معان - هارون آل خطاب - البترا عاصمة دولة العرب الانباط ودرة السياحة الاردنية المعاصرة وتتكىء هذه المدينة على حضارة دامت سبعة قرون (600ق.م 106م) وهي احدى اهم المدن التراثية الكلاسيكية في العالم وهي المقوم الاول للسياحة الاردنية وتنفرد بكونها مدينة اثرية متكاملة منحوتة في الصخر الرملي، ويعتقد العلماء ان المكتشف من المدينة حاليا لا يشكل اكثر من 15% من الحجم المتوقع الذي ما زال تحت التراب.
وقد ابدع الانباط في التجارة فشقوا الطرق وبنوا الابراج وانشأوا صهاريج المياه التي تخدم القوافل والتجار كما ابدعوا في معرفة ركوب البحر وقادوا الحملات العسكرية ففرضوا سيطرتهم على تجارة العالم القديم ولم يقل ابداعهم في التجارة عن نجاحهم في مجالات الزراعة حيث بنوا قنوات المياه بأطوال مذهلة تصل الى عشرات الكيلو مترات وبنوا السدود والخزانات وابدعوا في تقنيات الحصاد المائي واستغلال مياه الامطار.
وفي مجال الصناعة فقد كان لهم بصماتهم الرائعة في مجالات صناعة الخزف النبطي الرقيق واستخراج النحاس من مناجمه وتوجوا ابداعاتهم في الصناعة عندما صكوا العملة العربية الاولى في التاريخ العربي والتي حملت صورة الملك والملكة وكتابة عربية ارامية باحرف نبطية طورها الانباط عن لغة التجار العامية آنذاك وهي الارامية.
كما ان للانباط والمنطقة تاريخيا فضل الدفاع عن الهوية العربية في بواكير الحملة المغرضة التي استهدفت الامة العربية حيث انطلقت اول الجيوش في التاريخ العربي للدفاع عن الهوية العربية من قبل الانباط ومن على جغرافيتهما التي تمثل الاردن ومن قلب عاصمتهم البترا.
فالبتراء تراث خلفه العرب الانباط بعد استقرارهم في جنوب الاردن اكثر من الفين وخمسماية سنة سيطر الانباط على طرق القوافل التجارية في بلاد العرب فكانوا يأوون القوافل المحملة بسلع عربية كاللبان والمر والتوابل والحرائر الهندية والعاج وجنود الحيوانات الافريقية.
وعندما كانت المملكة النبطية في اوج قوتها ضمت الى حدودها دمشق عام 85ق.م في عهد الملك الحارث الثالث الذي وصف بالمحب لشعبه وشملت اجزاء من صحراء سيناء والنقب حيث شيد المدن التي كانت محطات تجارية مثل كريت وعبده ومسعدة وغيرها وكانت بذلك تحكم الجزء الاكبر من بلاد العرب واصبحت البترا محط الاعجاب الواسع بثقافتها الرفيعة واسلوب بنائها المهيب.
وبحلول القرن السادس عشر كانت البترا قد فقدت تماما بالنسبة للغرب وبقيت كذلك حوالي ثلاثماية عام حتى عام 1812 عندما اقنع المغامر السويسري جوهان بوركهارت دليله الليثي احد ابناء عشائر اللياثنة في وادي موسى ان يأخذه لموقع المدينة التي اشيع انها مفقودة حيث كتب في ملاحظاته التي دونها انه يبدو محتملا بان الغرائب الموجودة في مدينة في وادي موسى هي بقايا للبتراء القديمة.
وتتأتى جاذبية البترا في الكثير منها من موقعها المذهل في اعماق ممر ضيق بين سلسلة صخرية يصل طولها حوالي 2كم وارتفاعها 100م حيث يظهر في نهاية هذا الممر وبشكل دراماتيكي اشهر اثار البترا وهي الخزنة هذه الواجهة الصخرية التي ظهرت في الفيلم السينمائي الشهير انديانا جونز.
ويعتبر «السيق» المدخل الرئيسي للبتراء وهو شق ضيق ومحصور بين الصخور اما الخزنة فهي اول ما يلمح الزائر عند نهاية السيق ويعتقد ان واجهة الخزنة مستوحاة من اسلوب البناء الهليني الكلاسيكي في الوقت الذي يبلغ فيه ارتفاعها 40 مترا وعرضها 28م وكان يعتقد الناس ان الجرة القابعة في اعلى هذا الصرح الضخم تحتوي على كنوز لا تعد ولا تحصى من الجواهر الثمينة والذهب ومن هنا سميت بالخزنة الا ان بعض علماء الاثار يعتقدون ان الخزنة التي نحتت في القرن الاول ق.م كانت ضريحا لاحد ملوك الانباط وقد استعملت فيما بعد كمعبد حيث تظهر الواجهة المنحوتة بدقة آلهة النبطية وشخصيات ميثولوجية.
كما يعتبر الدير من اشهر الاثار الباقية في البترا ويمكن الوصول اليه بعد رحلة يتسلق فيها الزائر سلسلة من 800 درجة منحوتة في الصخر وهو بناء منحوت في الصخر ايضا يبلغ ارتفاعه 45م وعرضه 50م حيث يعتقد ان هذا المعبد او الضريح كان موقعا هاما للحجاج الذين كانوا يحتشدون في المنطقة المكشوفة امامهم واستعمل هذا الصرح كدير ابان الحقبة البيزنطية المسيحية من القرن الرابع.
والبترا مليئة بالمواقع الاثرية الهامة الاخرى التي بنيت واستعملت في عهد الانباط وتعددت اغراض استعمالاتها في الفترات التي اعقبت الفترة النبطية ومنها المسرح الذي يتسع الى 9000 شخص والاضرحة الملكية وضريح الحرير وضريح المسلة والقصر وشارع الاعمدة والمذبح وضريح الجندي الروماني والكنيسة البيزنطية ومعبد الاسود المجنحة وقبر الحية وغيرها من المرافق الكثيرة التي تزخر بها هذه المدينة الوردية.
وكلما تجول الزائر وتسلق جبالها اكتشف مئات المباني والواجهات والاضرحة والحمامات والرسومات الصخرية والصور البارزة المنتشرة في كل مكان.