حاورتها: سميرة عوض- تؤمن المخرجة المسرحية سمر دودين باهمية الافكار ولكنها ترى ان العاطفة الصادقة اكثر اهمية بكثير في العمل المسرحي لتصل الى الناس وتلامس شغاف قضاياهم الانسانية، ومقاومتهم للمرض الذي لا يرحم مشاعرهم ولا يوفر اجسادهم.
ودودين التي اسست «تكوين - ورشة المسرح والفنون» القائمة على عملية المشاركة لايجاد المسرح للشباب ومعهم، باسلوب ورشة العمل المسرحي التي بدأتها منذ العام 1994 لجانب انتاج نص مسرحي مستوحى من قصص وحكايا اصحاب العلاقة/ القضية/ المشكلة انفسهم ومن تخيلاتهم الموقوفة في اعمالهم في اطار الغوص لدفعهم للتعبير واطلاق اصواتهم ليسمعوها هم انفسهم ولنسمعها نحن ايضا.
ولـ«تكوين» ثلاث تجارب مسرحية هي «سأعرفك»، «الاوراق الخضراء»، «متاهات عمانية»، ومؤخرا «نوع نادر من الحب» التي عرضت لثلاث ليال متواصلة في مركز الحسين للسرطان، كان لـ«الرأي» مع مخرجة ومؤلفة العمل هذا الحوار:
* كيف تصفين ردود فعل الجمهور بعد عرضك التجريبي غير المألوف «نوع نادر من الحب» وهي تجربة تناقش المرض الذي لا يذكره الناس باسمه؟
- اود ان انقل العرض المسرحي الى عدة مستشفيات في الاردن شمالا، جنوبا، ووسطا، احب ان يشاهده الناس، خصوصا وانني شعرت ان هنالك شيء ابسط بكثير مما نتخيل، اذ تيقنت من امكانية ان يكون «المسرح» في اماكن مسكونة، وان المسرح يمكن ان يحدث في بيئة الانسان، من غير ان يرتحل الناس الى بناء كلاسيكي اسمه المسرح.
وعلى الرغم من ان عدد المشاهدين للعرض كبير قياسا الى حجم الامكنة المخصصة في «مركز الحسين للسرطان» الا انهم اندمجوا مع الممثلين، كما اندمج الممثلون بالناس، واختفت المسافة بين الممثلين والناس في لحظات، واقتربنا جميعا من بوح اصوات حقيقية لشباب مهمشين، وشابات مهمشات، وبسبب اصابتهم بالسرطان، فاصبحوا محكوم عليهم بالموت قبل الموت، وفي الحقيقة يحتاج هؤلاء ان يعيشوا حياتهم العادية، ويحتاجوا لمعنى وتفهم مختلف من الناس من حولهم.
* لامس النص مناطق انسانية موغلة في العمق النفسي ليس للمصابين فحسب وانما للناس عموما، ما اكثر ما اثر فيك في العرض؟
- لعل اكثر جملة في النص اثرت بي، كانت عندما تعبر الشابة «دنيا» عن مشاعرها الحقيقية، ورغبتها بنبذ الشفقة من الاخرين دافعة اياهم لمشاعر الحب وتصف احساسها ومشاعرها علي نحو دقيق بقولها «بس بدي اكون مع اللي بحبه»، وما تلبث ان تواصل عبر مقارنة مشروعة وحقيقية جملتها «كلنا مكسورين، بالضبط زي هالسرطان.. كل واحد منا فيه اشي من جواته مكسور».
* حدثينا عن رحلة البحث والغوص في خفايا السرطان الى ان ولد نص العرض المسرحي «نوع نادر من الحب»؟
- بدأت برحلة بحث من خلال لقاءاتي المكثفة مع الاختصاصية الاجتماعية في مركز الحسين للسرطان رجاء الصالحي، ومن خلال لقاءات اخرى مع اختصاصي الطب النفسي في المركز د.غازي عواد.
كما بدأنا بدراسة لحالات المرض لفئة الشباب من عمر 19- 30 سنة، وقمت باسلوب بحثي خاص اذ اخترت مجموعة صور فوتوغرافية للفنانة جان كاساي، اضافة الى لوحة تجريدية للفنانة نوال العبدالله تجسد مشهدا لارض وسماء وبحر، اضافة الى مجموعة من الاسئلة التي كنت ابدأها دائما بالطلب الى الشباب المصابين بالتعليق على الصورة وكيف يفكرون فيها، لتصبح اسئلتي القصيرة مدخلا لحوارات مسترسلة واحاديث طويلة معهم.
* كيف تعاملت الحالات الحقيقية المبحوثة مع الصور؟
- كان كل منهم يقارب بينه وبين ما يراه في الصورة المعروضة عليه، فهنالك شاب شبه اسوداد الصخور في احدى الصور بسرطان الرِئة الذي يعاني منه، فيما شبه الحشائش الخضراء النابتة في الصورة ذاتها بالقبر الذي يتمنى ان يدفن فيه.
وهكذا تراوحت ردود فعل المصابين ازاء الصور وكانوا دائما يجدون حالة ترابط بينهم وبين الصور بشكل ساعدني في فهم واستيعاب ومعايشة كيف يفكرون، والاهم كيف يشعرون وهذه ضالتي وهدفي في العرض المسرحي.
* من هنا نجحت في تجسيد مشاعرهم وحالاتهم في العرض المسرحي.. بداية من رفض المصابين كفكرة الاصابة بالسرطان. وانتهاء بحالة انتهاء علاقة «دنيا» بخطيبها كثمن للشفاء من المرض؟
- من خلال بحثي ومقابلاتي مع الاختصاصية الاجتماعية والطبيب النفسي، ولقاءاتي مع المصابين استطيع ان اقول ان المصاب في رحلته نحو الشفاء يمر بحالات سبعة مختلفة اولها: رفض الاعتراف بالاصابة، والتصرف وكأن كل شيء عادي وطبيعي، ثم الغضب الشديد من المصاب، ثم حالة الدعاء لله بالشفاء، ثم يدخل حالة من الكآبة، ثم مرحلة البكاء، يليها التعبير عن الحزن والفقد، وآخرها القبول بالواقع، وهنا تختلف ردود الفعل فمنهم من يستسلم للمرض، ومنهم من يصر على مواصلة حياته ويواصل مسيرته مع هذا المرض والتعايش معه من اجل الحياة.
* في العرض المسرحي المتنقل من مكان الى مكان، لاحظنا تجسد هذه المراحل جميعا؟
- بالتأكيد هذا هو هدف العرض المسرحي معرفة هذه الحالات، والتعامل معها بشفافية وحب فمثلا «شخصية شجاع» تمثل الشاب الرافض للعيش والحياة مع المرض والشاب يريد الموت حقيقة.
فيما الام المصابة والتي تعرف ان المرض يرسل بها للموت، الا ان قوتها تتآتى من احساسها القوي بالمسؤولية تجاه طفلها ابن العامين، وقلقها على مستقبله ورغبتها ان يعيش في حب واستقرار.
* النصوص الادبية المنتقاة والتي تضمنها العرض المسرحي والتي صعدت به الى اجواء عالية ومعبرة جدا.. كيف اختيرت النصوص؟
- النصوص الادبية اختارتها الباحثة ربيعة الناصر، وربيعة وانا لنا تجارب عملية سابقة معا منها «مشروع حماية الطفل» عبر مقاطع شعرية معبرة للطفل، ذلك ان لدى ربيعة الناصر حساسية عالية تجاه قيمة النصوص الادبية، ولديها قدرة على اختيار نصوص ذات طبيعة مركبة تصلح للتوظيف لغايات الابداع الفني والمسرحي، وانا كمخرجة معنية جدا بالافكار، وهي مهمة جدا بالنسبة لي، لكن العاطفة لديّ اهم بكثير، خصوصا وان المتلقي يريد ما يلامس وجدانه ومشاعره والغوص في الجوانب العميقة للانسانية التي تجعلنا نشعر بشكل مختلف حتى نستطيع ان نري الامور بشكل مختلف ونفكر بشكل مختلف.
* جسدت «نوع نادر من الحب» مثال حي وناجح على نجاعة «مسرح المكان» ماذا عن الشراكة في انتاج هذا العمل بين المجلس الثقافي البريطاني وفرقة جرين ايرن الاسكوتلندية، وتكوين؟
- «نوع نادر من الحب» جاءت نتيجة لقاء مع الصديق بن هاريسون مدير فرقة جريد ايرن وشريكي في الاخراج، لقاء بالرؤية وضرورة العمل على قضايانا باسلوب ورشة البحث وباسلوب «الكولاج».
اشير هنا ان «تكوين» ورشة المسرح والفنون تبنت اسلوب البحث الذي يستند الى عملية المشاركة لايجاد المسرح للشباب ومع الشباب، ان اسلوب ورشة العمل الذي بدأته المخرجة المسرحية سمر دودين منذ عام 1994 يعتبر ميزة رئيسية لعملية انتاج مسرحي فريدة حيث يبرز النص ويستوحى من قصص وروايات اصحاب العلاقة انفسهم ومن تخيلاتهم المدفونة في نفوسهم في سياق مجتمع متعدد الاجيال.
* «الموسيقى» فعلت فعلها في الجمهور فادخلتهم عالما من السكينة، وكأنهم جزء من المشهد.. وهذا توظيف ايجابي للموسيقى في عرض حي؟
- العمل كله قائم على «الكولاج» عبر نص ابداعي مختلف وشهادات مرض وصور ونصوص ادبية واشياء مختلفة وكانت الموسيقى عنصر رئيس من هذا الكولاج بالحان رقيقة واستثنائية قدمها المؤلف الموسيقي اياس الغول، وعزفها عبر آلات ثلاث منتقاة، اياس الغول/ ساكسوفون، باسل خوري/ كمان، احمد عياش/ جيتار، وفعلا كانت الموسيقى الاكثر قدرة على التعبير في العرض ورابطا بين المشاهد جميعها.