يعود تكوينها الى 50 مليون عام! ... صحراء الحزم الصواني .. دلالات حضارة وعزم بداوة

يعود تكوينها الى 50 مليون عام! ... صحراء الحزم الصواني .. دلالات حضارة وعزم بداوة

تاريخ النشر : الأربعاء 12:00 1-12-2004
No Image
يعود تكوينها الى 50 مليون عام! ... صحراء الحزم الصواني .. دلالات حضارة وعزم بداوة

هناك ..
حيث تتخذ الرياح مرتعاً، ومسكناً لها، ويستحيل صوت هبوبها الى ما يشبه العواء ..
هناك ..
وبعد ان يضيق صدر الصحراء بالملل، والوحدة، يهب عواؤها منادية ذئابها الوفية للوعد والعهد كي تقيم «تعليلة الليل» فوق كسرات الصوان البرونزية .. الذئاب الوفية لا تخيب امل البيداء مسقط رأسها فتأتيها ملبية النداء لتشعل عيونها النارية المحمرة كلما لاح في كبد الصحراء قمر.
هناك ..
حيث يقسو زجاج ميازين الحرارة على الزئبق فيحبسه في القاع ليلاً، ومطلع كل فجر شتائي فيضيق الزئبق ذرعاً داخل حبسه الزجاج، ويصرخ برداً، وصقيعاً فلا يجد الا جذور وجذوع شجيرات «الفَرس» المحترقة كي تطلق سراحه!
وهناك ..
حيث تلوذ شجيرات «القطف» و«الطرفة» بضفاف الاودية هاربة من برد فلا تجد الا الصقيع .. خائفة من البلل فلا تجد الا فيضة الاودية تكاد تغرقها ..
انها هذه المرة صحراء الحزم الصواني CHERTY TALUS DESERT وليست صحراء «الحرة» التي كنا قد تناولناها في العديد من التحقيقات السابقة ..
يعود اطلاق اسم «صحراء الحزم الصواني» لنائب عميد كلية الموارد الطبيعية والبيئية، ورئيس قسم علوم الارض والبيئة في الجامعة الهاشمية الدكتور «احمد ملاعبة» الذي رافقني في هذه الرحلة والتي سلكنا فيها طريق الموقر الاسفلتي الى ان وصلنا قصر «الحرانة» او الخرانة» ثم بعد ما يقرب من خمسة كيلومترات انعطفنا يميناً لنتخذ طريقاً صحراوياً قديماً راح يخترق «صحراء الحزم الصواني» وتغلغلنا في تلك الصحراء الى ان وصلنا بقعة لا تبعد عن اراضي المملكة العربية السعودية سوى ما يزيد قليلاً على اربعين كيلومتراً فقط.
ومن المؤكد ان صحراء الحزم الصواني كانت قد استهوت واستقطبت الانسان الحجري حيث وجد بين كسر صوانها ضالته المنشودة حيث ان تشكيلات ذلك الصوان تساعد على تحويلها الى ادوات كان يستعملها ذلك الانسان مثل رؤوس الرماح، والمدي، وغيرها.
يقول «ملاعبة» ان تلك الصحراء تعرف محلياً باسم ارض «الشومري» او «الضبعي» وسميت بالشومري لأن نبات «الكلخ» والذي يتشابه منظره مع نبات الشومر ينمو وينبت على ارضها لكن الفارق بين النباتين كبير جداً، فالشومر مفيد بينما نبات «الكلخ» سام جداً وقد حدثنا بعد العربان هناك ان رعاة قطعان الابل والماشية عندما يشاهدون ظهور نبات الكلخ فانهم يسارعون بالرحيل عن تلك المنطقة خوفاً على قطعانهم من الهلاك جراء التسمم الذي يلحقه بها نبات «الكلخ».
ويؤكد بعض البدو الذين التقيناهم انها سميت ايضاً بالضبعي لأن قطعاناً كثيرة من الضباع تسكنها.
اما فيما يتعلق بالاسم الجيولوجي فيقول «د. ملاعبة» ان «الحزم» هي الارض المنبسطة والتي تكاد تكون كالسهل، تكسوها ملايين من الكسر، والعقد الصوانية.
مضيفاً ان الحزم الصواني يشكل من تكوين يُعرف جيولوجياً باسم تكوين «ام رِجام» بكسر الراء - ويطلق عليه اسم «الرجام» نسبة الى جبل «ام رجام» الواقع جنوب شرق منطقة جرف الدراويش جنوب الاردن، حيث سُجل لأول مرة هذا التكوين في تلك المنطقة عام 1970.
ويؤكد «ملاعبة» ان السُمك المكتشف من هذا التكوين الجيولوجي يبلغ حوالي 135م، بينما سجلت الدراسات الحفرية في باطن الارض اعلى سمك لهذا التكوين في صحراء الحزم الصواني حوالي 267م حسب نتائج الابار العميقة.
ويحدد «احمد ملاعبة» جغرافية صحراء الحزم في تلك المنطقة، اذ تبدأ من قصر الحرانة او الخرانة شرقاً لتمتد الى غرب الازرق الجنوبي حيث تختفي هناك اسفل الانسيابات البازلتية، وتظهر هذه الكسوة بوضوح عند جبل «أُصيخم» بضم الهمزة فوق الألف - حيث غطى البازلت نصف الجبل في حين بقي نصفه الاخر صوانياً ..
ومن الجدير ذكره، ان هناك على قمة جبل «أُصيخم» كان قد شُيِّد قصر اثري لا زالت اطلاله ماثلة للعيان.
ويؤكد «ملاعبة» على ان الدراسات الجيولوجية للبيئات القديمة تشير الى ان تكوين «ام رجام» يتميز بتعاقب الصخور الصوانية والكلسية، كما تدل المستحثات، والكائنات البحرية المتحجرة في صخور التكوين على انها صخور ترسبت في بيئات بحرية ليست عميقة، وهي بيئة بحر «التيثس» الذي كان بين مد وجزر على امتداد الصفيحة العربية.
ويضيف ان دراسات تحديد الاعمار دلت على ان تكوين ام رجام يعود الى العصر الجيولوجي الثلاثي، او ما يعرف (بالايوسين) المتوسط، والذي يتراوح عمره من 40 الى 50 مليون عام.
ويفسر «د. ملاعبة» وجود القطع الصوانية بأحجام من 3سم الى 5سم في الغالب ويصل بعضها الى حجم كف اليد الى ان الصوان مكون من معادن «السيليكا» - الكوارتز - وهي معادن ذات صلابة عالية، بينما الصخور الكلسية تتكون من معادن (الكالسايت) الاقل صعوبة، مؤكداً ان للعوامل الطبيعية مثل الماء، والرياح دورا رئيسيا في تكسر، وتشظي هذه الصخور بحيث بقيت الصخور الصوانية الصلبة وذابت الكلسية الرخوة، ثم تناثرت بقايا الصخور الصوانية كِسَراً على صفحة صحراء الحزم.
وتنتشر في صحراء الحزم سلسلة من الاودية الضخمة والتي يتجه مسار معظمها من الغرب باتجاه الشرق مثل اودية «الحرانة»، «الشومري»، «الضبعي»، «والبسة» و«الغدف» و«فريشين» والذي تحتضن ضفتيه شجرة بطم وحيدة لا انيس لها سوى الطير وتعتبر تلك الشجرة هي الشاهد الوحيد على توغل المكان والزمان الا ان ذكاء البدوي الفطري قاده الى ان يقيم على كل اكمة اشارة على هيئة برج يرتفع من خمسة الى سبعة امتار ليمثل علامة ودليلاً له في حله وترحاله وسط هذا الحزم المتشابه وتلك الابراج تحدد مواقع يعرفها البدوي بأسماء مثل الادعم، المديسات، الشومري، الغدف، البسة، البولليات.
وثمة في صحراء الحزم الصواني اودية اخرى تتجه من الجنوب الى الشمال معاكسة في مسيرها «اودية الحرة البازلتية والتي تلتقي جميعها في قاع «باير» في المملكة العربية السعودية ومن هذه الاودية الجشة، الذروة، المخروق، الحصيدات، العوسجي، العزة، والمشاش والتي تفيض في الشتاء بكميات هائلة تبلغ مئات الملايين من الامتار المكعبة.
وخلال مسيرنا في منطقة الحزم الصواني، وعند تلك الشجرة التي اتينا على ذكرها سابقاً التقينا بالشقيقين عبدالآله، ومنصور الشرعة الساكنين اطراف تلك المنطقة حيث افادا ان المنطقة تغتني خلال فصل الربيع بالعديد من النباتات والاعشاب الطبية والرعوية مثل النفل، الجعدة، رجل الحمامة، اليهق، السليح، البختري، القفعة، الكما بنوعيه الزبد الابيض، والجب الاحمر، والطرفة، والقطف، والربلة، والديدحان - اي الاقحوان.
انجاز اردني بدوي
وكم كانت مفاجأتنا عظيمة ومذهلة في آن معاً، فبعد كل ذلك الجفاف، واليباس، واليباد الذي قطعناه وتجرعناه خلال تلك الرحلة منذ بدايتها .. حين اطلت علينا من بعيد اشجار كثيفة تبدو وكأنها يتيمة في وسط صحراء الحزم الصواني ..
وما ان اقتربنا منها رويداً رويداً حتى تبين لنا انها قصة اعجاز وانجاز اردني صنعه رجل بدوي من اهل العزم حيث تمكن من كسر يباس الصحراء وحوله الى واحة غناء تتراقص على اشجارها اجنحة الطيور.
لقد تمكن وبعد عناء وعذاب شديدين «بدر حران البخيت» من تجريد ما مساحته الف وستماية دونم مربع من الكساء الصواني ليغرس بدلاً منه على تلك الرقعة الواسعة اماله وامانيه وآمال واماني ابنائه محمد وفايز وبكر ..
ان بداوتهم ووفاءهم للصحراء دعتهم لاحياء تلك الارض التي ما من وسيلة للوصول اليها الا بعد عناء فأقاموا مزرعة لاشجار الزيتون عددها عشرة آلاف شجرة.
يقول «ابو محمد» ان هوى الاردني البدوي جلبه الى حيث العشق الصحراوي فبذل الغالي والنفيس لتنفيذ هذا المشروع الذي لم يذق حلاوة الربح منه منذ تأسيسه قبل حوالي خمسة عشر عاماً ..
ان الوصول الى اشجار الزيتون اضحى امراً صعباً في ظل غياب الطرق، والمحزن هنا ان تلك الاشجار لا زالت تحمل ثمرها دون قطاف لتعذر ايجاد من يرضى بالذهاب الى هناك.
ان اشجار الزيتون تلك والبالغ عددها عشرة الاف شجرة، كما اسلفت ليست بعيدة عن مجرى وادي الضبعي فلو ان جهة مسؤولة تقوم بانشاء سد ترابي في موقع متوسط بين الواد وتلك الاشجار لأمكن تسهيل سقايتها والحفاظ على نضرتها واخضرارها.
ان الجهات المسؤولة التي تعمل جاهدة على توطين البدو لمدعوة اليوم لزيارة مفاجذة الى حيث اشجار الزيتون كي تسمع منها قصة البدوي الذي عمل منفرداً هو وابناؤه فأتقن العمل وقدم للصحراء حبه وعشقه على هيئة زيتون مبارك.
وفي طريق العودة كانت السماء الصافية تحتضن قمراً يكاد يلامس اهداب العين كلما نظرت اليه .. وكان البرد شديداً غير ان نجوم السماء كانت كما الشموع الموقدة تبعث الدفء داخل القلب العاشق لصحراء راحت كِسَر صوانها تتلألأ هي الاخرى، بينما كانت تلوح بعيداً هناك نجوم مثل عطارد والقطبي، ومجموعة نجوم قصعة المساكين ..
وكان الافق البعيد ينذر بقدوم مطر حيث البرق الذي يسبق الرعد ابلغنا بذلك ..
فأمطرت ..

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }