* نعيش في عصر لا تتنافس فيه الامم بكثرة أفرادها وانما بتقدمها واختراعاتها
* لا مانع من تأجيل الحمل استجابة لتقدير الدولة وامكاناتها
اجرى اللقاء : الدكتور حسين الخزاعي - الحديث في موضوع تنظيم الأسرة تشعباته كثيرة وممتع، وتزداد متعته والتشوق للمعلومات المتعلقه به عندما يكون المتحدث في الموضوع من اهل العلم والمعرفة والخبرة والدراية الواسعة لأصول الدين وفروعه، ولمقاصده واهدافه واحكامه.... والدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي جمهورية مصر العربية السابق والامام الاكبر شيخ الجامع الأزهر حاليا خير من يتحدث في هذا الموضوع، خاصة عندما نعرف بأن الدكتور الطنطاوي أصدر فتوى مهمه في تنظيم الأسرة في عام 1988 عندما كان مفتي الديار المصرية ، وكانت الفتوى شاملة، ومفصلة، وناجمة عن دراسة تامة للفقه، وجاء في الفتوى ان تنظيم الأسرة جائز شرعا وعقلا متى كانت هناك اسباب تدعو اليه، وهذه الاسباب يقدرها الزوجان حسب ظروفهما.
اللقاء التالي مع الدكتور العلامة فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر يجيب على التساؤلات التي قد تخطر على بال المواطنين وصناع القرار فيما يتعلق بتنظيم الأسرة، وخاصة اننا في الأردن نعاني من مشكلة التزايد السكاني ففي صباح كل يوم نستقبل ( 348 )، وببساطة فإن هذا يعني ( 148000) مولود في السنة، ومعنى ذلك اننا نزيد محافظة واحدة في كل سنة ( فمحافظة مادبا عدد سكانها يقل عن هذا العدد وكذلك محافظة جرش ومعان والعقبة ) وهذا يعني اننا بحاجة الى مزيد من التخطيط والجهد والبحث لمحاولة تأمين سبل الراحة للمواطنين في ظل محدودية الموارد والامكانات، وتوفير لقمة العيش لهم في الوقت الذي يدخل فيه سوق العمل سنويا ( 000.60) باحث عن عمل. وعدد المتقدمين لوظائف في ديوان الخدمة المدنية يزيد عن ( 000.150) طالب وظيفة لا تستطيع الحكومة تأمين اكثر من 3000 وظيفة سنويا.
وفيما يلي الحوار
س: ما معنى تنظيم الأسرة ؟ وهل هناك فرق بين التنظيم و التحديد والتعقيم و الإجهاض ؟
الجواب : تنظيم الأسرة معناه : أن يتخذ الزوجان باختيارهما واقتناعهما. الوسائل التي يريانها كفيلة بتباعد الحمل. أو إيقافه لمدة معينة من الزمان يتفقان عليها فيما بينهما.
والمقصود من ذلك : تقليل عدد أفراد الأسرة بصورة تجعل الأبوين يستطيعان القيام برعاية أبنائهما رعاية متكاملة، بدون عسر، أو حرج، أو احتياج غير كريم....
وهناك فرق شاسع بينه وبين التحديد والتعقيم والإجهاض، إذ تحديد النسل بمعنى منعه منعاً مطلقاً ودائما، حرام شرعاً، ومثله التعقيم الذي هو بمعنى القضاء على أسباب النسل نهائياً.
وأما الإجهاض وهو قتل الجنين في بطن أمه، أو إنزاله، فقد أجمع الفقهاء
- أيضاً- على حرمته وأنه لا يجوز إلا إذا حكم الطبيب الثقة ، بأن في بقاء هذا الجنين هلاكاً للأم، أو ضرراً بليغاً سيصيبها بسبب بقائه في بطنها...
س : هل ترى أن تنظيم الأسرة بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز من الناحية الدينية ؟
الجواب : أن تنظيم الأسرة أو النسل، بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز شرعاً وعقلاً متى كانت أسباب تدعو إليه، وهذه الأسباب يقدرها الزوجان حسب ظروفهما... فقد تنشأ أسباب تدفع الإنسان إلى تنظيم أسرته أو نسله، فقد ذكر الفقهاء قديماً وحديثاً جملة من الأسباب التي تبيح للزوجين تنظيم نسلهما. ومن الفقهاء القدامى الذين فصلوا الحديث عن هذه المسألة الإمام الغزالي المتوفى سنة 505 هــ، فقد قال في كتابه " إحياء علوم الدين " جـ2 ص51 : ( وأما العزل ـ وهو أن يقذف الرجل ماءه خارج الرحم منعاً للحمل- فقد اختلف العلماء في إباحته وكراهته ... والصحيح عندنا أن ذلك مباح ).
ولقد لخص فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر السابق في عام 1959 في كتابة (( تنظيم النسل)) ص8 جانباً من كلام الإمام الغزالي في هذه المسألة فقال (( يرى الإمام الغزالي أن منع الولد مباح ولا كراهة فيه، قال : لأن النهى انما يكون بنص أو قياس منصوص، ولا نص في الموضوع ولا أصل يقاس عليه، بل عندنا في الإباحة أصل يقاس عليه، وهو ترك الزواج أصلاً، أو ترك المخالطة الجنسية بعد الزواج، اترك التلقيح بعد المخالطة. فأن كل ذلك مباح وليس فيه إلا مخالفة الأفضل، فليكن منع الحمل بالعزل أو ما يشبه مباحاً...).
وأما الفقهاء المحدثون فمنهم فضيلة الشيخ السيد السابق، فقد قال في كتابه المشهور (فقه السنة) جـ7 ص145، تحت عنوان العزل وتنظيم النسل.. تقدم أن الأسلام يرغب في كثرة النسل إذ أن ذلك مظهر من مظاهر القوة والمنعة الظروف الخاصة من تنظيم النسل، باتخاذ دواء يمنع من الحمل، أو بأي وسيلة آخرى من وسائل منع الحمل.
فيباح التنظيم في حالة ما إذا كان الرجل كثير العيال ولا يستطيع القيام على تربية ابنائه التربية الصحية.
وكذلك إذا كانت ضعيفة، أو كان الرجل فقيرا اًو كان هناك مرض معد في الزوجين أو في أحدهما.
ففي مثل هذه الحالات يباح تنظيم النسل، بل أن بعض العلماء يرى أن التحديد في هذه الحالات لا يكون مباحاً فقط بل مندوباً إليه... وبذلك نرى ان تنظيم الأسرة، اجازه الفقهاء القدامى والمحدثون، متى كان هناك داع اليه.
س: هل يعتبر تنظيم النسل أو الأسرة الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة تزايد، ورفع مستوى المعيشة وحصول كل فرد على مطالب حياته بصورة مقبولة ؟
الجواب : ما قال عاقل بأن تنظيم النسل او الاسرة هو الوسيلة الوحيدة لحل هذه المعضلات، وانما هو وسيلة من بين كثير من الوسائل التي من أهمها : اداء كل فرد من افرادها لواجبه قبل مطالبته بحقوقه، وحرص هذا الفرد على ان يكون لبنة نافعة في بناء كيان مجتمعه... لبنة تقوي كيان المجتمع ولا تضعفه، وتعطيه من انتاجها اكثر مما تأخذ منه... وآفة الآفات في كل امة تثقلها الديون والمتاعب المتشابكة، تتمثل ـ في تقديري ـ في تمزق ابنائها، وتفرقهم، وسلبيتهم، وشيوع سوء الظن بينهم بدون موجب، واهتمام معظمهم بالحصول ـ بكل طريق ـ على مصالحهم الخاصة، ومنافعهم الذاتية....
أما ما يعود على امتهم بالخير فلا يحظى بجانب كبير من تفكيرهم او اهتمامهم.... والله ـ تعالى يقول : -
" ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " . ) الرعد :11)
س: ولكن هل صدرت فتاوى رسمية في موضوع تنظيم النسل أو الأسرة ؟
نعم هناك فتاوى متعددة صدرت في هذا الموضوع، نكتفي بايراد نماذج منها :
1- في 25 من كانون الثاني سنة 1937 ـ أي : منذ أكثر من خمس وستين سنة ـ ورد إلى دار الافتاء، سؤال نصه : رجل رزق بولد واحد، ويخشى ان هو رزق اولادا كثيرين، ان يقع في حرج من عدم قدرته على تربية الأولاد والعناية بهم، أو تسوء صحته، فتضعف اعصابه عن تحمل واجباتهم ومتاعبهم، او أن تسوء صحة زوجته لكثرة ما تحمل وتضع، دون ان يمضي بين الحمل والحمل فترة تستريح فيها، وتسترد قوتها، فهل له او لزوجته ان يتخذا بعض الوسائل التي يشير بها الاطباء، ليتجنب كثرة النسل بحيث تطول الفترة بين الحمل فتستريح الأم، ولا يرهق الولد.
وقد اجاب فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم ـ مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت ـ بقوله : اطلعنا على هذا السؤال، ونفيد بأن الذي يؤخذ من نصوص الفقهاء الأحناف، انه يجوز أن تتخذ بعض الوسائل لمنع الحمل.
وقال فضيلة الشيخ أن سؤالا شبيها بهذا السؤال ورد إلى لجنة الفتوى بالازهر في سنة 1952 ونصه " رجل متزوج رزق بولد واحد، ويخشى ان هو رزق اولادا كثيرين، ان يقع في حرج من عدم قدرته على تربية الاولاد والعناية بهم، فهل له أو لزوجته ان يتخذا بعض الوسائل التي يشير بها الاطباء، لتجنب كثرة النسل، بحيث تطول الفترة بين الحمل والحمل، فتستريح الام، وتسترد صحتها، ولا يرهق الوالد صحيا، أو ماديا، أو اجتماعيا ؟
وكان الجواب : اطلعت اللجنة على هذا السؤال، وتفيد بأن استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتا، لا يحرم على رأي عند الشافعية، وبه تفتي اللجنة، لما فيه من التيسير على الناس، ودفع الحرج، ولا سيما اذا خيف من كثرة الحمل، أو ضعف المرأة من الحمل المتتابع، بدون أن يكون بين الحمل والحمل فترة تستريح فيها المرأة، وتسترد صحتها، والله ـ تعالى ـ يقول : - " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر "
وجهت لي اسئلة حول هذا الموضوع منها:
زوجان معهما طفل واحد، ويسكنان في شقة من حجرتين، ودخلهما الشهري متدن، ويريدان بأختيارهما واتفاقهما، ان يوقفا الحمل لفترة من الوقت، ليتفرغا لتربية هذا الطفل تربية كريمة، فهل يجوز لهما شرعا ذلك، مع انهما يؤمنان ايمانا عميقا بأن كل شيء بقضاء الله وقدره ؟
وكان جوابي والحديث للدكتور الطنطاوي : لا مانع شرعا من ايقاف الحمل لفترة من الزمان ما داما يقصدان من وراء ذلك حسن التربية لطفلهما، وما داما يؤمنان هذا الايمان العميق بقدرة الله - تعالى - على كل شيء. ومسلكهما هذا، انما هو لون من مباشرة الاسباب الشريفة، التي احلها الله ـ تعالى.
وزوجان معهما ثلاثة اولاد، وحالتهما المادية والصحية ممتازة، ويريدان ان يوقفا برضاهما واختيارهما الحمل لفترة من الزمان، وليس ذلك لاسباب خاصة بهما وانما لأنهما يعتقدان بأن الدولة التي يعيشان فيها، هي بحاجة الى تنظيم النسل، فهل هذا جائز شرعا، مع حرصهما التام على أداء احكام دينهما ؟
ويجيب الدكتور الطنطاوي على هذه الحالة قائلا : أن الشعور بظروف الدولة التي تعيشان فيها، شعور طيب وحميد، يدل على حسن الظن، وعلى الثقة فيما تصدره الدولة من بيانات حول هذا الموضوع. كما يدل على الأهتمام المشكور بأحوال المجتمع الذي تعيشان فيه، استجابة لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم - : ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) وما دام شعوركما كذلك، فما تريدان عمله من تأجيل الحمل لفترة من الزمان تتفقان عليها، لا مانع منه شرعا، فأن الأمور بمقاصدها، والأعمال بالنيات.
س : أمن المصلحة ان تصدر الدولة قانونا لتنظيم الأسرة أو النسل ؟
الجواب : ليس من المصلحة في تقديري، لأن تنظيم الأسرة من المسائل الشخصية التي تتعلق بالزوجين وحدهما، والتي تختلف من أسرة الى اسرة على حسب ظروفهما وأحوالهما، وما يتعلق بالزوجين لا تعالجه القوانين وانما خير وسيلة لتنظيم الأسرة : فهم الدين فهما سليما، واشاعة هذا الفهم بين جميع أفراد الأمة وعلى رأس الأسباب التي جعلت بعض الناس يتهاون في مسألة تنظيم الأسرة هو فقدان الوعي، وعدم الفهم السليم لأحكام الدين ولشؤون الدنيا، والأستخفاف بالمسؤولية نحو الأبناء.
س : هل الدين يدعو إلى اتخاذ وسائل معينة لتنظيم الأسرة ؟
الجواب : ان الدين يدعو الى الحياة السعيدة بين الزوجين، ويرسم لها طريقها، ويحدد لهما ما هو حلال وما هو حرام، ثم بعد ذلك يعطيهما الحرية الكافية لتصريف حياتهما في اطار شريعة الله ـ تعالى ومكارم الاخلاق...
وطرق تنظيم النسل أو الأسرة، كانت في القديم مقصورة على ( العزل ) وهو قذف النطفة بعيدا عن الرحم عند الأحساس بنزولها ـ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال : " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل ".
وفي رواية للامام مسلم بن جابر ـ ايضا ـ قال -: " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه ذلك فلم ينهنا ". ثم تطورت طريقة تنظيم النسل بمرور الايام وابتكر الاطباء انواعا كثيرة لهذا الغرض، منها ما يؤخذ عن طريق الفم ومنها ما يؤخذ عن طريق الحقن، ومنها اللوالب المعدنية الى غير ذلك من الوسائل....
وكل هذه الوسائل لا يعارضها الدين، ما دامت لا تتنافى مع آدابه، وما دام قد حكم الاطباء الثقاة بصلاحيتها وعدم حدوث ضرر من استعمالها .....
س : حب رأي فضيلتكم.. هل يتعارض تنظيم الاسرة مع الايمان بالقدر والقضاء؟
الجواب : لا تعارض بين تنظيم الاسرة وبين الايمان بقضاء الله وقدره.
لأن تنظيم الأسرة أو النسل ما هو إلا لون من مباشرة الأسباب التي أمرنا الله ـ تعالى ـ بمباشرتها لتنظيم حياتنا. وهذه الاسباب قد تنجح وقد لا تنجح، فقد تتخذ المرأة وسائل منع الحمل لفترة معينة، ومع ذلك يأتي الحمل، كما أن المريض قد يذهب الى الطبيب، فيعطيه علاجا معينا، ولكن هذا العلاج قد يؤدي الى الشفاء، وقد لا يؤدي الى ذلك.
ونحن مطالبون دينيا وعقليا بمباشرة الأسباب التي شرعها الله ـ تعالى ـ لنجاحنا في الحياة، مع إيماننا المطلق بأن ما قدره الله وقضاه لا بد ان يكون، إلا أن ما قدره الله وقضاه ونحن لا نعلمه ولا نعرفه، لأن مرده اليه وحده، فهو سبحانه ـ علام الغيوب، اذا فتنظيم الأسرة لا يتعارض اطلاقا مع الإيمان بالقضاء والقدر، لأن ما قدره الله ـ تعالى ـ نحن لا نعلمه، وإنما نحن نباشر الاسباب التي شرعها ـ سبحانه ـ لسعادتنا ثم بعد ذلك يسلك الله بنا ما يشاء " الله له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ".