أجمع خبراء اقتصاديون على أن التقارير الصادرة عن البنك الدولي وتصريحات مسؤوليه تشخّص بواقعية قوة الاقتصاد الأردني وقدرته العالية على الصمود في وجه التحديات الراهنة، التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد العالمي وبدرجات متفاوتة.
ولفت الخبراء في أحاديث لـ(الرأي) إلى أن تصريحات البنك الدولي تعكس اعترافاً دولياً بنجاح الأردن في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي خلال السنوات الأخيرة، رغم الصدمات المتلاحقة التي شملت تداعيات الحرب في المنطقة، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع النشاط السياحي والاستثماري.
وأكدت مديرة شؤون العمليات في البنك الدولي، آنا بيردي، أن الأردن يُظهر درجة عالية من الصمود في مواجهة التحديات الإقليمية الراهنة، معتبرة أن ذلك يعود إلى تمتعه باقتصاد مستقر إلى حد كبير، وتبنيه سياسات اقتصادية ومالية سليمة، فضلاً عن استثماره في مجالات أساسية تشمل البنية التحتية والصحة والتعليم.
وقالت بيردي إن أفضل وسيلة لمواجهة التحديات والتطورات الحالية، التي تشمل الصراع في الشرق الأوسط، تتمثل في الاستثمار من أجل تعزيز القدرة على الصمود، مؤكدة أن هذا تحديداً هو النهج الذي اتبعه الأردن.
وأضافت أن الاقتصاد المستقر والسياسات الاقتصادية والمالية السليمة والاستثمار في رأس المال البشري أسهمت في تعزيز قدرة المملكة على التعامل مع الظروف الإقليمية الحالية.
وأشارت إلى أن الأردن يتجه ليصبح قائداً إقليمياً في مجالات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي عبر قطاعات الأعمال والتعليم وتقديم الخدمات الحكومية الكفؤة، معتبرة أن هذا التوجه يشكل أحد عناصر القوة التي تدعم قدرة المملكة على مواجهة التحديات.
وفي حديثها عن الأردن كشريك تنموي واستراتيجي خلال السنوات المقبلة، أوضحت بيردي أن رؤية التحديث الاقتصادي تطرح خطة واضحة وطموحة للأردن، وأن البنك الدولي يرحب بدعم هذه الرؤية التي تضع في أهدافها خلق فرص العمل في صلب الأولويات.
وأكد رئيس غرفة صناعة الزرقاء، المهندس فارس حمودة، أن التقارير الصادرة عن البنك الدولي وتصريحات مسؤوليه تشخّص بواقعية قوة الاقتصاد الأردني وقدرته العالية على الصمود في وجه التحديات الراهنة، التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد العالمي وبدرجات متفاوتة.
وبيّن حمودة أن الاستقرار الاقتصادي في ظل الأزمات يعود إلى السياسات الاقتصادية والمالية الحصيفة التي تتبعها مؤسسات الدولة المالية، والتي تُعد درعاً واقياً من انعكاسات تأثير الأزمات في المنطقة والعالم على الاقتصاد الوطني.
مشدداً على أن التنوع في الاعتماد على موارد الطاقة والمواد الأساسية ومستلزمات الإنتاج محلياً وإقليمياً ودولياً من وجهات مختلفة يخفف من السلبيات التي تواجهها الاقتصادات العالمية نتيجة حركة الملاحة والشحن وانقطاع الإمدادات المفاجئ في ظل الأزمات.
واتفق حمودة مع تصريحات البنك الدولي بأن الاقتصاد الأردني اكتسب مرونته من تركيزه على الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتطوير رأس المال البشري، والتركيز على مجالات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في القطاعات الرئيسية كالتعليم والصحة والخدمات الحكومية.
مشدداً على أن الاقتصاد الأردني أصبح لديه العديد من المجالات التي تسهم في النمو الاقتصادي من خلال التركيز على مشاريع البنية التحتية الكبرى، والاستثمار في قطاعات الطاقة والنقل والمياه، وإشراك القطاع الخاص في العديد من هذه المشاريع، مما يعظم المردود على الاقتصاد برمته.
وأضاف حمودة أن رؤية التحديث الاقتصادي تقدم خطة عمل واضحة تتضمن مؤشرات أداء رئيسية، مما سهّل على المؤسسات الدولية والمنظمات المانحة تشخيص الوضع الاقتصادي في المملكة بشفافية، وتقديم برامج داعمة بما يتناسب مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، أكد حمودة أن الإطار العام للشراكة مع البنك الدولي يركز على ثلاثة مجالات رئيسية تتمثل في النمو بقيادة القطاع الخاص وخلق فرص العمل، والاستثمار في التنمية البشرية ورأس المال البشري، وتعزيز القدرة على الصمود والاستدامة، وهذه المجالات الثلاثة مغطاة في الخطط التنفيذية لرؤية التحديث الاقتصادي بشكل فعال، بما فيها التركيز على الاقتصاد الأخضر والدائري.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أنه يمكن النظر إلى تصريحات مديرة شؤون العمليات في البنك الدولي على أنها إشادة بأداء الاقتصاد الأردني وقدرته على المحافظة على الاستقرار رغم البيئة الإقليمية المعقدة التي يشهدها الأردن في المنطقة، إلا أن هذه الإشادة لا تعني غياب التحديات الهيكلية التي ما تزال تواجه الاقتصاد الوطني.
كما لفت مخامرة إلى أن تصريحات البنك الدولي تعكس اعترافاً دولياً بنجاح الأردن في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي خلال السنوات الأخيرة، رغم الصدمات المتلاحقة التي شملت تداعيات الحرب في المنطقة، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع النشاط السياحي والاستثماري في بعض الفترات. ويظهر هذا الصمود من خلال استقرار القطاع المصرفي، والمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار، وتحسن مؤشرات النمو بشكل تدريجي مقارنة بالعديد من الاقتصادات في المنطقة.
وأضاف بأن الإشارة إلى السياسات المالية والاقتصادية السليمة تعكس نجاح الحكومة والبنك المركزي في تحقيق توازن بين المحافظة على الاستقرار المالي من جهة، والاستمرار في تنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية من جهة أخرى.
وبيّن أنه فيما يتعلق بالاستثمار في رأس المال البشري، فإن الأردن يمتلك بالفعل ميزات تنافسية مهمة تتمثل في ارتفاع مستويات التعليم وانتشار الكفاءات البشرية، وهو ما يمنحه فرصة حقيقية للاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وجذب الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الحديثة.
كما أضاف مخامرة أن تصريح بيردي بأن البنك الدولي مهتم بدعم جهود الأردن في الاستثمار بالمشاريع الكبرى يحمل عدة دلالات اقتصادية مهمة، أبرزها وجود ثقة دولية بالاقتصاد الأردني، ويعكس ثقة المؤسسة الدولية بقدرة الأردن على تنفيذ المشاريع وإدارة التمويل وتحقيق عوائد اقتصادية وتنموية.
وأضاف أيضاً أن ذلك يعكس إمكانية قيام البنك بتوفير تمويل ميسر، وأن الدعم لن يقتصر على القروض فقط، بل قد يشمل قروضاً طويلة الأجل وبفوائد منخفضة، وضمانات استثمارية، ومساعدات فنية تساعد الأردن على تنفيذ مشاريع يصعب تمويلها بالكامل من الموازنة العامة.
وذكر أن من الدلالات الأخرى تركيز البنك الدولي على المشاريع ذات الأثر الاقتصادي الكبير، مثل مشاريع النقل والسكك الحديدية، ومشاريع المياه والتحلية والناقل الوطني، ومشاريع الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة، ومشاريع البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومشاريع المدن الذكية والخدمات الحكومية الرقمية.
كما أكد مخامرة أن الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة النمو المتسارع يتطلب معالجة عدد من التحديات المزمنة، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب والنساء، وارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي مقارنة بالطموحات المتوقعة، بالإضافة إلى الحاجة لتسريع الإصلاحات التي تعزز الإنتاجية والتنافسية.
وأشار مخامرة إلى أنه يمكن الاستنتاج بأن إشادة البنك الدولي تؤكد أن الأردن نجح في بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات، إلا أن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة يتمثل في تحويل هذا الاستقرار إلى معدلات نمو أعلى وأكثر شمولاً، تنعكس بصورة مباشرة على زيادة فرص العمل ومستويات الدخل وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وختم مخامرة بأن تصريحات البنك الدولي تحمل رسالة إيجابية مفادها أن الأردن أصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الخارجية مقارنة بما كان عليه قبل عدة سنوات، بفضل الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات المتراكمة. غير أن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس ليس فقط بقدرة الاقتصاد على الصمود، وإنما بقدرته على تحقيق نمو يتجاوز 3% بصورة مستدامة، واستحداث فرص عمل كافية، وتعزيز الاستثمار والإنتاجية، بما يترجم الاستقرار الاقتصادي إلى مكاسب ملموسة للمواطنين.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن البنك الدولي بشأن الأردن تمثل أكثر من مجرد تقييم اقتصادي دوري، بل تشكل شهادة دولية مهمة على نجاح المملكة في بناء نموذج اقتصادي قادر على الصمود والاستمرار في النمو رغم التحديات الإقليمية والجيوسياسية غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة.
وأشار الحدب إلى أن أهمية هذه الشهادة تنبع من صدورها في وقت تواجه فيه اقتصادات المنطقة والعالم ضغوطاً كبيرة نتيجة الصراعات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتجارة العالمية، في حين يؤكد البنك الدولي أن الأردن ما زال يحافظ على استقراره الاقتصادي والمالي ويواصل تنفيذ مسار إصلاحي وتنموي واضح المعالم.
وأوضح الحدب أن ما لفت الانتباه في تصريحات مديرة شؤون العمليات في البنك الدولي، آنا بيردي، هو ربطها المباشر بين قدرة الأردن على الصمود وبين مجموعة من العوامل الأساسية، تشمل الاستقرار الاقتصادي والسياسات المالية والنقدية السليمة والاستثمار المستمر في البنية التحتية والصحة والتعليم ورأس المال البشري، وهي جميعها مرتكزات تتقاطع بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني.
وأضاف أن البنك الدولي لم يكتفِ بالإشادة بالمؤشرات الحالية، بل أكد توافق إطار الشراكة القطرية مع الأردن للأعوام 2024-2029 مع رؤية التحديث الاقتصادي، وهي رسالة تعكس ثقة المؤسسات الدولية بمسار الإصلاح الاقتصادي الأردني وقدرته على تحقيق أهدافه خلال السنوات المقبلة.
وأشار الحدب إلى أن الأردن نجح خلال السنوات الأخيرة في تحقيق توازن اقتصادي مهم رغم الأزمات الإقليمية، حيث تجاوزت احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية حاجز 22 مليار دولار، بما يغطي أكثر من ثمانية أشهر من المستوردات، في حين حافظ الدينار الأردني على استقراره، واستمر القطاع المصرفي في تسجيل مستويات مرتفعة من المتانة والسيولة، مع تجاوز موجوداته 70 مليار دينار.
وأكد الحدب أن إشادة البنك الدولي ببيئة الأعمال والاستقرار الاقتصادي الأردني تنعكس بوضوح في مؤشرات الاستثمار الفعلية، إذ ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة خلال عام 2025 بنسبة 14.3% لتتجاوز ملياري دولار، رغم الظروف الجيوسياسية المعقدة التي تمر بها المنطقة.
كما انعكست هذه الثقة على أداء القطاع الخارجي، حيث واصلت الصادرات الوطنية تسجيل مستويات مرتفعة تجاوزت 9 مليارات دينار سنوياً، مدعومة بنمو الصادرات الصناعية والتعدينية، فيما أسهمت الصادرات السلعية والخدمية في تعزيز تدفقات العملات الأجنبية وتحسين قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأوضح الحدب أن تصريحات البنك الدولي بشأن أولوية خلق فرص العمل تحمل أهمية خاصة، خصوصاً في ظل التحديات العالمية المرتبطة بسوق العمل، حيث تشير تقديرات البنك إلى دخول نحو 1.2 مليار شخص إضافي إلى أسواق العمل في الدول النامية خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مقابل قدرة الاقتصاد العالمي على توفير نحو 400 مليون وظيفة فقط، ما يعني وجود فجوة عالمية تقترب من 800 مليون فرصة عمل.
وأضاف أن هذه التقديرات تفسر التركيز الكبير الذي توليه رؤية التحديث الاقتصادي لملف التشغيل، إذ تستهدف الرؤية توفير نحو مليون فرصة عمل للأردنيين بحلول عام 2033، ورفع معدلات المشاركة الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو.
وبيّن الحدب أن أحد المؤشرات المهمة التي استوقفت البنك الدولي يتمثل في التحول الرقمي الذي يشهده الأردن، حيث تجاوز عدد الحسابات المفعلة على تطبيق «سند» مليوني مستخدم، وأصبح التطبيق يوفر مئات الخدمات الحكومية الرقمية، ما جعله نموذجاً متقدماً للحكومة الرقمية في المنطقة، الأمر الذي يسهم في تخفيض الكلف التشغيلية وتحسين الخدمات الحكومية وتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار.
وأشار إلى أن البنك الدولي يرى أن الأردن يمتلك مقومات تؤهله لتعزيز مكانته الإقليمية في مجالات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، مستفيداً من رأس المال البشري المؤهل والبنية الرقمية المتطورة والبيئة الداعمة للابتكار وريادة الأعمال، في ظل التنافس العالمي المتزايد على اقتصاد المعرفة والتقنيات الحديثة
وأوضح الحدب أن المستقبل الاقتصادي للأردن لن يعتمد فقط على القطاعات التقليدية، بل أيضاً على قطاعات جديدة ذات قيمة مضافة مرتفعة تشمل التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والخدمات العابرة للحدود والصناعات المتقدمة والطاقة الخضراء، وهي قطاعات قادرة على خلق فرص عمل نوعية للشباب الأردني واستقطاب استثمارات ذات أثر اقتصادي طويل الأجل.