بوح القرى ..
كتابة وتصوير: مفلح العدوان
نكتفي بالحلقة هذه خاتمة للكتابة عن الشاعر عقاب العجرمي، وإن كان هناك الكثير مما يمكن البحث فيه، وقوله حول حياة الشاعر، ونهايته، ومرحلة دراسته، وشعره، وصداقاته، غير أن أسبابا عديدة لا مجال لذكرها في هذه المساحة، حالت دون الكتابة عن كامل قصة حياة وشعر الشاعر عقاب، وهي في أغلبها ذات طبيعة اجتماعية، ولعل ما كتب في هذه المساحة، على توازنه، وحالة الحرص الزائد في اختيار الكلمات، والقصائد، والموضوعات، إلا أنه نشر بصعوبة كبيرة، ولذا فسنحتفظ بالقدر الأكبر مما لم يكتب الى ظروف أفضل، أو لنشرها في كتاب، أو لطرحها في نقاشات اكاديمية ثقافية علمية.
«أشرفت انا المشراف وقت الغروبي»
يطلّ الشاعر من نافذة الغياب، كأنه يتفقد أحوال من فارقهم، فتطمئن روحه إذ يتلمس اسمه، وحكايته، وشعره، على ألسن الذاكرين له. لأجل هذه الإطلالة، سنبقى نتذكر الشاعر عقاب العجرمي، ونبقى نتصفح شعره، ونهجس بما كان من أحواله، وهنا ترحال القراءة بالقصائد المتاحة من شعر عقاب العجرمي، ونمر في هذا العنوان، على واحدة من أجمل قصائده، أورد مقاطع منها، وفيها يقول:
«أشرفت انا المشراف وقت الغروبي وهليت انا من جيش دمعي سرايا
وجاوبت انا ذيبن عوى بالشعوبي واطربت انا طيور السما والحيايا
ياذيب ياللي عويت قربن صوبي لارافقك ياذيب لارض الخلايا
قربن نحوي وقال ماانت صحوبي وما تعلمن يا صاح وش بالخفايا»
«كانون أوّل هَلْ، والحب ما بان»
أكمل قراءة بعض قصائد أخرى، وأعيدها عدة مرات، وأنا هائم بكلماتها، ومعانيها.. سأتوقف عند قصيدة لعقاب العجرمي، هي منتشرة كثيرا، ومن أكثر قصائده تداولا، وهو فيها يشتكي لصديقه منصور شيحان من لواعج قلبه، ويعبر فيها عن معاناته ووجدانياته، حيث يقول عقاب:
«منصور لاياخوي همي غدا وجار
والقلب والله صارله وقت وجعان
علمي بها ياصاحبي اصحاب بايار
وعلمي بهم بالباص والحقد مابان
وعلمي بها تضحك على كل مرار
وياما مشينا دروب والقلب طربان
وياما كتبت الشعر ياخوي بااحبار
على الورق ياخوي والقلب وجعان
ومن خبركم ياخوك وانا لهم بار
وجريت انا ربابتي مثل مشعان
وان كان يامنصور حبي غدا وخار
كثير مثلي بالمحبه ترى انهان
اشكي لك الويلات وانت لك اخبار
عن حالتي ياصاحبي البيتها فان
منصور لا ياخوي همي غدا وجار
والقلب والله صارله وقت برهان
والموت والله حان والقلب صبار
والوقت والله ياعضيدي لنا خان
منصور يالله نترك الناس والدار
ونرحل انا وياك لبلاد شيحان
احسن لنا ياخوك عن كل مهذار
واهون علينا من حكي فلان وفلان
قوالها عقاب وانتم لنا ابهار
كانون اول هل والحب مابان
واختامها اصلي على باهي الانوار
محمد رسول الله صلاة انسان»
«سهرة بستان الفقوس»
هناك حديث كثير عند راوينا لبعض تفاصيل حياة عقاب، حيث أن الشاعر منصور شيحان كان قريبا منه، ولعله كان مؤتمن أسراره، ونشير هنا الى قصة يرويها منصور فيها طرافة، واطلالة على جوانب من شخصية عقاب وحياته ومغامراته.
يقول منصور شيحان عن إحدى سهراته مع عقاب العجرمي، بأنه «جاء عقاب يوم من الأيام، ومعه ربطة خبز طابون صغيرة، اشتراها من مادبا، واقترح أن نذهب سوية إلى
مغاريب حسبان، حيث بستان المرحوم عبد الكريم الربيع (بستان فقوس مساحته أكثر من أربعة دونمات، أول طيحه)، ولاقى اقتراحه قبولا عندي، وذهبنا لنقيم هناك سهرة وعشاء.. رائحة خبز الطابون جعلتني أوافق فورا على الاقتراح، لكنه طلب أن نحضر معنا فقط شوية ملح طعام،وكانت الشمس تميل الى الغروب،فغرّبنا، وانحدرنا باتجاه الوادي الى البستان. كانت رائحة الفقوس تملأ الوادي،وترسل عبقا مع حركة اللبش. ومع حلول الظلام وصلنا،وكانت ليلة قمرية هادئة ودافئة. جلسنا، وفردنا خبز الطابون، ورحنا نتهمس الفقوس، لأنه كان في أول نزوله،وقطعنا مايقارب العشر فقوسات، وبدأنا نفركه من الزغب، ونغطه بالملح. وعند اول لقمة، سمعنا اطلاق عيارات نارية من التلة المقابلة، لكننا لم نعير لها انتباهنا، ولكن المرة الثانية، كانت الرصاصات تنثر التراب من حولنا،فتركنا الخبزات والفقوسات، وانحدرنا متسحسلين على بطوننا وظهورنا الى اسفل الوادي. كانت الرماية مصوبة باتجاهنا،وكان المرحوم عبد الكريم يطلق باتجاهنا معتقدا بأننا غرباء يسطون على بستانه.. كانت ليلة كرهنا فيها الفقوس،حيث تهشمت اجسادنا، وأكل شوك الحمحم وجوهنا وايدينا. وظل عبد الكريم ينتظر رجوعنا الى ماقبل الفجر،إلا اننا اتجهنا الى طريق اخر، حتى وصلناالى قرية مجاورة قريبة من البلد،وكان وجه الصبح عندما وصلنا، وبقينا اكثر من اسبوع نلتقط الشوك ونضمد الجروح».
«يا عقاب ما باليد حيله ولا كان»
حكاية عقاب العجرمي أثرت في كل من سمعها، ونهايته المأساوية حركت كل القلوب، فأثارت فيهاالشجن والتعاطف معه، وهنا سنمر على قصيدة عنوانها «يا عقاب ما باليد حيله ولا كان»، للشاعر حمد الجفال الحديد، بمناسبة وفاة المرحوم عقاب العجرمي، وكان الشاعر حين وفاة المرحوم عقاب خارج المملكة، وهو لا يعرف عقاب، ولكن ظروف وفاته وكونه شابا في مقتبل العمر، أوحت له بهذه القصيدة:
«يا راكب اللي طايره دون جنحان
اليا قوطرت عبلادنا ما تونا
تطوي بحورا مظلماتٍ ووديان
مروّحه يا فلان تبغي وطنا
من فوق قبرص تنهظت فوق لبنان
ومن فوق سوريا تحدر ظعنا
ويخابر اللاسلكي على برج عمان
من عقبها طمّن بركاده وتأنا
وشمام نركب فوق غالية الاثمان
غب الطلب تاصل معنا
تجي على مثوى عزيزا بحسبان
ترك وليفه بالهوى ما تهنا
يا عقاب ما باليد حيله ولا كان
ياما جلبنا رواحنا ما شرّنا
الموت حق ونايله كل انسان
ياما خذا يا عقاب قبليك منا
يا عقاب من كان السبب كان غلطان
يا ليت لوهو قبل حكمه تأنا»
عرفتها حره كما ريم غزلان
ودشرتها حره عفيفه اتثنى
يا عقاب ما يرد القضا حاكم وسلطان
ولا كل شخصاً نال كل ما تمنى»
«الحزن غيمة والمدامع غيث يهل»
وهناك كثير من الذين أثرت فيهم قصة نهاية عقاب العجرمي، فكتبوا عبارات وقصائد حوله، ورثاء له، وأورد هنا هذه قصيدة كتبها الشاعر سليمان عبد الله سليمان محارب العجارمة، رثاء لعقاب،وفيها يقول:
«الحزن غيمة والمدامع غيث يهل
والمواجع لهايب ضيق على همومي
والحب نسيم لجوفي تسلل
يمشي سفينة حب يم الحلومي
والموت وادي وحنا على التل
لينتهي طاح لفلفنه بيض الهمومي
ما قلتها وانا اهرج واعلل
لا والله انا قلتها من نزف مكلومي
في سبة عقاب اكحل
حام ثمن طاح وين العمومي
انا اشهد انه على الطيب ظلل
وبالجود اله تواقيع وختومي
ومات موتت شجاع للصعيبات يهمل
لاكن الموت واحد والمنايا قسومي
يا طول ما غنيت يا طول مامول
في بعاد عقاب نظيف السلومي
قالوا قنصنه أم ذوايب تقل
مغيب الشمس والخد لمعة حسومي
صويبهن لن طاح جاه الويل
كم واحد جنه ظلام الغيومي
يا ليت لو صافح ايد الأهل
ابتهج للعيش حاشا الوهومي
وعلى الواحد المعبود ناشد واتكل
وعلى الله والحظ حط القسومي
لا بد هالعقد والهموم تنحل
وتفتح سهول الأمل تبطل لغومي
يا زمن ما عاد بي شيل الجمل
لهم المودع قوي السمومي
انا نسيج بالعونه ما اكتمل
انا جسد عايش مكفن همومي
وصلوا عد ما بالكون شيخ يهلل
على نبي عن الزلات معصومي»
سلام على روح الغائب!
نضع الأوراق جانبا، لنعود اليها مرة أخرى، لعل الاخرين الذين يحتفظون بقصاصات الشعر، وفقرات الحكايات، وتلك الالتماعات من جوانب أخرى في حياة عقاب العجرمي، يبادرون، فيكتبون، أو ينفضون الغبار عن تلك الصناديق العتيقة ويفتحونها لتكون متاحة بما فيها من كنوز وأسرار وقصائد وحكايات حول عقاب العجرمي، ليتم لظمها في عِقد كتاب، أو بين دفتي ديوان شعري.. ها نحن في «بوح القرى»، فتحنا البوابة للكتابة، تكريما وتقديرا للشاعر عقاب العجرمي، وقبل هذا، وبعد، تأثرا وإعجابا بشخصيته، وبشعره، وبنهايته غير العادية، والتي تركت أثرا في نفوس كل من قرأ تفاصيلها.. سلام على روح عقاب العجرمي، وهو الحاضر بيننا شِعرا وذِكرا، حتى في الغياب.. سلام عليه.