د. زغلول النجار - مراحل خلق الكون عند كل من الفلكيين والفيزيائيين:
باستخدام الحسابات التي وظفت فيها الحواسيب العملاقة، تمكن كل من الفلكيين والفيزيائيين المعاصرين من وضع تصور لمراحل خلق الكون على النحو التالي:ـ
(1)ـ بعد لحظات من عملية الانفجار الكوني العظيم (تقدر بنحو 10 ــ35 من الثانية)، كان بالكون تساو بين الباريونات وأضدادها من جهة، وبين فوتونات الضوء.
من جهة أخرى، وكانت الباريونات وأضدادها يفني بعضها بعضا منتجة الطاقة التي يعاد منها تخليق الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها.
وهذه النظرية التي تشير الى تساوي كميات المادة وأضدادها في الكون المدرك، تؤكد أن اختلافا في هذا التساوي لا تتعدى نسبته واحدا في المائة مليون، يمكن أن يفسر غلبة نسبة المادة على نسبة أضدادها في الكون الراهن، وذلك بتحول نسبة من الفوتونات الناتجة عن إفناء الأضداد لبعضها البعض الى باريونات (اللبنات الأولية المكونة لنوي ذرات العناصر)، وتتم هذه العملية عن طريق انتاج باريون واحد عن كل مائة مليون فوتون، كما يؤكد ذلك الخلفية الإشعاعية الحالية للكون المنظور، وبعد فناء أغلب البروتونات وأضدادها بدأ الكون في الاتساع، ويحتمل وجود كمية من النيوترينوات باقية في كوننا المدرك، نظرا لضعف تفاعلها مع أضدادها فلم تفن بالكامل.
(2)ـ بعد مضي ثانية واحدة على الانفجار الكوني العظيم، تقدر الحسابات النظرية أن كمية الطاقة المتوافرة في الكون أصبحت تسمح بتكون جسيمات أدق مثل الاليكترون، الذي يحمل شحنة سالبة وضده البوزيترون الذي يحمل شحنة موجبة.
وقد أفنت هذه الجسيمات بعضها بعضا، تاركة وراءها محيطا من الإشعاع الحار على هيئة فوتونات الضوء التي انتشرت في كل الكون، والتي تدرك آثارها اليوم فيما يعرف باسم الخلفية الإشعاعية للكون، والتي تشير الى تناقص كل من كثافة الكون ودرجة حرارته باستمرار مع الزمن.
(3)ـ بعد نحو خمس ثوان من عملية الانفجار الكوني، تشير الحسابات النظرية الى أن درجة حرارة الكون انخفضت الى عدة بلايين من الدرجات المطلقة، ولم يكن موجودا بالكون سوى عدد من الجسيمات الأولية لكل من المادة والطاقة من مثل البروتونات.
والنيوترونات
والإليكترونات
والنيوترينوات
والفوتونات
(4)ـ بعد نحو مائة ثانية من الانفجار الكوني (فتق الرتق) تقدر الحسابات النظرية، أن درجة حرارة الكون قد انخفضت الى نحو البليون درجة مطلقة، فبدأت البروتونات والنيوترونات في الاتحاد بعملية الاندماج النووي لتكون نوى ذرات نظائر كل من الإيدروجين والهيليوم والليثيوم على التوالي.
وتشير كل من الحسابات الرياضية والتجارب المختبرية، الى أن أول النوي الذرية تكونا كانت نوي ذرة نظير الإيدروجين الثقيل المعروف باسم ديوتيريوم.
ثم تلته نوي ذرات نظائر الهيليوم.
(5)ـ بعد دقائق من الانفجار الكوني العظيم، تشير الحسابات النظرية الى أن درجة حرارة الكون قد انخفضت الى مائة مليون درجة مطلقة، مما شجع على الاستمرار في عملية الاندماج النووي، حتي تم تحويل 25% من كتلة الكون المدرك الى غاز الهيليوم، وبقيت غالبية النسبة الباقية (75%) غاز الإيدروجين، وينعكس ذلك على التركيب الحالي للكون المدرك، الذي لايزال الإيدروجين مكونه الأساسي بنسبة تزيد قليلا على 74%، يليه الهيليوم بنسبة تبلغ 24%، وباقي المائة وخمسة من العناصر المعروفة تكون أقل من 2%.
ولذلك يعتقد الفلكيون المعاصرون أن تخلق العناصر في كوننا المدرك، قد تم على مرحلتين متتاليتين تكون في الأولي منهما العناصر الخفيفة عقب عملية الانفجار الكوني مباشرة، وتكونت في المرحلة الثانية العناصر الثقيلة، بالإضافة الى كميات جديدة من معظم العناصر الخفيفةـ،ـ وذلك في داخل النجوم خاصة الشديدة الحرارة منها، مثل المستعرات، أو في مراحل انفجارها على هيئة فوق المستعرات.
دعوة قرآنية لإعادة التفكير:
أشرنا في الأسطر السابقة الى أن كلا من الحسابات النظرية في مجالي علمي الفلك والفيزياء، تدعو الى الاعتقاد بأن تخلق العناصر المعروفة لنا في الكون قد تم بعملية الاندماج النووي.
على مرحلتين كما يلي:
المرحلة الأولي: وقد تكونت فيها العناصر الخفيفة عقب عملية الانفجار الكوني مباشرة.
المرحلة الثانيةـ:ـ وقد تكونت فيها العناصر الثقيلة بالإضافة الى كميات جديدة من العناصر الخفيفةـ،ـ ولا تزالان تتكونان في داخل النجوم، وفي مراحل استعارها وانفجارها المختلفة.
ولكن الآية التاسعة والعشرين من سورة البقرة تقرر أن الله (تعالي) قد خلق لنا ما في الأرض جميعا قبل تسوية السماء الدخانية الأولي الى سبع سماوات.
ويؤيد ذلك ما جاء في الآيات (9 ــ12) من سورة فصلتـ،ـ ومعني هذه الآيات مجتمعة أن كل العناصر اللازمة للحياة على الأرض، بل إن الأرض الابتدائية ذاتها كانت قد خلقت قبل تمايز السماء الدخانية الأولي الى سبع سماوات.
فهل يمكن لكل من علماء الفلك، والفيزياء النظرية، والأرض المسلمين مراجعة الحسابات الحالية انطلاقا من هذه الآيات القرآنية الكريمة، لاثبات ذلك، فيخلصون الى سبق قرآني كوني معجز يثبت المؤمنين على إيمانهم، ويكون دعوة مقنعة لغير المسلمين في زمن فتن الناس بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة؟ كما يكون في ذلك تصحيح للوضع الخاطىء الذي ننتظر فيه قدوم الكشوف العلمية من غير المسلمين حتي ندرك وجودها في كتاب الله أو في سنة رسوله(صلى الله عليه وسلم)، فندرك الدلالة العلمية لذلك، ونلمح شيئا من الإعجاز فيها!!!ـ
ترتيب خلق السماوات والأرض:ـ
سبق أن أشرنا مرارا، الى أن عملية الخلق (خلق الكون، خلق الحياة وخلق الإنسان)، هي من الأمور الغيبية التي لا تخضع مباشرة لإدراك الإنسان، كما قال ربنا ( تبارك وتعالى)ـ في محكم كتابه:
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (الكهفـ:51).
ولكن من رحمة الله (تعالى)ـ أنه قد أبقى لنا في صفحة السماء، وفي صخور الأرض من الشواهد الحسية، ما يمكن أن يعيننا على استقراء ذلك،ـ كما أبقى لنا في محكم كتابه وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله من الآيات والأحاديث، ما يمكن أن يدعم هذا الاستقراء أو أن يهذبه.
وفي ذكره لآيات خلق السماوات والأرض، يقدم القرآن الكريم السماء/ السماوات على الأرض في الغالبية العظمي من الآيات، التي تشير اليهماـ،ـ فيما عدا خمس آيات قدم فيها ذكر الأرض على ذكر السماء، وهي على التوالى،ـ قول الحق (تبارك وتعالى):
(1)ـ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء (البقرة:22)ـ
(2)ـ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوي الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (البقرةـ:29)
(3)ـ تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى(طه:4)ـ
(4)ـ الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناءـ(غافرـ:64)
(5)ـ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوي الى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتنا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحي في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (ـ فصلت:9ـ ــ12).ـ
والآيتان الأولي والرابعة (البقرة:22، غافرـ:64) هما من الآيات الوصفية التي لا تتعرض لترتيب الخلق، والآية الثالثة (طه:4) جاء الترتيب فيها لموافقة النظم في السورة التي ذكرت فيها السماء قبل الأرض بعد آية واحدة.
