أبواب - وليد سليمان القلوب وأرواح الملايين الكثيرة من المسلمين تتلهف متعلقة بالأنوار الربانية ومحبة القدس الأبية المحتلة بإحتلالٍ بغيض. والمسجد الأقصى أسير – ولن يطول الأسر والإضطهاد، فمهما طال الزمن سيرجع الأقصى لأهله ومحبيه ، مهما كان نوع الغرباء من رومان وصليبيين وإنجليز ويهود .فالأرض هناك مقدسة من رب العالمين ، وهي عربية إسلامية .. فيا ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) .ففي جزء ٍ يسير من إحدى ليالي مكة المكرمة وفي السنة العاشرة للبعثة ، حيث كان سيد البشرية المصطفى والرسول الكريم بين الإغفاء واليقظة في الحجر قرب الكعبة المشرفة ،في أجواء من الهم والحزن مع التوكل على الله القدير والرحيم والرؤوف، جاءه سيدنا الملاك جبريل لأمر عظيم !. فقد كان المشركون من أهل مكة , والطائف قد زادوا من حقدهم و إيذائهم للرسول ودعوته التي كانت للمحبة والعدالة والسلام بين كل الناس . ففي مدينة الطائف القريبة من مدينة مكة فشلت زيارة الرسول ولاقى العنت والهجوم والعسف والظلم و حتى الأذي الجسدي , فرماه جهلاؤهم وصبيانهم ب»ة حتى نزلت الدماء من قدميه الشريفتين !، فالتجأ لسور بستان يدعو ربه وخالقه : « اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين , أنت رب المستضعفين وأنت ربي ... الخ .والله الكريم والعظيم أراد أن يكرم رسوله الصابر والصادق والأمين ..فأرسل اليه الملاك سيدنا جبريل ومعه البراق .. للبدء برحلةٍ أرضية وسماوية خارقة للعادة وللمألوف .. لم يقم بها أحد من قبله ولا بعده .. تشريفاً وتكريماً ومواساة لعبده ونبيهِ الحبيب وصفيه وخليله المكلوم والمحزون من غياب عمه المنافح والمكافح عن ابن أخيه ،وغياب القلب الحنون والزوجة أُولى المؤمنات به من النساء وبرسالة الايمان والاسلام خديجة بنت خويلد – أنه عام الحزن والأسى - . وفي رحلته العظيمة تلك « الاسراء والمعراج « بالروح والجسد اختصر له الله القدير حدود الزمان والمكان !، وفي فترة قصيرة من آخر الليل .. حيث ان الاسراء يعني في اللغة « السير في آخر الليل .وقد أراد سبحانه وتعالى من ذلك ان يرفع مقام الرسول الصامد حتى النهاية , وان يُبين له رفعة مكانته عنده .. وان يُضيف الى معجزات الرسول معجزة أخرى تكون حجة على المشركين .. ونوراً للباحثين عن الحق ، وزيادة لإيمان المؤمنين .وكان الاسراء إعلاناً بأن المسلمين هم ورثة الرسالات السماوية السابقة، و ورثة المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد الاقصى في القدس المباركة .وتلك الحادثة الخارقة بقدرة الله العزيز من مسجد الى مسجد ثم الى السماوات تأكيد ودلالة دينية على أقدس أقدم مكانين على الارض ..فالمسجد الحرام – و الكعبة المشرفة – اول مكان وُضع على الارض , والمسجد الاقصى هو ثاني مكان أُقيم على الارض، وما بينهما 40 سنة .في المسجد الأقصى وعند وصول الرسول «ص» لمكان ارض المسجد الاقصى في بيت المقدس أمره الله ان يصلي بكل الأنبياء السابقين إماماً , ولأن الاقصى هي ارض المحشر والمنشر، ومعقد الأولياء والصالحين، وزيادة ً في إظهار بركة بيت المقدس وما حوله .فالقدس هي موطن الانبياء ..فالديانات السماوية هي سلسلة ممتدة لا تنقطع منذ سيدنا آدم عليه السلام الى رسولنا الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه .فالمسجد الاقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي في المدينة المنورة .. وعلى ذلك فإن على كافة المسلمين والمؤمنين ان يتحملوا مسؤولياتهم تجاه المسجد الاسير في أسر اليهود الذين زادت تهجماتهم على مقدسنا الغالي هذا وبشكل شبه يومي !! لذا فإن اهل القدس وفلسطين العُزل من السلاح والقوة يدافعون ما استطاعوا بأياديهم وأصواتهم .. ولاحول ولا قوة إلا بالله .المعراج الى السماءو يا الله ما أجلَّ وأقدر الخالق العظيم ، خالق الكون وكل ما فيه من أحياء وجمادات ، وما نعرفه وما لا نعرفه .وفي مرحلة « المعراج « والتي كانت الصعود من ارض المسجد الاقصى الى السماء الأولى وحتى السماء السابعة ..حيث تجاوز الرسول الكريم الدنيا بأقمارها وكواكبها ونجومها ومجراتها وسدمها ...الخ, حيث أبان سبحانه العلي المهيمن عجائب قدرته وبدائع صنعته التي بهرت العقول وأخذت الالباب .ففي السماء الدنيا إذ الرسول محمد عند أبيه سيدنا آدم « ابو البشرية « .وفي السماء الثانية عند أخويه عيسى و يحيى عليهما السلام ... وهكذا حتى وصل الى السماء السابعة عند أبيه ابراهيم عليه السلام، وعلى البيت المعمور .واطلع الرسول العفيف والصادق محمد صلى الله عليه وسلم على نعيم الجنة وأهوال النار .. حتى وصل أخيراً الى سدرة المنتهى..المكان العظيم جداً الذي لم يصل إليه أحد !!. فالمعراج معجزة خالدة ومذهلة اختصرت بلايين السنين في دقائق او لحظات دقائق كلمح البصر . فسبحان الله رب العالمين والله اكبر دائماً وأبداً .لماذا كان الإسراء والمعراج ؟رجح أكثر علماء السيرة النبوية أن حدوث الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة واحدة، أي بعد مرور اثني عشر عامًا من البَعثة، وهي سنوات ذاق خلالها النبي وصحبه الكرام ألوانًا وأصنافًا من الاضطهاد والعذاب، شمل الجانب النفسي والاجتماعي والاقتصادي.وكان من ذلك أنَّ قريشًا سعت إلى تفعيل سياسة الحصار الاقتصادي لبني عبد مناف، والتجويع الجماعي لهم، كُفَّارًا ومسلمين، واتفقوا على ألاَّ يُنَاكحوهم، ولا يُزَوِّجوهم ولا يتزوَّجوا منهم، ولا يُبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يَدخلوا بيوتهم، ولا يكلِّموهم، وأن لا يَقْبَلوا من بني هاشم وبني المطَّلب صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلِموا رسول الله لهم للقتل!.وهنا بدأت حِقبة جديدة من المعاناة والألم، حيث حُوصِر المسلمون والمشركون من بني عبد مناف ومعهم أبو طالب في «شِعْبِ أبي طالب»، وقد بلغ الجهد بهم حتى إنه كانت تُسمَع أصوات النساء والصبيان وهم يصرخون من شدَّة الألم والجوع، وحتى اضطرُّوا إلى أكل أوراق الشجر والجلود.وقد ظلَّت تلك المأساة البشريَّة طيلة ثلاثة أعوام كاملة، حتى جاء شهر المحرم من السنة العاشرة من البعثة، وشاء الله أن يُفَكَّ الحصار البشع عن بني هاشم وبني عبد المطَّلب، وكان ذلك على يد ثُلَّة من مشركي قريش جمعتهم النخوة والحميَّة القبليَّة، ثم بفضل آية قاهرة من آيات الله، تمثَّلت في الأَرَضَة التي أكلتْ جميع ما في الصحيفة التي اتَّفقوا عليها، من جَوْر وقطيعة وظلم، إلاَّ ذِكْرَ اللَّه !! وما إن انتهت هذه السنون العجاف حتى تلاها عام الحزن، الذي لم يكن تسميته إشفاقًا من أحد، ولكنها تسمية النبي لمَّا حدثتْ له مصيبتان كبيرتان في هذا العام (العاشرة من البعثة)، أمَّا الأولى فهي موت أبي طالب، عمِّ رسول الله، والسند الاجتماعي له، وأمَّا الثانية فهي وفاة خديجة رضي الله عنها، زوج رسول الله والسند العاطفي والقلبي له!.وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيَّام معدودة، فازدادت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله، وزاد عليه ما كان مِن تجرُّؤ المشركين عليه؛ حيث كاشفوه بالنكال والأذى بعد موت عمِّه أبي طالب.وقد ازداد رسول الله «ص» غمًّا على غمٍّ حتى يئس من قريش، وخرج إلى أكبر القبائل بعد قريش وهي قبيلة ثقيف بالطائف؛ رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يُئووه وينصروه على قومه، فلم يرَ ناصرًا ولم يرَ مَن يُئوي، وقد قال له أحدهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال آخر: والله لا أُكلِّمك أبدًا... لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك!وهنا قام رسول الله «ص» من عندهم وقد يئس من خيرهم، وقال لهم: «إِذْ قَدْ فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنِّي». إلاَّ إنهم لم يفعلوا، بل تطاولوا عليه، وأَغْرَوْا به سفهاءهم الذين رَمَوْهُ ب»ة هو ومولاه زيد بن حارثة، حتى دَمِيَتْ قدمه الشريفة، وشُجَّ رأس زيد، ولم يزل به السفهاء حتى ألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهناك التجأ إلى شجرة وأخذ يدعو بالدعاء المشهور: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلاَ أُبَالِي...».وهذا الدعاء يدلُّ على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا ممَّا لقي من الشدَّة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد. ثم إنه لما عاد إلى مكة حزينًا كسيرَ النفس لم يستطع أن يَدْخُلْهَا إلاَّ في جوار مشرك، وهو مطعم بن عديّ!.وفي هذه الظروف العصيبة والمحن المتلاحقة؛ في الطائف وفيما سبقها من وثيقة المقاطعة والحصار، ووفاة سَنَدَي الرسول الكريم العاطفي والاجتماعي، زوجه السيدة خديجة -رضي الله عنها- وعمه أبي طالب ؛ في هذه الظروف وبعد أن ضاقت به الأرض من المشركين اتَّسعت له أفق السماء، وجاءت معجزة الإسراء والمعراج تثبيتًا له ومواساة وتكريمًا؛ ولتكون بذلك منحة ربانيَّة تمسح الأحزان ومتاعب الماضي، وتنقله إلى عالم أرحب وأُفق أقدس وأطهر، إلى حيث سِدْرَة المنتهى، والقُرْب من عرش الرحمن.الإسراء والمعراج من منظور علمييقول الدكتور كارم السيد غنيم: أدمج أينشتين المكان والزمان في نظرية النسبية الخاصة عام 1905م، وأعلن أنه «ليس لنا أن نتحدث عن الزمان دون المكان، ولا عن المكان دون الزمان، وما دام كل شيء يتحرك فلا بد أن يحمل زمنه معه، وكلما تحرك الشيء أسرع فإن زمنه سينكمش بالنسبة لما حوله من أزمنة مرتبطة بحركات أخرى أبطأ منه». ولقد تحققت ظاهرة انكماش الزمن علميًّا في معامل الفيزياء، حيث لوحظ أن الجسيمات الذرية atomic particles تطول أعمارها في نظر راصدها، إذا ما تحركت بسرعة قريبة من سرعة الضوء. وطبقا لنظرية أينشتين، فإننا إذا تخيلنا أن صاروخا اقتربت سرعته من سرعة الضوء اقترابا شديدا، فإنه يقطع رحلة تستغرق خمسين ألف سنة (حسب الساعة الأرضية) في يوم واحد فقط (بالنسبة لطاقم الصاروخ)!.وخلاصة القول: إن الزمن ينكمش مع ازدياد السرعة، وتزداد السرعة مع ازدياد القدرة على ذلك.هكذا أصبح من المقنع للماديين أن السرعة والزمن والقدرة أشياء مترابطة، ولكن إذا كان هناك مخلوق أقوى من الإنسان ، فإنه يتحرك بقوانين أخرى غير قوانين الإنسان، فيقطع المسافات ويعبر الحواجز، وأشياء أخرى كثيرة لا يتخيلها الإنسان الذي يسكن كوكبه الأرضي. لقد أوردنا هذا العرض العلمي لكي نقرِّب للناس فهم إحدى المعجزات الحسية التي جرت لرسول الله محمد بن عبد الله، إنها «معجزة الإسراء والمعراج». ولسنا نسعى من وراء هذا العرض أن نثبت صدق هذه المعجزة، وإنما نريد فقط أن نقرِّب فهمها للذين يستبعدون حدوثها من غير المسلمين. وهذه المعجزة من الصنف الذي لم يجره الله بقصد التحدي (أي: تحدي البشر)، وأعجب ما في هذه المعجزة (بشقيها) أنها غيب من جملة الغيوب التي يجب على المسلم أن يصدق بها ويثق فيها مطلقا. وهذه المعجزة إذا ناقشناها، فإنما نناقشها لإثبات استحالة وقوعها لبشر عادي، بكل المقاييس العلمية، أو حتى بتطبيق الفروض أو النظريات... وإلاَّ لانتفت صفتها كمعجزة، ولأمكن للإنسان العادي أن يحققها عن طريق استخدامه لأي طاقات أو سبل يخترعها العلم بمرور الزمن. تشتمل «معجزة الإسراء والمعراج» ضمن ما تشتمل السرعة الخارقة والقدرة المذهلة التي انتقل بها رسول الله في الشق الأول من المعجزة، وهو «الرحلة الأرضية»، من المسجد الحرام بمكة (في الجزيرة العربية) إلى المسجد الأقصى بالقدس (في فلسطين)، ثم السرعة والقدرة اللتان لا يستطيع الإنسان -مهما أوتي من علوم وتكنولوجيا- أن يحددهما، وذلك في الشق الثاني من المعجزة وهو «الرحلة العلوية»، أي: الصعود من حيث انتهت الرحلة الأرضية إلى الأعلى في رحلة سماوية اخترق الرسول بها طبقات الجو كلها، وعبر أرجاء الكون إلى سماء لا ولن يستطيع الإنسان أن يصل إلى تحديد أي شيء فيها، ولن يعرف عنها أي شيء سوى ما أخبره به القرآن الكريم.
الإسراء بين مكة والقدس .. والمعراج إلى سدرة المنتهى
12:00 16-5-2015
آخر تعديل :
السبت