د. يوسف قرضاوي
* س : يقول الله سبحانه وتعالى في سورة مريم: (يا أخت هارون ما كان ابوك امرأ سوء وما كانت امك بغيا»، من المقصود بهارون في الآية الكريمة؟ اهو هارن اخو موسى وكيف كانت اخته وبينهما مئات السنين؟ أم هو هارون آخر؟
- ج : ان المقصود بهارون في الآية الكريمة اما هارون اخو موسى والاخوة المذكورة ليست اخوة حقيقية، لأن ببن هارون ومريم مئات السنين بالفعل وانما هي اخوة مجازية، فمعنى انها أخت هارون انها من نسله وذريته، كما يقال للتميمي يا اخا تميم؟ وللقرشي يا اخا قريش! فمعني قولهم: يا أخت هارون، أي يا من انت من ذرية ذلك النبي الصالح، كيف فعلت هذه الفعلة؟ وحتى لو لم تكن من نسله وذريته فانها تنتسب اليه بخدمتها للهيكل وانقطاعها للعبادة فيه. فقد كانت خدمة الهيكل موقوفة على ذرية هارون. فمعنى: يا أخت هارون! يا من تنتسبين الى هذا النبي الصالح بالخدمة والعبادة والانقطاع للهيكل. ويجوز ان يكون المراد بهارون في الآية رجلا صالحا من قومها في ذلك الحين.. كانت تتأسى به مريم.. وتتشبه به في الزهد والطاعة والعبادية، فنسبت اليه، فقالوا لها: يا من تتشبهين وتقتدين بذلك الرجل الصالح، ما كان ابوك بالفاجر ولا امك بالبغي، فمن أين لك هذا الولد؟ وقد روى احمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اهل نجران - وكانوا نصارى - فقالوا: ارأيت ما تقرأون: يا أخت هارون؟ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ يعترضون على المغيرة.. قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الا اخبرتهم انهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ وهذا التفسير النبوي يبين ان هارون المذكور في الآية ليس من اللازم ان يكون هارون المذكور هو اخو موسى كما فهم اهل نجران، وانما هو هارون معاصر لمريم.. فقد كان قومها يسمون بأسماء الانبياء والصالحين منهم. والله تعالى اعلم.
ترك البسملة في سورة التوبة
* س : لماذا نزلت سورة التوبة بدون بسملة؟
- ج : للعلماء في تعليل ذلك اقوال ارجحها عندي ما روي عن الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه انه قال: بسم الله الرحمن الرحيم امان، وسورة براءة نزلت برفع الامان، فهذه السورة في الواقع تعلن اعلانا عاما بقطع المواثيق ونبذ العهود التي بين المسلمين وبين المشركين، الا ما كان منها الى امد موقوت. ولم ينقضه اصحابه ولم يظاهروا على المسلمين أحدا. فطالما فعلت الوثنية الافاعيل مع المسلمين، وطالما صبت عليهم سياط العذاب، وطالما تعاونت مع اليهودية الفاجرة وطالما غدرت بالمسلمين، فلم يكن لها عهد ولا ذمام، ولم يكن لها قانون ولا نظام، ولم يكن لها رادع خلقي يردعها، فكان لا بد ان يصفي الاسلام حسابه معها، فنزلت سورة التوبة تعلن البراءة من الله والرسول الى هؤلاء الناس (براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين). وكأن وجود البسملة مقرونا بالرحمة موصوفا بالرحمن الرحيم يوجب نوعا من الامان لهؤلاء الناس. والسورة ليس فيها امان بل فيها: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد)، (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)، فلا مجال لهؤلاء الا السيف، والا القتال ولا مجال لرحمة ولا امان. والله اعلم.