كتاب «أقوم المسالك في أحوال الممالك».. للتونسي خير الدين

كتاب «أقوم المسالك في أحوال الممالك».. للتونسي خير الدين

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 3-7-2015
-
-

باي تونس  يحضر احتفالات الاعياد  - جرافيك  رسم عام 1867
 أبواب- سامح المحاريق -  بحكم موقعها الجغرافي المطل على البحر المتوسط مقابل السواحل الأوروبية،  وابتعادها عن مناطق الصحراء الواسعة، كانت تونس دائما الدولة العربية الأكثر تعاملا مع سؤال الغرب، فالمجتمع التونسي المحافظ شهد هجرات متتابعة من قبل جاليات أوروبية كثيرة في مرحلة مبكرة قياسا بأي دولة عربية أخرى، ربما باستثناء لبنان التي كانت استقبلت توافدا واسعا في زمن الحروب الفرنجية (الصليبية) واحتكت مع الغربيين إلى حد بعيد، ولكن مجتمعا محافظا في جذوره كالمجتمع التونسي كان يواجه سؤال التأثر بالغرب بكثير من التردد والتوجس، وكان يحاول أن يبحث عن حله الخاص الذي يمكن أن يحل هذه المعادلة.
في أواسط القرن التاسع عشر قدم خير الدين باشا، الوزير الأول لباي تونس، وأحد رجال الإدارة المتميزين على مستوى الإمبراطورية العثمانية ككل، كتابه (أقوم المسالك في أحوال الممالك)، والذي تكون من المقدمة التي أصبحت بحد ذاتها أثرا مهما للمهتمين بدراسة العلاقات بين الشرق والغرب، وكيف رأى الشرقيون مسألة التقدم في أوروبا، بينما بقية الكتاب اتخذت منهجا وصفيا مجردا كان التونسي يقف فيه على الجوانب الإدارية والعملية في الدول الأوروبية.
استفاد التونسي من كثرة أسفاره إلى أوروبا بسبب موقعه الذي شغله، وكذلك بطبيعة الصراع المكبوت بين الدول العربية جنوب المتوسط وأوروبا، وهو ما كان يتطلب منه معرفة معمقة بالدول الأوروبية وقدراتها، وهو ما دفعه ليدرك عمق الفجوة التي تفصل بين تونس ومختلف الدول العربية من جهة، وبين الأوروبيين في الجهة الأخرى، وحاول التونسي أن يتوصل إلى حل في منتصف الطريق بحيث يمكنه أن يأخذ عن الأوروبيين ما ينهض بتونس والبلدان المماثلة في الظروف، دون أن يمثل ذلك انتهاجا كاملا للنمط الأوروبي لأن ذلك سيعني تغييب الهوية الخاصة وحالة أعمق من التبعية.
كان لمسألة الحكم في أوروبا أثرها الملموس على فكر التونسي، فوقف يتأمل أصلا في نمط الحكم السائد في الدول العربية أو التابعة للإمبراطورية العثمانية، وكان الحكم الفردي من وجهة نظره عائقا أمام بناء مجتمع متقدم، لأنه من حيث المبدأ يغيب معظم المجتمع الذين يصبحون مجرد أتباع دون دور ودون مساهمة في تحديد أولوياتهم ومصالحهم، ومن خلال التأمل في واقع تونس وغيرها والمقارنة بالواقع في أوروبا وجد التونسي أن هذه المسألة تشكل فارقا لا يمكن تجاوزه في فهم التفاوت في التقدم.
وجد التونسي في حل يعتمد على التأصيل في الثقافة الإسلامية، وإعادة بث روح جديدة للتشريع للتخلص من الأفكار المشوهة التي تبناها بعض أتباع المؤسسة الدينية، وأن يعاد تحديث المفاهيم من جديد بحيث تكون متناسبة مع روح العصر، ومتجاوبة مع تطلعات البلدان الإسلامية، كما رأى أن يجري الأخذ من الغرب في الجانب التقني وتمكين المجتمع من ممارسة دوره من خلال إتاحة الحرية والعدالة لجميع أفراده.  



خير الدين التونسي

ولد في أحد قرى منطقة القوقاز نحو سنة 1820 لأسرة تنتمي لعائلة أباظة الشركسية، وجرى اختطافه في طفولته وبيعه في سوق العبيد في اسطنبول، لينتقل بعد ذلك إلى تونس في مطلع شبابه، حيث عمل في خدمة باي تونس، ونظرا لما أبداه من كفاءة جرى العمل على تثقيفه وتعليمه وإلحاقه بالخدمة العسكرية التي ترقى فيها بصورة ملحوظة ليضطلع بعد ذلك بأدوار قيادية فعين وزيرا للبحرية وتسلم أكثر من منصب وزاري حتى استقال احتجاجا على الاقتراض من المرابين الأوروبيين والإدارة السيئة للأمور المالية في تونس، وبعد تفاقم الأزمات المالية أعاده الباي في منصب الوزير الأول وهو ما مكنه من إجراء إصلاحات مالية وسياسية واسعة النطاق.
نتيجة لمكائد سياسية توترت علاقته بباي تونس مما اضطره مرة أخرى للاستقالة، ليستدعيه بعد ذلك السلطان عبد الحميد الثاني ليقود حركة إصلاحية في اسطنبول وعينه صدرا أعظم للإمبراطورية العثمانية، وعلى الرغم من جميع منجزاته فإنه اختلف مع السلطان حول اصلاحات أقترحها في نظام الحكم العثماني، إلا أنه بقي من المقربين من الخليفة حتى وفاته سنة 1890 م في اسطنبول.



 مقتطفات من الكتاب

فرجال السياسة يدركون المصالح ومناشئ الشر والعلماء يطبقون العمل بمقتضاها على أصول الشريعة، وأنت إذا إحطت خبرا بما قررناه علمت أن مخالطة العلماء لرجال السياسة بقصد التعاضد على المقصد المذكور من أهم الواجبات شرعا لعموم المصلحة وشدة مدخلية الخلطة المذكورة في إطلاع العلماء على الحوادث التي تتوقف إدارة الشريعة على معرفتها، ومعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبيان ذلك أن إدارة أحكام الشريعة كما تتوقف بالعام على النصوص تتوقف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص، فالعالم إذا اختار العزلة والبعد عن أرباب السياسة فقد سد عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها، وفتح أبواب الجور للولاة لأنهم اذا استعانوا به فامتنع صارو يتصرفون بلا قيد، نعم يعاب على العالم شرعا وعقلا التكلف في الدين والتمسح في النصوص الظاهرة في خلا ما أراد منها، وارتكاب الأقوال الضعيفة ليوافق الأهوية والأغراض لا لأجل مصالح تتنزل منزلة الحاجة والضرورة.
•    أما الشبهة الثانية فجوابها أن عامة غيرنا الذين لقغوا بالتنظيمات غاية التمدن كانوا في مبدأ الأمر أسوأ حالا من عامتنا، وإن كنا نسلم أن معارفنا الدنيوية الآن أقل مما انتجته التنظيمات لبعض الأمم الأوروبية لكن عند التأمل يثبت عندنا أن الأمة الإسلامية بمقتضى ما شهد به المنصون من رجحان عقول أواسط عامتها على عقول غيرها من الأمم تقتدر أن تكتسب بما تبقى لها من تمدنها الأصلي وبعاداتها التي لم تزل مأثورة لها من أسلافها ما يستقيم به حاله ويتسع به في التمدن مجالها، ويكون سيرها في ذلك المجال أسرع من غيرها كائنا من كان إذا أذكيت حريتها الكامنة بتنظيمات مضبوطة تسهل لها التداخل في أمور السياسة، وذلك أن الحرية والهمة الإنسانية اللتين هما منشأ كل صنع غريب غريزتان في أه ل الإسلام مستمدتان مما تكسبه شريعتهم من فنون التهذيب بخلاف غيرهم ممن لم تحصل لهم الغريزتان المذكورتان.
•    حالة الملوك بمقتضى الطبيعة البشرية لا تخرج عن صور ثلاث لأن الواحد منهم إما أن يكون كامل المعرفة والمحبة لخير الوطن قادر على إجراء المصالح بمراعاة الأصلح، أو يكون كامل المعرفة ولكن له أغراض وشهوات خصوصية تصده عن مراعاة المصالح العمومية، أو يكون ناقص المعرفة ضعيف المباشرة ومثل هذه الصور الثلاث يعتبر في الوزير المباشر ولا يخفى أن لزوم المشورة ومسؤولية الوزراء في الصورة الأولى لا يعطل كامل المعرفة عن مقصده الحسن بل يعينه حيث أن آراء الجميع متعاضدة على المصلحة.
•    اعلم أن نظام الإدارة السياسية بفرنسا ناشئ عن موافقة جمهور الأمة في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من دجمبر سنة احدى وخمسين وثمانمائة وألف ومؤسس على قواعد المعاهدة المسماة عندهم بالكونستيتوسيون المعطاة لهم في الرابع عشر من يناير سنة اثنتين وخمسين وعلى عدة شروط صدرت بعد ذلك التاريخ، وهذا الكونستيتوسيون منشأه أن رئيس الربوبليك أي الدولة الجمهورية استشار العامة ومساعفتهم أسسه على الأصول الآتية التي أولها أن يبقى الرئيس مدة عشر سنين ثم يطالب في تصرفاته. الثاني الوزراء يطالبون لرئيس الدولة فقط، الثالث مجلس الدولة المركب من الأعيان المنتخبين مكلف بإحضار القوانين والمدافعة عنها أمام أهل القمرة الرابع أهل الثقمرة أي مجلس نواب العامة، يتحاورون في القانون المراد تحريره ويقترعون عليه وأعضاء هذا المجلس يختارهم العامة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }