كتب - جهاد جبارة - كان نهاراً استثنائياً لسببين، الأول: لأنه لم يعترف بأربعينية الشتاء ف، فتمرد عليها لليخرج منتصراً بدفئه الذي ربما كان سرقه من بقايا ربيع هاجر على حين غفلة...
اما الآخر ، فلأننا غادرنا الصحراء مؤقتاً ريثما تسمح لنا دروبها المشبعة بمياه المطر بالسير عليها لمعاودة كشف اسرار تلك العذراء التي يتكحل برملها البدوي العاشق.
في ذلك النهار رحنا نبحث عن وردة ، ولسنا هنا نتحدث عن «وردة امبرتوإيكو» التي افشى سرها في روايته الشهيرة «سر الوردة».
ووردة الاردنية تلك ليست سيدة ، كما انها ليست زهرة بل هي بقعة الارض التي كانت تبدو من بعيد و كأنها مستديرة الشكل يميل لونها الى الوردي، ما حدا بالقروي ان يطلق عليها «وردة» .
وتختلف تلك البقعة من الارض عما يجاورها، فعلى مساحة لا تتعدى الكيلومتر الواحد تظهر خامات الحديد والتي عرفت بخامات وردة او ما يعرف باللاتيني (ROSA) وهي التربة الوردية التي تنتشر على امتداد سهول حوران.
قليلون هم الذين زاروا م وقع وردة، وقليلون ايضاً يعرفون حكايتها مع الجند وخبراء التعدين الذين بعث بهم القائد المسلم صلاح الدين الايوبي لبناء قلعة عجلون او ما يسمى بقلعة الربض التي شيدت على قمة جبل عوف.
الطريق الى الوردة
وللوصول الى «وردة» خرجنا من مدينة جرش باتجاه ساكب وعند قرية «الصفصافة» انعطفنا نحو اليسار، ثم انحدرنا الى وادي السوق، ثم «الفاخرة» ومنها الى «شكارة» ثم اخذت الطريق بالارتفاع لنصل الى قمة جبل الاخضر ومن هناك انحدرنا الى موقع يسمى «بالخشيبة» حيث ظهرت من بعيد «وردة» الهدف الذي كنا نبحث عنه.
ان السحر الذي اوقعه في النفس ذلك الطريق الذي سلكناه للوصول الى هدفنا لا يمكن ان يزول مهما ارتحل الواحد منا في اصقاع الارض... ان من يشاهد ذلك الخلق العظيم الذي ابدعه الله لا يشك ابداً ان الاردن من اجمل، واثمن بقاع الارض...
فهناك على جانبي الطريق. برزت صخور ضخمة كانت تحتضن اشجار الزيتون، واللوزيات ، والبطم، والخروب، والبلوط، والتفاحيات، وبعض اشجار الحور بينما التربة الوردية الحمراء كدم الزغاليل بعثت في الاجواء رائحتها المميزة والتي كان يخالطها عبير النرجس البري، والرائحة النفاذة الدافئة التي كانت تنثرها في الاجواء اوراق الزعتر الجبلي.
حديد وردة
يقول رئيس قسم علوم الارض والبيئة/ نائب عميد كلية علوم الارض في الجامعة الهاشمية د. احمد ملاعبة ان خام الحديد يتواجد في هذا الموقع الفريد، وفي بقعة قريبة من حفرة الانهدام الغوري الاردني، ويقع هذا الخام في تتابعات الصخور الطباشيرية «من العصر الكريتاسي الاعلى» ، كما يقع ايضاً داخل ت كوين جيولوجي يعرف باسم «الحمّر» حيث سجلت صخور جيرية مشابهة لهذه الصخور في منطقة «الحمر» الواقعة الى الغرب من عمان».
اما فيما يتعلق بخامات حديد وردة فإن البحث الذي قام به «ملاعبة» بينت خلاله الشاردات المغناطيسية ، والتحاليل الكيميائية ان انواع الحديد الموجودة في المنطقة هي في غالبها من معادن «لهيماثايث» والتي يميل لونها الى البني المحمر او الاحمر المشابه للون الدم، اما اصطلاح هابيتايت) فإن اصله لاتيني ويعني الدم.
ومن المعادن الاخرى الموجودة هناك وفقاً للملاعبة «الماجنتايت» وهي تعني المغناطيس ولونه اسود، وهناك ايضاً «الليمونايت» ويميل لونه الى الاصفر الليموني، بالاضافة الى معدن «الغوتايت» والذي يميل الى الرمادي وبالمناسبة فإن الاسم مأخوذ من اسم الشاعر وعالم الطبيعة (غوتيه) الالماني، وهناك «السيديرايت» وهي كربونات الحديد... وكل انواع هذا الحديد المتجمع تمازج مع بعضه البعض بالوانه الخلابة ليعطي لوناً يشابه الوان باقة الورد وقد تجمعت في المنطقة على شكل عدسي.
نشأة الحديد
يقول «ملاعبة ان الدراسات العديدة التي اجريت في المنطقة بينت ان اصل نشأة الحديد يعود الى المحاليل «الحرمائية» - المياه الحارة المشبعة بالعناصر -0 والتي قدمت من باطن الارض ثم ترسبت بين الشقوق والفواصل التي تكونت بسبب الانهدام الغوري الاردني مما اتاح للمحاليل «الحرمائية» ان تتداخل وتحل محل الصخور الجيرية الام . مشيراً الى ان العلماء يتوقعون ان درجة حرارة تلك المحاليل الحرمائية كانت تتراوح عند تكوينها بين 100 الى 150 درجة مؤوية.
وتعتبر هذه البقعة هي من مواقع التنوع الحيوي - الجيولوجي والبيئي حسب ملاعبة وهي من المواقع المتميزة والفريدة في الاردن، وعلى الرغم من ان كمية خام الحديد المثبت في الموقع اقل من مليون طن وبسمك يصل الى عشرة امتار ويكاد ينحصر في منتصف الشكل العدسي الذي يتواجد عليه الخام الا ان ميزتة تكمن في انه الموقع الوحيد لتواجد الحديد في الاردن بهذه الهيئة المتكشفة على الرغم من ان الدراسات سجلت حديثاً وجود بعض خامات الحديد الاخرى في مناطق «جلعاد» ، و«بيرين» ، و«غرب عمان » ولكن بكميات قليلة، جداً، ومتواضعة وبسمك لا يزيد عن المتر الواحد ونيف اضافة الى ان الحديد في تلك المواقع تعلون طبقات او تتابعات من الصخور ذات السماكات العالية مما يقلل من اهميتها الاقتصادية والبيئية.
بناء الحضارات
ساهم حديد وردة في بناء العديد من الحضارات التي توغلت في اعماق تاريخ الاردن، فلقد اثبتت الدراسات الحديدة ان هنالك ستة مغائر رئيسية تم تعدين او استخراج الحديد منها حيث تتراوح اطوال بعض هذه المغائر من 30 الى 50 متراً وبقطر يتجاوز الخمسة مترات.
وفي ذات الموقع تمكنا من مشاهدة قطع من خبث الحديد والتي تؤكد حسب «ملاعبة» على ان الحديد كان يستخلص من خاماته في نفس الموقع عن طريق حرقه في آبار باستخدام صخور الكلس وفحم ا لاشجار وهي من الطرق القديمة التي استخدمت في مواقع عديدة من العالم.
وكان لحديد وردة دور اساسي في بناء قلعة عجلون - كما كنا قد اشرنا الى ذلك في مقال سابق كان يتعلق بتاريخ القلعة - فالقلعة التي بناها «عز الدين بن اسامة» بأمر من صلاح الدين الايوبي فوق قمة جبل عوف كان لحديد وردة دور اساسي في بناءها فقد استخدم هذا الحديد في اقامة الجسر الرئيسي الذي يربط القلعة بالساحات الخارجية المحيطة بالخندق العميق الذي يطوقها... كما استخدم حديد وردة في صناعة المناجيق والسيوف، ورؤوس الرماح.
اضاءة
يقول الملاعبة ان حماية الانظمة البيئية غير الحيوية وخصوصاً الظواهر الطبيعية التي لم يتدخل الانسان في تشكيلها او تكوينها كانت قد بدأت منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً حيث قامت اليونسكو بتأسيس عدة جمعيات في العالم والتي اهمها جمعية الجيوتوب - GEO TOP - الاوروبية والتي انشئت في جامعة «ايرلانجن - نورمبرغ»... وقد اعتمدت اليونسكو قائمة تضم اربعة عشر ظاهرة عالمية مثل مواقع البراكين المتميزة، او الفوهات النيزكية ، او مواقع المعادن النادرة كحديد وردة على سبيل ال=مثال... الامر الذي يستدعي وجوب المحافظة على هذا الكنز واعادة تأهيل الموقع وذلك باعتمادة كمحمية طبيعية، ووضعه على خارطة الاردن الجيولوجية والبيئية وابرازه كموقع سياحي له ارتباط بقلعة عجلون...
وكما اسلفنا فإنهم قلة قليلة من الناس الذين يسمعون بوردة باستثناء الساكنين حولها بطبيعة الحال.
اليس الاجدر بالجهات المعنية ان تتحرك ليس لتسليط الاضواء على مثل هذه المواقع فقط لحمايتها بل لتسويقها ، واظهارها في العلن رأفة بتاريخ الاردن الجيولوجي والحضاري!!.