شكّل مخيم الزعتري منذ تأسيسه عام 2012 ملاذًا لعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، وعلى مرّ السنوات، لم يعد مجرد مركز إيواء طارئ، بل تحوّل إلى مجتمع حيّ يقوده سكانه، حيث تتجسد قيم التعاون والتكافل من خلال مبادرات مجتمعية مبتكرة تسهم في تحسين ظروف الحياة اليومية..
وبدعم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وشركائها، تم تنفيذ عشرات المبادرات التي يقودها اللاجئون أنفسهم داخل المخيم، بهدف تمكين اللاجئين وتعزيز اعتمادهم على أنفسهم وتحسين ظروفهم المعيشية.
وتعتمد هذه المبادرات على مشاركة المجتمع في تحديد احتياجاته والعمل على تلبيتها، سواء من خلال دعم بسيط أو تنسيق لوجستي، بينما يتولى اللاجئون إدارة وتنفيذ هذه المشاريع بشكل مباشر، وتعود هذه المبادرات إلى بداية تأسيس المخيم، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث تم تنفيذ أكثر من 50 مبادرة منذ عام 2022. واستجابةً لمخاوف تتعلق بسلامة الفتيات أثناء توجههن إلى المدرسة في ساعات الصباح الباكر، أطلقت مجموعة من اللاجئات عام 2023 مبادرة مجتمعية تهدف إلى مرافقة الطالبات يوميًا إلى المدارس.
وتهدف المبادرة إلى توفير بيئة آمنة للفتيات خلال تنقلهن اليومي، ومشاركة متطوعات من داخل المجتمع، وخدمة عشرات الطالبات شهريًا، وعدم الاعتماد على تمويل مالي، بل على روح التطوع.
حيث تعكس هذه المبادرة قدرة المجتمع على تطوير حلول فعالة لمشكلات يومية باستخدام الموارد المتاحة، وبتنسيق من المفوضية، باتت هذه المبادرة تخدم اليوم نحو 60 فتاة شهرياً، بدعم من 9 متطوعات يرافقنهن يومياً، وما تزال في توسّع مع انضمام المزيد من الفتيات.
وفي إطار تعزيز التكافل الاجتماعي، أطلق أحد اللاجئين مبادرة «بنك الملابس»، التي تهدف إلى جمع الملابس المستعملة، إصلاحها، وإعادة توزيعها على الأسر المحتاجة داخل المخيم، وتدعم ما بين 200 الى 300 لاجئ شهرياً.
ونجح متطوعين من تحويل مستودع بسيط إلى ورشة عمل متكاملة، بتمويل بسيط قيمته 200 دينار أردني من المفوضية، ما مكّنهم من شراء المستلزمات الأساسية مثل المكاوي، والعلاقات، ومواد الإصلاح، الى جانب ما تم التبرع به من آلات خياطة وغسيل.
وتهدف المبادرة إلى دعم مئات المستفيدين شهريًا، والاعتماد على التبرعات المجتمعية والعمل التطوعي، وتبرز هذه المبادرة أهمية العمل الجماعي في الحفاظ على كرامة الأفراد وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي المخيم، يشكّل الأطفال نصف عدد السكان، وكثيرون منهم قد وُلدوا فيه، يعمل اللاجئون على الحفاظ على تراثهم من خلال متحف صغير يديره المجتمع، يعرض المتطوعون نماذج يدوية لمعالم سوريا الأثرية والتاريخية، من المسجد الأموي إلى آثار تدمر وغيرها.
وبتمويل من المفوضية لا يتجاوز 80 ديناراً، نجح تنفيذ هذه المبادرة بفضل شغف اللاجئين، وبهدف تعزيز الوعي الثقافي لدى الأطفال، والحفاظ على التراث السوري ونقله للأجيال الجديدة، وتوفير مساحة تعليمية تفاعلية داخل المخيم.
وعلى الرغم من بساطة المواد التي يستخدموها، أصبح المتحف مساحة للتعلّم ورواية القصص، حيث يزور هذا المتحف المتواضع لاجئون من المخيم نفسه بشكل يومي، ويُحضر بعض الأطفال عائلاتهم لرؤيته، بينما يعود آخرون مع أصدقائهم ويشرحون ما تعلموا بتفصيل وحماس.
وتُظهر هذه المبادرات أن المجتمعات، حتى في أصعب الظروف، قادرة على خلق حلول مستدامة من داخلها، فقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز روح التعاون والتضامن، وبناء الثقة بين أفراد المجتمع، وتنمية مهارات القيادة والعمل الجماعي، وتحسين جودة الحياة داخل المخيم.
ومن خلال دعم المبادرات المحلية، تستمر الجهود في تعزيز الكرامة الإنسانية وفتح آفاق جديدة نحو الأمل والاستقرار، مؤكدة أن أصغر المبادرات يمكن أن تُحدث أثرًا كبيرًا ومستدامًا.
ويمثل «مخيم الزعتري» نموذجًا حيًا على قوة الإرادة الإنسانية، حيث لم ينتظر اللاجئون الحلول من الخارج، بل بادروا إلى صناعتها بأنفسهم.