ها نحنُ - عرباً ومسلمين - تجاوزنا كل الحدود في التناحر والتنازع فيما بيننا، فكانت النتيجة الحتمية أنْ فشلنا فشلاً ذريعاً وذهبت ريحنا، وأصبحنا مثالاً للأمم العاجزة المتهالكة، يتربص بنا أعداؤنا الدوائر ويكيلون لنا الدسائس والمؤامرات آناء الليل وأطراف النهار. وها هي أمم الشرق والغرب تتداعى علينا كما تتداعى الأكَـــلة إلى قصعتها، لكننا لا نشكو اليوم من قلة؛ فنحن كثير، غير أننا غُثاء كغُثاء السيْل.
إنّ من ينظر إلى واقع العرب والمسلمين اليوم، لا يخطئ ما وصلوا إليه من تشرذُم وتمزُّق واحتراب؛ فتتبادر إلى ذهنه المقولة الدارجة الشهيرة: « ما أشبه الليلة بالبارحة! «. فقد فتح المسلمون الأندلس، وبنوا فيها ملكاً عظيماً وحضارةً زاهرة قلّ أن بنت الأمم السابقة مثلها. وازدهرت تحت حكمهم البلاد واطمأن العباد ونعموا بالاستقرار وعاشوا في بحبوحةٍ من العيش.
لكنهم بمرور الزمن أغراهم المنصب والجاه والمال، فغيّر الله ما كان بهم لمّا غيّروا ما بأنفسهم، فتحولت الأندلس في عهد ملوك الطوائف إلى كيانات صغيرة ضعيفة تزعّمت كلاً منها أسرةٌ توارثت الحكم، مما أدى إلى نزاعات وحروب بين أفراد الأسرة الواحدة. ولم تراعِ دويلات الطوائف المصلحة القومية العليا، ولا حتى مصلحة الجماعة التي تنضوي الدويلة تحت لوائها، وكان حكامها ضعافاً في وطنيتهم وفي دينهم على حدٍّ سواء.
وقد فقدت الأندلس جراء الصراع العنيف بين دويلات الطوائف الآلاف من أبنائها، وتعرضت مختلف مناطقها بسبب هذا الصراع إلى الدمار والخراب وفقدان الأمن، وساءت نتيجة الفوضى والاضطرابات أحوالها الاقتصادية. أما الطامّة الكبرى فتمثلت في دخول دويلات الطوائف بشكلٍ أو بآخر في تحالفات مع ملوك النصارى وأمرائهم في شمال اسبانيا، مع أنهم كانوا ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين وكانوا يتحينون الفرص السانحة للانقضاض على دويلات الطوائف والاستيلاء عليها. وكانت تلك الدويلات تُستنزف ماليّاً لاضطرارها إلى دفع مبالغ طائلة للملوك والأمراء النصارى من أجل مساندة بعضها ضد بعضها الآخر، وفي أحيانٍ كثيرة من دعم الأخ ضد أخيه أو الولد ضد والده أو الوالد ضد ابنه أو ابن الأخ ضد عمه. واستمرت الحال على هذا المنوال إلى أن أصبحت تلك الدويلات لقمة سائغة التهمها النصارى دون عناء.
كما حاول زعماء دويلات الطوائف تقليد الخلفاء العباسيين والفاطميين في ألقابهم ونمط معيشتهم؛ فاتخذوا ألقاباً سلطانيةً أكبر منهم لم تكن سوى مسميات جوفاء ممجوجة في أغلب الأحيان. وقد علّق المراكشيُّ في كتابه « المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب « على هذا الأمر المثير للسخرية منتقداً أربعة ممن تلقبوا بلقب « أمير المؤمنين «، فقال: « أربعةٌ كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعةٍ من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخاً في مثلها»!.
وبينما كانت دويلات الطوائف بالأندلس تضعف وتخور قواها شيئاً فشيئاً، كانت الممالك النصرانية تقوى وتتحد وتنمو وتتكاتف إلى أن أصبحت القوة الضاربة التي أخرجت المسلمين من الأندلس برمتها يجرُّون أذيال الخيبة والخسران ويبكون مثل النساء ملكاً مُضاعاً لم يحافظوا عليه مثل الرجال.
وفي أيامنا هذه، يتكرر المشهد ويعيد التاريخ نفسه؛ إذ يزداد انقسام العرب والمسلمين وتناحرهم على السلطة والسيطرة يوماً بعد يوم، حتى أصبح المقسَّم مرشحاً للمزيد من التقسيم. واستعان العرب والمسلمون بالقوى الأجنبية من كل حدبٍ وصوب ليقاتلوا بعضهم بعضاً، وغلبوا مصالحهم الجهوية والفئوية الضيقة على مصلحة الأمة التي هي مصلحة الجميع.
وثمة أمر ثانٍ نشهده هذه الأيام؛ ألا وهو إلصاق التهم الكاذبة والجائرة جُزافاً بالإسلام، ووصمه بالتطرف والعنف والإرهاب وهو من كل ذلك براءٌ براءة الذئب من دم ابن يعقوب. ويُذكر في هذا المقام أن القوى الغازية إنما تكون في غالب الأحيان قوى عاتية ومدمرة، تغتصب البلدان وتأكل خيراتها وتنهب مواردها ومقدراتها وتفتك بشعوبها وتحكمها بالقوة والتسلط والاضطهاد. أما الفتوحات الإسلامية على مر الزمن فتــوِّجت بدخول أهل البلاد المفتوحة في الإسلام عن قناعة وعقيدة ودونما إجبار أو إكراه؛ إذ لا إكراه في الدين. وتحت حكم الإسلام تمتزج العناصر كلها في ظل العقيدة متعاونة متعايشةً متحابة. فكم من بلدٍ دخله الإسلام دون إراقة قطرة دم، بل إن أهلك تلك البلاد دخلوا طواعيةً في الإسلام لمّا رأوا سماحته وعدله والأخلاق الحميدة التي تحلى بها التجار المسلمون عندما كانوا يفِدون إلى تلك البلاد للتجارة. وهذا ينطبق على دولٍ من دول عالمنا المعاصر، مثل إندونيسيا وماليزيا، وهما اليوم من أكبر الدول الإسلامية في العالم.
كذلك يمكن القول إن فتح المسلمين للأندلس كان فتحاً إنسانياً بامتياز؛ فقد قضى الإسلام على الأوضاع المتردية التي كانت سائدة فيها. فلم تعد هناك طبقة تتحكم في كل شيء، هي طبقة الأسرة الحاكمة والنبلاء. ولم تعد هناك سلطة للكنيسة ونفوذ يتمتع به رجالها دون حدود. كما انتهت عبودية الأرض وعبيدها؛ فكل من دخل الإسلام تحرر، وما أكثرهم!
لقد كان الهم الأول والأخير للفاتحين المسلمين نشر الدين الإسلامي، ورفع راية الإسلام، وتبليغ رسالته السمحة إلى أمم الأرض كافة. وهم اعتنوا عناية خاصة بإفهام الناس الإسلام على حقيقته وشرحه لهم وتوجيه الدعاة إليهم لهذه الغاية. لذا كان الناس يُقبلون على الإسلام الذي رأوا فيه صفاء العقيدة وكونها خالصة لله تعالى، وهذا ما لم يروه من قبل أو يسمعوا به أو يحلموا به. وكانت القدوة الحسنة والمعاملة الحسنة من أهم عوامل انتشار الإسلام في الأندلس. وحتى الذين لم يدخلوا الإسلام من أهل الأندلس، كانوا يحصلون على ضمانات تتعلق بالأمان على أنفسهم وممتلكاتهم وحريتهم في إقامة شعائرهم الدينية. وكان المسلمون يحرصون أشد الحرص على الوفاء بتلك الضمانات، وهذا أمر لم يألفْه النصارى من قبل؛ فقد عودهم الغالبون على انتهاك الحريات والحرُمات والاستهانة بالناس.
ما أحوجنا اليوم إلى دراسة التاريخ واستذكار الماضي لأخذ الدروس والعبر! وعلينا – عرباً ومسلمين – أن نتمسك بما يجمعنا بما لا يفرقنا. فنحن أصحاب فكرٍ واحد وعقيدة واحدة، وهمومنا ومشكلاتنا مشتركة، ومصلحتنا واحدة. فلا ينبغي والحالة هذه أن نتحول من أمة واحدة كانت خير أمة أُخرجت للناس لما تمسكت بدينها القويم وعقيدتها السمحة إلى فئات وطوائف وشراذم متناحرة يضرب بعضها رقاب بعض وتستعين على بعضها بالأجنبي الذي لا يريد لها الخير، وإنما يحاول تحقيق غاياته المشبوهة ومصالحه على حسابها. كما يجب أن نعود عودة حميدة إلى ركائز ديننا الحنيف، وأن نتمسك بها لأنها هي العروة الوثقى لا انفصام لها. فكيف لنا أن ننتظر أن تحترمنا الأمم الأخرى وتُقيم لنا وزناً وتحسب لنا حساباً ونحن لا نُقيم وزناً لأنفسنا وأرواح شعوبنا؟!
لقد فشلنا فشلاً ذريعاً وعجزنا عن إظهار الوجه الحضاري السمح لديننا الحنيف للعالم؛ فرُحنا نلوي أعناق النصوص الواردة في قرآننا الكريم وفي سنة نبينا المطهرة، فيفسرها كلٌّ على هواه ويستنبط منها معاني وأحكاماً ما أنزل به الله من سلطان. إذ ما بالُنا ندفع شتى أمم الأرض إلى وصمنا بالتخلّف والعنف والإرهاب ونحن نعلم علم اليقين أن رسولنا الكريم، عليه الصلاة والسلام، إنما بُعث للناس كافّة ليبلّغ رسالة ربه ويتمم مكارم الأخلاق؟
إن الحالة البائسة والوضع المتردي اللذيْن وصلنا إليهما في هذه الأيام يستدعيان أن نرفع الصوت عالياً قبل فوات الأوان – إن لم يكن الأوان قد فات بالفعل–، وأن نطلق صرخةً مدوية تهتز لها أركان هذا العالم مترامي الأطراف، لعل صداها يتردد بين حكماء هذه الأمة وعقلائها. فقد طفح الكيْل، وبلغ السيْل الزُّبى، واتسع الخرْق على الراتق.
آملُ أن تجد صرختي هذه الاستجابة التي تستحقها، وألا تكون – شأنها في ذلك شأن صرخات كثيرة سبقتها- صرخةً في واد.
حمى الله – سبحانه وتعالى – أمتنا العربية الإسلامية وأوطاننا وديننا من كل سوء وجنبها كل مكروه.
أستاذ شرف
قسم التاريخ/ كلية الآداب
الجامعة الأردنية
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .