن المؤسف أن يكون مخرج هذا العمل واحداً من ألمع مخرجي الشاشة الصغيرة، الذي سبق وقدم أعمالاً متميزة، مثل الضوء الشارد، اين قلبي، جحا المصري، السيرة الهلالية، (كما قدم في رمضان الحالي مسلسل «محمود المصري» لمحمود عبد العزيز)، مما جعلنا نأمل أن يكون مسلسل «الحقيقة والسراب» مجرد كبوة فارس، سببها كما يبدو هذا الغول المتطلّب المسمّى بالفضائيات العربية التي لا تسمح للفنانين الكبار بفرصة للتنفس، تحت ضغط الاغراء والسوق، وربما أراد المخرج أن يفسح مساحة (مسايرة) إضافية للفنانة الشهيرة فيفي عبده، فجعلها تكرر تواجدها في كل حلقة، وبصورة مبالغ في أدائها لدور الشرير القاسي». وهنا تتحمل كاتبة العمل سماح الحريري قسطها من المسؤولية الفنية، فالعمل كما يبدو مفصّل على مقاس نجمته فيفي عبده وليس لاعتبارات الدراما نفسها، وهذه بالمناسبة واحدة من سلبيات الدراما العربية التي سبق لنا وطرحناها في مقالة بعنوان «يحي الفخراني وتفصيل المسلسل التلفزيوني على مقاس النجم»، أنظر: الرأي 29/11/2004. وكانت النتيجة أننا شاهدنا ميلودراما بائسة على الطريقة الهندية أو بكائيات أمينة رزق ويوسف وهبي.
إن مقتل مثل هذه الأعمال يكمن أساساً في تقديم شخصيات نمطية ثابتة تعبر عن الحد الأقصى للسلوك.. فهذا شرير وذاك خيّر، هذا طيب وكريم ومضحي ومؤدب وذاك قاس ونذل وبخيل وأناني، ولكن الحياة نفسها ليست كذلك فالانسان نفسه ليس ثابتاً في سلوكه ومواقفه بل يتغير باستمرار، وهو قد يكون خاضعاً في موقف ما ومتمرد في موقف آخر، ولكل سلوك أسبابه ودوافعه المقنعة، وعلى سبيل المثال فإن سلوك الام والحماة، سيدة الاعمال، ثريا ابو الفضل (فيفي عبده) مع كنتها نبيلة (سمية الخشاب) المنكسرة والطيبة بلا حدود والمطيعة بلا نقاش، هو أمر غير مفهوم ولا مبرر، حتى مع حكاية وفاة ابنها الاكبر والزوج السابق لنفس الكنّة، رياض (طارق لطفي)، خاصة أنها هي نفسها من أجبرت نبيلة  على الزواج من شقيق زوجها عصام (احمد زاهر)، رغم محبتها الشديدة لزوجها المتوفي، ورغم معرفتها بحب عصام لامرأة اخرى، سلوى (ريهام عبد الغفور).. مما جعل الاثنين يعيشان في غرفة واحدة كأخوين لا كزوجين، مراضاة للأم المتجبرة، وحتى يتمكن الابن من استكمال تعليمه الجامعي.. فقد هددته الأم بحرمانه من التعليم والارث إن لم يتزوج من نبيلة!
وهذه الشخصية النمطية بالغة القسوة لم تسلك مثل هذا السلوك الشاذ بفعل فقدانها لابنها البكر في حادث مؤلم.. غفد مارست ذات السلوك الشاذ مع زوجها ووالد أبنائها الأستاذ المحترم والمستقيم يوسف عبد اللطيف (يوسف شعبان)، مما أدى إلى طلاقهما.
ودليل مثل هذا السلوك الشاذ من قبل الام أنها اعترفت هي نفسها ، ولكن بعد اصابتها بالشلل، بمدى قسوتها على ابنها وكنتها وزوجها وطلبت من الجميع الصفح والمغفرة.
وهكذا نجد أن الشخصيات النمطية التي تتوزع على سلوكيات الحد الأقصى خيراً وشراً، تبقى ثابتة في سلوكها أو يأخذ هذا السلوك شكل حالة شيزوفرينية، كما بالنسبة لثريا التي تقسو على كنتها الطيبة كشيطان فيما هي تمتلىء بالرحمة على بعض الأسر الفقيرة.. أما اذا حدث تغير ما في بناء مثل هذه الشخصيات النمطية فإنه يأخذ شكل انقلاب مفاجىء، وليس بفعل التطور الدرامي الطبيعي للشخصية.
ومثل هذه الشخصية النمطية تكررها الابنة منال، ولكن هذه المرة على هيئة سلوك انقلابي غير مفهوم: من شخصيته المتعجرفة والمتكبرة في بداية المسلسل الى الشخصية الذليلة والتافهة، وبلا أي مبرر منطقي، لقبول شروط العلاقة المهينة من شرير آخر، باسم ( أحمد سعيد عبد الغني ) الذي يلعب بها وكأنها متخلفة ذهنياً ونفسياً.
 بالطبع فإن مثل هذه الشخصيات النمطية تريح المخرج أبو عميرة، كما تريح المؤلفة سماح الحريري في ايصال رسالة العمل، وهي معالجة قضية الزواج العرفي الذي أصبح ظاهرة متفشية في المجتمع المصري، خصوصاً في الوسط الجامعي.ولكننا كنا نعتقد أن قليلي الحيلة درامياً وحدهم يجدون في مثل هذه الشخصيات النمطية عادة ما يريحهم ويريح قطاعا عريضا من الجمهور المتلقي بتقسيم العالم الى أسود وأبيض.. طيب وشرير، وثمة تواطؤ مشترك في معرفة الاسباب الميكانيكية للأفعال والسلوكيات، ولكن مثل هذه المعرفة السطحية لا تضيء ما يعتمل في داخل النفس الانسانية من صراعات وتناقضات ولا تكشف ما تحمله الحياة من كمائن ومفاجآت واحتمالات.. وحيث تتجلى، هنا بالضبط، عظمة الدراما. 
[email protected]
 

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }