الصيدلانية سحر ملص
مركز الصفصاف التابع لجمعية التأهيل النفسي ,حضن دافئ وملاذ آمن
المرض النفسي حقيقة أم وهم ؟
هل يعيب بعض الناس أم انه مرض عام كبقية الأمراض ؟
هل يتمكن المريض من الإستمرار في حياته العملية ، وما نصيب أفراد الشعب الأردني من الإصابة به ؟
ترى أيهما أكثر معاناة ، المريض نفسه أم من يعيشون معه ... لاسيما أن المريض ينعزل عن المجتمع ويغرق في خيالات وأوهامه الذاتية .
مثل هذه الأسئلة طرحتها على نفسي وأنا أغادر عمان ذات صباح مشمس قاصدة مركز الصفصاف للتأهيل النفسي في منطقة حسبان بناعور تاركة إزدحام الشوارع ... والتدافع ما بين الناس القاصدين أعمالهم ، باحثين عن لقمة العيش وسط صراع بشري بات يدفع بالكثير منهم الى الإنكفاء على الذات والسقوط صرعى المرض النفسي والإحباط إذ ثمة معلومة نشرتها جريدة الغد بتاريخ 12/5/2015م تقول بأن عدد المرضى النفسيين يبلغ في الأردن مليون وسبعمئة وخمسين ألف مواطن وثمة نقص كبير في رعاية هؤلاء المرضى إذ لا يتعدى الإنفاق الحكومي مقدار 3% من الموازنة الصحية حيث هناك ثغرة موجودة في نقص الخدمات المقدمة لمحتاجيها من المرضى النفسيين حسب الشبكة الأردنية للدعم النفسي التي أطلقتها منظمة النهضة العربية للديموقراطية و التنمية بالتعاون مع عدد من أخصائي الصحة النفسية والدعم النفسي .
معنى ذلك أن هناك مشكلة حقيقية نواجهها فقد اعتاد الناس على إخفاء حقيقة إصابتهم بالمرض النفسي ، وفي الماضي كان ينبذهم أفراد المجتمع فهل نترك المريض هائماً على وجهه أو متدثراً بجدار عزلته مما يدفعه لأرتكاب بعض الجرائم أو الانتحار .
كما نلاحظ كثرة هذه الحوادث التي نقرأ عنها في الصحف ، وتتعدد أنواع الأمراض النفسية من اضطراب الشخصية والوسواس القهري والإكتئاب والفصام وغيرها.
في البداية على المريض الإعتراف بمرضه حتى تتم معالجته التي تتطلب زمناً قد ينقطع فيها عن المجتمع وهنا لا بد من إعادة تأهيله لدمجه في الحياة ، وهذا ما قامت عليه فكرة مركز الصفصاف للتأهيل النفسي والتي أسسته الجمعية الأردنية للتأهيل النفسي منذ عام 1989.
سلكت الطريق وسط غابات ناعور بخضرتها التي تبعث على الفرح والتفاؤل والراحة النفسية وعبرت عن مصنع دار الدواء حتى وصلت الى منتجع جميل وكأنني في أحد منتجعات أوروبا .
إنه مركز الصفصاف الذي انشأته الجمعية الأردنية للتأهيل النفسي التي ترأسها السيدة هيفاء البشير .حيث في الماضي كانت تقدم الجمعية خدماتها للمرضى المقيمين في مركز الكرامة في شرق عمان ومستشفى الفحيص المسمى المركز الوطني للصحه النفسية ثم توسعت الفكرة لدى الجمعية لإنشاء مركز خاص يقدم الدعم النفسي للمرضى ويعيد دمجهم في المجتمع وتمكيينهم من مهنة ليستطيعوا فيها مواجهة الحياة وقد أقيم المركز على أرض في ناعور مساحتها أربعة عشر دونماً (قسم الحراج) تبرعت بها وزارة الزراعة واطلق عليه مركز الصفصاف .
ما أن تصل وتدخل البوابة حتى تستقبلك ساحة فسيحة تتوسطها شجرة صفصاف تتدلى أغصانها المحملة بالأوراق الخضراء ، تكاد تحيط بالأنسان بحنو ودفء وكأنها ترمز الى حضن الأم حيث الملاذ والأمن والحنان .
يقدم المركز خدماته لأولئك الذين تم علاجهم في الخارج ولكنهم بحاجة إلى التأهيل . وقد تم إنشاء المركزالذي استمر اعداده لعشر سنوات,و افتتاحه في تاريخ 1/9/2003 وقد ساهم في دعمإنشائه ، عدد من المؤسسات الرسمية والمدنية و التبرعات الخيرية
يتكون المركز من طابقين العلوي فيه مكاتب الموظفين وقاعة فسيحة فيها مقاعد للجلوس .
بداخلها جدارية من الفسيفاء وبلوحات مختلفة تحمل كل لوحة اسم المؤسسة التي ساهمت في العون ودعم المكان . و هناك مطبخان يقدمان وجبات الطعام للنزلاء ثم الشرفة التي هي واحة للجمال حيث ساحة واسعة تغطيها مظلات تشرف على جبال ناعور وغاباتها المترامية
. تحت شمس ترتع في المكان تبعث في النفس الدفء والأمل تتوزع فيها الكراسي والطاولات وثمة مكان لإعداد الطعام ملحق بها .وهي مهيأة للحفلات الواسعة ينطلق منها المستفيدون للترويح والأنشطة و اللياقة ودروس الموسيقى والغناء.
أما الطابق السفلي ففيه المشاغل والمنامات ، يتمتع المركز بسعة تستوعبالعديدمن المرضي حيث هناك النزلاء الداخليين الذين تبعد بيوتهم عن المكان ويصعب حضورهم يومياً مما جعل الإدارة تنشئ منامات خاصة بهم .
أما بالنسبة للنزلاء الخارجيين فثمة حافلة تحضرهم في الصباح من أماكن سكنهم ليقضوا يوماً جميلاً هناك ، ضمن برامج تأهيلية وترفهية وعلاجية سلوكية و تقديم وجبات الطعام لهم ثم العودة في آخر النهار إلى بيوتهم وهذا يعني طمأنة ذويهم بأن مرضاهم بأمن وسلام يتابعون حياتهم في مجتمع صحي ، يتبادلون فيه الأراء ويكتسبون الخبرات وثمة من يعتني بهم بدلاً من انعزالهم في بيوتهم وتدهور حالتهم الصحية ، حيث يطبق عليهم برنامج تأهيلي علمي مدروس يسهم لأعادتهم ما أمكن إلى الوضع الطبيعي بالاضافه لمراقبة استمرار تناول الدواء.
الطابق السفلي يضم صالة لمشاهدة التلفزيون وهناك طاولة للتنس في أحد زواياها لمن يحب ممارسة الرياضة ، ثم المنامات والمشاغل المتنوعة فمن مشغل الخياطة وحياكة التريكو وصناعة الدمى والتطريز والمنجرة وصناعة السلال والأشغال اليدوية وصناعة الحلي من الخرز حيث يلتحق بها الرجال والنساء الذين يقضون وقت فراغهم في النسيج والتطريز .
أما مشغل القش والخيزران فهناك مدرب خاص كما في كل مشغل يعلمهم على كيفية صنع الأطباق والسلال وكراسي الخيزران والطاولات لا بل إن هناك منجرة خاصة تضم عدداً من المناشير وأدوات النجارة حيث يتعلم الفرد مهنة النجارة ويقوم بصناعة التحف الخشبية وغيرها ولا ينسى المركز ان يخصص صالة للموسيقى يشرف عليها اخصائي يحمل شهادة الدكتوراه في الموسيقى والعلاج النفسي حيث تتوفر جميع الآلآت الموسيقية من بيانو وأورغ وجيتار وآلة طبل وكمان ... بحيث تتحول حصة الموسيقى الى فرح وغناء يلتحق بها الموظفونحين يصدح المرضى بأصواتهم ويستمعون الى اعذب الألحان.
وقد كان الطبيب العالم ابو بكر الرازي يعالج مرضاه بالموسيقى فهي تحسن المزاج وتروّح عن النفس .
ثمة رحلات تقام حول المكان حيث يذهب النزلاء ما بين أحضان الطبيعة يتجولون في المكان ، المركز الذي يشكل واحة للإستجمام ومكان مريح يبعث على الهدوء والتأمل والتمتع بجمال الطبيعة بعيدا عن صخب الحياة ، مكان مخصص لممارسة هواية الزراعة فثمة أشجار حرجية وأشجار زيتون وقسم مخصص كحديقة أزهار ومكان لتربية الأرانب وطواقي الحمام التي تربى فيها وعدد من الدواجن مما يجعل الإقامة هنا متعة كبيرة .
أما عن القائمين على المكان فثمة مدير خبير بإدارة مثل هذه المراكز هو السيد سعيد الصليبي والذي التحق مع السيدة هيفاء البشير بدورة متخصصة في بريطانيا جعلته متمكنا من إدارة المكان بجدارة بالأضافة لخبرة عمل طويلة بعد عمله مع وزارة التنمية الإجتماعية .
إضافة الى وجود كادر من الممرضين والمختصين والإجتماعيين حيث فتيات في عمر الزهور قد أقبلن على العمل بروح العطاء والمحبة التي ينشرنها على النزلاء والتفاعل معهم بمنتهى الحكمة والمحبة واللياقة والدفء الأسري .
وهناك برنامج يومي يبدأ بالنشاط الرياضي ومحاضرات تعديل السلوك وجلسات الموسيقى وعادة ما تكون مدة دورة التأهيل ستة أشهر إلا إذا أحب ذوي المرضى التمديد وهناك ضبط لأداء الموظفين من خلال إعداد الخطط الأسبوعية والشهرية ومراجعة الملفات الخاصة بالمرضى وتقييم الأداء .
ويلحق بالمركز عيادة طبية نفسية يزورها طبيب مختص في كل اسبوع يشرف على متابعة حالات المرضى والأهتمام بمتابعة الأدوية الموصوفة من أطبائهم المختصين.
إنه مركز الصفصاف واحة الأمل ... ومتنفس للنزلاء ... جميل وممتع عابق بالفرح ... والألوان والرعاية المميزة يُعترف فيه بالإنسان المريض ويعامل بمحبة وأخوة ، ثمة عدد من النزلاء الذين يعودون لطمئنة القائمين على المركز بأنهم قد عادوا للحياة ... منهم من تزوج أوعاد لعمله يمارس مهنته .
إنها الحياة ... وبث الأمل ... ولكن ثمة عثرات تواجه المركز حيث قلة الموارد والتبرعات تلخصها السيدة هيفاء البشير رئيسة الجمعية عن موضوعها وإشكالياتها:
1-بأن الجمعية تؤمن بإنسانية الإنسان في حال تعرضه للمرض النفسي ، هذا المرض الذي ينظر له كثيرون بأنه لا يستحق الإنتباه .
و إن المريض النفسي له الحق بتأمين احتياجاته الصحية والتأهيلية لأبعد الحدود وأنه إذا نال حقوقه في الرعاية يصبح أقرب الى الطبيعي ويمكن أن يعود للإندماج في المجتمع وأن يقوم بواجباته الشخصية والأسرية وأن الدواء لديه مقدس ويجب ان يتناوله باستمرار مدى الحياة ، وكثير من الأدوية الحديثة نتائجها ايجابية لحد بعيد وأن الحالات الحادة يجب ان تعالج خارج مركز الصفصاف ثم يتم البدء بالعمل التأهيلي المطلوب بعد أنتهاء الحالة الحادة وهنا يأتي دور العمل الإجتماعي ببرامجه التأهيلية المختلفة .
2- يتناول البرنامج تعديل السلوك وتعزيز الشخصية والأنشطة الترويحية وبرامج التشغيل المهني إذ ان العمل جزء مهم جداً في العلاج وإكساب المريض أي مهنة تسهل من عملية إعادة دمجه في المجتمع من جديد ويعزز احترامه لنفسه .
3-يسهم التأهيل بمراقبة استمرار تناول العلاج فانحسار الدواء يعرض المريض للنكسة والعودة للحالات الحادة حيث ان تناول الدواء لدى المرضى النفسيين مقدس ويجب ان لا ينقطع في أي حال ولأي سبب من الأسباب.
4-إن مركز الصفصاف للتأهيل النفسي الموجود في ناعور – منطقة تركي من أراضي حسبان تم افتتاحه عام 2003م برعاية صاحبة الجلالة الملكة رانيا العبدالله وقد استغرق الجمعية الأردنية للتأهيل النفسي التي تأسست عام 1989م عشرة سنوات اعداداً وتنفيذاً بدءاً من عام 1994 م. ويعتبر انجازاً حضارياً فريداً من نوعه حيث أداؤه الإنساني بلا مثيل في المنطقة كلها .
5-تشرف على الجمعية هيئة نسائية أبلت بلاءاً حسناً حتى تم انشاء هذا المرفق الذييتكفل المرضى من بعد انساني غير ربحي ويرعاهم ويؤمن الغذاء والملبس والبرامج التأهيلية والتشغيل المهني في مشاغل المؤسسة السبعة من منجرة وصناعة للبسط والسلال ومخيطة وموسيقى وكمبيوتر وزراعة وللمريض حق الإختيار.
6-جهاز المركز يحافظ على كرامة المرضى ويرعى امورهم باشراف هيئة ادارية وجهاز عامل يتابع كافة أمور المرضى الحياتية ، بعدد (21) موظفاً يعملون بالتعاون مع أسرهم .
لا يوجد في موازنة الدولة ما يرصد سنوياًلتشغيل مثل هذه المؤسسات وتتشكل مساعدة وزارة التنميةلغير المقتدرين حسب الأتفاقية بتعرفة لا تغطي الكلف الحقيقية .
أن معظم النزلاء ان لم يكن كلهم فقراء وكلف التشغيل متصاعدة والتبرعات في الفترات الأخيرة منحسرة ويقع بعد المركز بعيداً عن عمان 25 كم وهذا يفرض نقل الموظفين والمستفيدين نهاريا جيئة وذهاباً .
بينما يوجد قسم داخلي لمن يأتون من خارج عمان ويتعرض المركز الى اعمال صيانة مستمرة بالإضافة الى ملاحظات متكررة من موظفي وزارة التنمية تنفذها الجمعية رغم ضيق الحال. .
7- فوجئنا بموضوع الترخيص فوجئنا به رغم ان المركز يعمل منذ ثلاث عشرة سنة ويؤدي اداءاً ممتازاً ، هناك اليوم طلب ترخيص جديد واقتراح من وزارة التنمية أن يرخص من وزارة الصحة مع أنه ليس مركزاً علاجياً بل مركز تأهيل وهذه مسؤؤلية وزارة التنمية ، وأعتقد أن هذا الأجراءهو القشة التي قصمت ظهر البعير.
لعل وزارة التنمية حين نقدم استقالتنا نحن بعد جهد 21 سنة سيكون لها رؤيا مختلفة . فالعمل هو تكاملي نحن بدأناه والنبة كاملة التجهيز ونتمى لوزارة التنمية التوفيقوقد أدينا دورنا يعلم الله تعالى.
أنهت السيدة البشير القول : أجتهدت أنا وزميلاتي و عملنا على مدى ست وعشرين عاماً فكان مركز الصفصاف للتأهيل معلماً حضارياً وانسانيا؛ ادينا وأنجزنا من أيمان بالدور التطوعي واليوم مع التضخم الحاصل أصبحت الدخول أقل من الكلف مما يشكل عجزاً شهرياً متكرراً ، أذ لا يمكن أن نعيش مؤسسات تقيل عثرات الأقل حظاً دون رصد رسمي سنوي ثابت.
لوقت متأخر كانت الدخول التي ترد تغطي كلف التشغيل لكن ذلك أصبح اليوم متعذراً في ظل أرتفاع الكهرباء والماء والمحروقات والرواتب ، لعل لدى وزارة التنمية الرؤيا والأسلوب لأستكمال هذه الرسالة.
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .