أ.د. محمد عبده حتاملة
سكن الإنسان الأردن منذ العصر الحجري القديم؛ أي قبل نصف مليون عام. فقد وجد المنقبون مخلفات تعود إلى هذا العصر في مواقع الحرّانة والصحراء الشرقية وسواهما. والعلماء متفقون على أن الطقس في الأردن في ذلك العصر كان رطباً ومطيراً بوجهٍ عام، وأن الإنسان كان يعيش على الصيد وجمع النباتات البرية، وأنه اكتشف النار ورسم على الصخور صوراً للحيوانات.
وقد تعاقبت على ثرى الأردن مدنيات وحضارات ما زالت آثارها ماثلةً إلى يومنا هذا، وهي تشهد على أن الأردن كان على الدوام لاعباً رئيسياً على مسرح الأحداث على المستوى العالمي. ومن بين أهم المراكز الحضرية التي نشأت في الأردن: عمون (العاصمة الحالية عمان التي كانت تُعرف باسم ربة عمون)، ومؤاب في وسط الأردن، وأدوم في جنوب البحر الميت. ويبدو أن دول عمون ومؤاب وأدوم زالت في القرن السادس قبل الميلاد في أثناء الاجتياح البابلي (587-582 ق.م).
نتحدث في هذه السطور الموجزة عن مؤاب، علماً بأن المملكة المؤابية قامت في جنوب الأردن بقيادة الملك ميشع.
وردت لدى البكري في « معجم ما استعجم « (مآب) « بفتح أوله وثانيه، بعده ألف وباء معجمة «. وقال ياقوت الحموي « بوزن: معاب، وهو أي (مآب) في اللغة: المرجع «. ويرى كفافي في كتابه « تاريخ الأردن وآثاره « أن مآب تعني: « أرض الغروب «. وذكر آخرون أن كلمة (مآب) تشير إلى قبيلة بدوية عاشت في الصحراء.
وورد في بعض المصادر أن مآب مدينة قديمة أولية قد بادت وصارت قرية تسمى الربّة. ويذكر أبو الفداء في « تقويم البلدان « أنها « من معاملة الكرك، وهي عن الكرك على أقل من نصف مرحلة في جهة الشمال «. وكانت الربة تسمى ربة مؤاب؛ أي عاصمتها. وكانت عاصمة مملكة مؤاب وفقاً لما أورده العبادي في كتابه « الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين « هي الكرك. وكانت لها عاصمتان بديلتان هما: الربة، وذيبان، وقد أصبحت الأخيرة هي العاصمة في زمن الملك المؤابي ميشع.
وورد في مصادر أخرى أن مآب: كورة. قال اليعقوبي: « ولجند دمشق من الكور: الغوطة ... ومآب، وزغر «. وقال ابن خرداذبة وابن الفقيه مثل ذلك. وهناك مصادر ذكرت مآب، واكتفت في وصفها بالقول: « موضع بالشام «، ومنها « معجم ما استعجم « للبكري. وتم تحوير الاسم من مآب إلى مؤاب، وأصبحت تلفظ وتُكتب بواو مهموزة بدل الألف الممدودة. وفي هذا التحوير عودة للأصل؛ ذلك أن المنطقة الجغرافية (مؤاب) إنما سميت باسم مؤاب بن لوط -عليه السلام- الذي ينتمي إليه المؤابيون.
وقد أنشأ المؤابيون، الذي ترجح بعض الدراسات أنهم قبيلة بدوية كانت تعيش في الصحراء، مملكة لهم في المنطقة الواقعة إلى الشرق من البحر الميت حيث توجد بيئات جغرافية متعددة، فيها القليل من الينابيع. وكان يحد هذه المملكة من الشمال وادي الموجب، ومن الجنوب وادي الحسا. ولم تكن حدودها الشمالية ثابتة؛ إذ كانت تتجاوز أحياناً وادي الموجب.
لقد كانت منطقة مؤاب مأهولة بالسكان قبل الميلاد بآلاف السنين، وهو ما دلت عليه القرى الزراعية التي تم اكتشافها في المنطقة. وقد أشارت النصوص المصرية من زمن الفرعون تحتمس الثاني إلى أنه قد عسكر ضد قبائل الشاسو التي عاشت في جنوب الأردن خلال نهاية العصر البرونزي المتأخر. وفي زمن الفرعون تحتمس الثالث، كانت هناك نشاطات مصرية في منطقة مؤاب خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وقد كانت الطريق العسكرية في عهده تقطع الأردن من الجنوب إلى الشمال مارة بعدد من المواقع التي ذكرت في القوائم الطوبوغرافية التي تركها هذا الفرعون مكتوبة على جدران معبد الكرنك في الأقصر. ومن هذه المواقع بلدة ياروت الحالية الواقعة في محافظة الكرك. كما ذكرت كلمة « مؤاب « مرتين في قوائم رمسيس الثاني، وورد في إحداها أن الفرعون عسكر في مؤاب سنة 1270 ق.م.
وقد ورد في العهد القديم أن الملك الأموري سيحون اتخذ من بلدة « حشبون « (حسبان الحالية) عاصمة له، كما ورد فيه أن العبرانيين انتصروا على هذا الملك ودمروا عاصمة ملكه حشبون. وتدل النصوص التوراتية على أن العلاقات بين مملكتي مؤاب وإسرائيل لم تكن ثابتة؛ ففي أثناء حكم « القضاة « في إسرائيل -حين كانت هذه أضعف عسكرياً من المملكة المؤابية- كانت للملك المؤابي (عجلون) اليد العليا على العبرانيين. لكن العداوة بلغت ذروتها خلال حكم ملكَي إسرائيل شاؤول وداود. ويذكر العهد القديم أن الملك سليمان تزوج امرأة مؤابية، وأنه بنى في القدس مكاناً لعبادة الإله « كموش « إله المؤابيين.
وانقسمت مملكة سليمان بعد وفاته حوالي سنة 923 ق.م إلى مملكتين، هما إسرائيل في الشمال، ويهودا في الجنوب. وأدى هذا الأمر إلى تمتع مؤاب بالاستقلال الكامل، حتى تولى الملك عمري -ملك مملكة إسرائيل الشمالية- الحكم (القرن التاسع ق.م)، وقام بمهاجمة مملكة مؤاب. لكن سيطرة الإسرائليين لم تدم طويلاً؛ إذ تمكّن الملك المؤابي (ميشع) حوالي سنة 850 ق.م من الانتصار على الملك الإسرائيلي (آحاب بن عمري)، وخلد هذا الانتصار على لوحة مكتوبة تعرف باسم « حجر ميشع أو مسلة ميشع». وقد عثر على هذه المسلة قرب بلدة ذيبان التي اتخذها الملك ميشع عاصمة له في ذلك الوقت.
وتعتبر مسلة ميشع أهم وثيقة مؤابية مكتوبة؛ إذ تزودنا بمعلومات عن التاريخ، والديانة، والجغرافيا، والفكر للمؤابيين. ويتكون النص المكتوب على المسلة من 34 سطراً، ويخلد انتصار الملك ميشع المؤابي، الذي حكم حوالي سنة 850 ق.م، على ملك إسرائيل، كما تُعد المسلّة أهم الأعمال العمرانية التي قام بها هذا الملك. وتذكر المسلة المباني التي أقامها ميشع، ومنها: المذبح، والبوابات، والأسوار، والأبراج.
وقد اكتشف هذا النصب المشهور (مسلة ميشع) عام 1868م في بلدة ذيبان الواقعة على طريق مادبا – الكرك؛ إذ عثر عليه أهل القرية، ووصلت أنباؤه إلى المستشرق الفرنسي كليرمون جانو الذي كان ملحقاً في القنصلية الفرنسية في القدس. وبعد أن عاين جانو المسلة، اتفق مع الأشخاص الذين عثروا عليها على أن يبتاعها منهم بستين جنيهاً. وعاد إلى القدس لتدبير المبلغ بعد أن نقل الكتابة المنقوشة عليها، وبعد مغادرته المكان اقتتل من وجدوا المسلة حول اقتسام النقود المرتقبة، وعمد بعضهم إلى إشعال النار حولها، وبعد أن اشتدت حرارتها صبوا الماء عليها فتفسخت وتناثرت أجزاؤها، وضاع بعض هذه الأجزاء نهائياً. وعندما رجع المستشرق، جمع ما أمكن جمعه من أجزاء المسلة وحملها معه إلى القدس ومن ثم إلى فرنسا حيث أعيد تجبيرها وعرضها في متحف اللوفر في باريس. وتحاول وزارة السياحة والآثار الأردنية استعادة هذه المسلة التي لا تقدر بثمن.
أصبحت مؤاب في القرن الثامن قبل الميلاد خاضعة للإمبراطورية الأشورية. وقد ورد اسمها في نص من زمن الملك الأشوري سرجون الثاني (حوالي 721- 705 ق.م) يذكر أن ملك مؤاب شارك مع الملوك الآخرين في عام 713 ق.م في ثورة قام بها ملوك المدن الفلسطينية. ويبدو أن الملك الأشوري استطاع قمع هذه الثورة، وحتى تتجنب مؤاب العقاب، استمرت في دفع الجزية للأشوريين. كما أن الملك المؤابي (كموش- نداب) أسرع مع عدد من حكام المدن الفلسطينية إلى تقديم الهدايا للملك الأشوري سنحاريب (حوالي 704- 681 ق.م) لتأكيد ولائهم له.
ويشير نص من زمن الملك الأشوري أسر حدون (حوالي 680- 669 ق.م) إلى أن الملك موصوري، ملك مؤاب، كغيره من الملوك الآخرين، أرسل مواد لبناء قصر للملك في نينوى. وقد توقف صراع مؤاب مع الممالك المجاورة خاصة بعد سقوط الدولة الأشورية والاحتلال البابلي الحديث (الكلداني) لبلاد الشام حوالي سنة 582 ق.م. وبعد سقوط بابل على يد الفرس حوالي سنة 539 ق.م، لم يعرف إلا القليل عن مؤاب، التي أخذت بالاختفاء التدريجي. وفي القرن الرابع قبل الميلاد، بدأت بعض القبائل العربية بالاستقرار في هذه المنطقة حتى تولى الأنباط العرب زمام الأمور فيها.
وخضعت مؤاب لحكم الأنباط الذين تمكنوا من إنشاء دولة قوية امتدت جنوباً حتى شمالي الجزيرة العربية، وشمالاً حتى جنوبي سورية، وشرقاً حتى الصحراء، وغرباً حتى فلسطين. وقد بلغت مملكتهم أوج مجدها في عهد ملكها الحارث الرابع (9 ق.م- 40م)، ثم انهارت هذه المملكة عام 106م على أيدي الرومان، وأصبحت ولاية عربية تحت حكمهم.
وتعاقبت الحضارات الرومانية والبيزنطية، ومن ثم الإسلامية، على مؤاب، وقد ازدهرت إبان العهد الإسلامي؛ إذ يذكر المقدسي الذي عاش في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أنها (أي مآب) كانت كثيرة القرى واللوز والأعناب، وكان يؤخذ منها لب اللوز وغيره إلى الأقاليم والمدن والمجاورة.
ويذكر البكري أن بعض سكان مآب كانوا من العماليق الذين عبدوا الأصنام، وعنهم أخذت عبادة الأصنام إلى مكة، وأن الذي نقل هذه العبادة إلى مكة هو عمرو بن لحي الذي خرج إلى الشام، ولما وصل مآب شاهد العماليق يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فأعلموه أنهم يستمطرون بها، ويستنصرون بها فتنصرهم، فسألهم إياها، فأعطوه هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر بعبادته.
ومن الطريف ما أورده ابن شاهين الظاهري الذي عاش في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي؛ فقد ذكر أن مآب ليست من الشام، « وهي مملكة بمفردها، وتسمى مآب. وهي مدينة حصينة، ومعقل من معاقل الإسلام، بها قلعة (قلعة الكرك) ليس لها نظير في الإسلام ولا في الكفر تسمى حصن الغراب لم تكن فتحت عنوة قط، وإنما فتحها المرحوم صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد فتح القدس ...».
ومن أجمل ما قيل في مآب من الشعر، قول حاتم الطائي:
سقى الله رب الناس سحاً وديمة
جنوب الشراة من مآب إلى زُغر
بلاد امرئ لا يعرف الذم بيته
له المشرب الصافي ولا يعرف الكدر
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .