هنري توفيق عزام
تقوم البنوك المركزية في مختلف أنحاء العالم في تنفيذ سياسة نقدية توسعية غير مسبوقة، إذ تراجعت أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى مستويات قريبة من الصفر أو حتى سالبة في اليابان وبعض الدول الأوروبية. ووضعت موضع التنفيذ سياسات بديلة غير تقليدية مثل برامج التيسير الكمي، أي شراء السندات في السوق الثانوية، مما أدى إلى تراجع العائد على السندات ذات الأجال المختلفة لتصل إلى مستويات متدنية تاريخياً، إذ لا يتعدى العائد على سندات التي تصدرها الحكومة الأميركية لفترة 10 سنوات مستوى 1.7% مقارنة مع 0.14% لمثيلتها التي تصدرها الحكومة الألمانية.
ولقد إتبع البنك المركزي الأردني أيضاً سياسة نقدية توسعية، إذ تراجعت أسعار الفائدة التأشيرية على الدينار بواقع 0.5% العام الماضي لتصل إلى أدنى مستوياتها للدورة الإقتصادية الحالية في وقت إنخفضت فيه نسبة التضخم إلى 1% في السالب عام 2015 و1.2% في السالب خلال الثلث الأول من هذا العام. والهدف من السياسة النقدية التوسعية هذه هو حث المستهلك على المزيد من الإنفاق والبنوك على التوسع في الإقراض لتحفيز النمو الإقتصادي والحد من ظاهرة التضخم السلبي. غير أن أسعار الفائدة المتدنية أو حتى الصفرية أو السلبية منها لا تحظى بقبول واسع وكلما طال أمدها كلما إزدادت مخاطر تبعاتها السلبية غير المقصودة.
إن أضرار الفائدة المنخفضة على الودائع تطال المدخرين والصناديق التقاعدية والكبار في السن الذين يعتمدون على الدخل من الفوائد, وكلما تراجعت الفائدة كلما زاد التحول إلى أصول ذات مخاطر مرتفعة بحثاً عن العائد. فالأفراد الراغبون في تأمين مستوى دخل مقبول لمرحلة تقاعدهم باتوا اليوم مضطرين لإدخار مبالغ أكبر ما يعني خفض إنفاقهم، أي عكس الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه معدلات الفائدة المتدنية. كما أن أسعار الفائدة المنخفضة سيكون لها أضرار على المجتمع في حال طال أمدها، إذ أنها ستعمق من ظاهرة تراجع الأسعار أو التضخم السلبي، وستضعف برامج التأمين على الحياة وتقلص العائد المتحقق على إستثمارات الضمان الإجتماعي وصناديق التقاعد وتحد من قدرتها على الوفاء بإلتزاماتها المستقبلية تجاه المتقاعدين.
ولم تؤد معدلات الفائدة المنخفضة إلى حفز البنوك على زيادة الإقراض بالنسب المتوقعة، إذ أن ضعف النشاط الإقتصادي وعدم وجود مقترضين مؤهلين، والإفراط في التحوط بسبب عوامل عدم الإستقرار الإقليمية، وإلتزام البنوك بمعدلات مرتفعة لكفاية رأس المال حسب متطلبات بازل 3 ، كلها أمور لم تشجع على المزيد من الإقراض وزادت من فائض السيولة لدى القطاع المصرفي، وسُجل تراجع في أسعار الفائدة على الودائع بنسبة أكبر من أسعار الفائدة على القروض.
صحيح أن معدلات النمو الإقتصادي في المملكة والتي تقدر عند 2.5% هذا العام هي أقل من المستهدف غير أنها تزيد أضعافا عن النمو المتحقق في مناطق عدة من العالم، كما أن النمو الإقتصادي قد حافظ على تماسكه في ظل أوضاع إقتصادية وسياسية صعبة إقليمياً. غير أن الوضع الحالي لا يتحمل تضخماً سالباً لفترة زمنية أطول، وإذا ما حافظت الأسعار على تراجعها فإن هذا سيؤثر سلباً على الأرباح ويقلص من الإنتاج ويضعف النمو في الطلب المحلي على الإستهلاك. وإذا توقع المستهلك بأن التضخم سيبقى سالباً فإن قرار الشراء عنده سيتأخر إلى حين تراجع الأسعار وهذا بدوره سيقلص من إجمالي الطلب ويؤدي بالتالي إلى المزيد من التراجع في الأسعار.
والسؤال المهم هو كيف يمكن إتباع سياسة نقدية توسعية تحفز على الإقراض والنمو دون تقليص العائد على الإدخار وإفقار المتقاعدين والحفاظ على الودائع المصرفية بالدينار كوعاء إدخاري جاذب للمقيمين و الأردنيين المغتربين في وقت أخذت فيه أسعار الفائدة على الودائع في دول الخليج بالإرتفاع التدريجي وأصبحت قريبة من أسعار الفائدة الحالية على ودائع الدينار. وما يخطط له البنك المركزي حالياً قد يساعد، إذ أنه بصدد إصدار سندات إدخار موجهة للأفراد بالدينار الأردني وذات آجال مختلفة بسعر فائدة جاذب مقارنة مع ما تقدمه البنوك فمثل هذه السندات إذا ما سُوقت بطريقة إحترافية وتم خلق أسواق ثانوية لها ستحفز على الإدخار وتقلص من فائض السيولة لدى البنوك وستفعل سوق الإقراض وتضع حدا أدنى لأسعار الفائدة على الودائع بالعملة المحلية. كما أن أسعار سندات الإدخار للأفراد هذه قد تشكل أيضاً السعر التأشيري لسندات أخرى قد يصدرها القطاع الخاص مما سيعمق أسواق الدخل الثابت في المملكة.
وبالطبع هناك نواح سلبية لابد من ذكرها، إذ إن إصدار أي سندات من قبل الحكومة هي عملية إقتراض جديدة سترفع من حجم المديونية الداخلية للمملكة وستزيد من عبء خدمة الدين العام مستقبلاً. أضف إلى ذلك بأنها ستؤدي إلى تقليص فائض السيولة لدى المصارف مما سيرفع من تكلفة الودائع، وهذا سينعكس سلباً على أرباح البنوك العاملة بالمملكة.