أما الآية الثانية (البقرة:29) فواضحة الدلالة على خلق جميع العناصر اللازمة لبناء الأرض قبل خلق السماوات السبع،ـ وذلك لأنه من الثابت علميا والراجح منطقيا أن خلق العناصر سابق على خلق الأرض وخلق جميع أجرام السماء، وأن خلق الوحدات الكونية الكبري كالسدم والمجرات سابق على ما يتخلق بداخلها من نجوم وتوابع تلك النجوم، من الكواكب والكويكبات، والأقمار والمذنبات.
وأما الآيات الخامسة (فصلت:9 ــ12)ـ فتشير الى أن خلق الأرض الابتدائية كان سابقا على تمايز السماء الدخانية الأولي الى سبع سماواتـ،ـ وأن دحو الأرض الابتدائية (بمعني تكون أغلفتها الغازية والمائية والصخرية) جاء بعد ذلك، ويدعم هذا الاستنتاج ما جاء في سورة (النازعات) من قول الحق (تبارك وتعالى):ـ
أأنتم أشد خلقا أم السماء بناهاـ،ـ رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم (النازعات:27ـ ــ33).ـ
وفي الآيات (9 ــ12) من سورة فصلتـ،ـ يخبرنا ربنا (تبارك وتعالى) بأنه قد خلق الأرض في يومين(أي على مرحلتين)، وجعل لها رواسي، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام (أي أربع مراحل)، ثم خلق السماوات في يومين (أي مرحلتين)، وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون،ـ ولكن هذا التدرج كان لحكمة مؤداها أن يفهم الإنسان سنن الله في الخلق.
وقد يلتبس على القاريء لأول وهلةـ،ـ أن خلق الأرض وحدها قد استغرق ستة أيام (أي ست مراحل)، وأن خلق السماء قد استغرق يومين (أي مرحلتين)، فيكون خلق السماوات والأرض قد استغرق ثمانية أيام (ثماني مراحل)، والآيات القرآنية التي تؤكد خلق السماوات والأرض في ستة أيام (أي ست مراحل) عديدة جدا، ولكن الآيات من سورة (فصلت) تشير الى أن يومي خلق الأرض، هما يوما خلق السماوات السبع،ـ وذلك لأن الأمر الإلهي كان للسماء وللأرض معا، لقول الحق (تبارك وتعالى): ثم استوي الى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (فصلت:11)، وإن كان بعض المفسرين يرون خلاف ذلك، إلا أن غالبيتهم تري أن حرف العطف ثم لايدل هنا على الترتيب والتراخي، ولكنه يدل على بعد عملية الاستواء والتسوية للسماوات السبع من السماء الدخانية الأولى، لأن من معاني ثم هناك، وهو إشارة للبعيد بمنزلة هنا للقريب.
وعلى أية حال، فإذا كان الزمان والمكان مقيدين لنا في هذه الحياة الدنيا، فإن الله(ـ تعالى) هو مبدع كل من الزمان والمكان وخالقهما، وهو (تعالى) بالقطع فوق قيودهما.
ونعود مرة أخري، الى تلك الآية القرآنية المبهرة التي بدأنا بها، والتي يقول فيها الحق (تبارك وتعالى): هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (البقرة:29).
ونتساءل: هل من علماء الكون والفيزياء النظرية المسلمين، من يمكنه أن ينطلق من هذه الآية القرآنية الكريمة ليثبت سبق القرآن الكريم بالإشارة الى حقيقة خلق جميع العناصر اللازمة للحياة على الأرض، قبل تسوية السماء الدخانية الأولي الى سبع سماوات؟ في وقت يجمع فيه أهل هذا الاختصاص على أن العناصر الثقيلة في الكون لم تتخلق إلا في داخل النجوم؟ هذا موقف تحد عظيم أرجو أن يتقدم له قريبا أحد علماء المسلمين في هذا الاختصاص.