بدأ الصيام المسيحي اليوم.. ويستمر أربعين يوماً يمتنع فيه الصائم عن أكل اللحوم ومشتقاتها ويقتصر على الخضار!!. ولأن الخضار منذ ألفي عام لم تكن تتوفر كما تتوفر نِعَمُ الغور وخيراته. فإن غذاء الناس وأنا أتذكر طفولة مادبا كانت من «بقول الأرض»: الهندباء واللفيتة والعكوب والخبيزة والمرار.. والفطر والكمأه طبعاً والحبوب بأنواعها وكل ذلك بالبصل وزيت الزيتون!أما اللحوم فلنتذكر أن ولادات الأغنام تكثر في هذا الفصل أو في أواخر الخريف. وللحفاظ عليها وعلى حليبها يمتنع أكلها، وكذلك الدجاج وأكثرها لا يبيض أيام البرد... الذي جعلنا نكتب اليوم عن الصيام المسيحي ليس الهدف منه دينياً، وإنما هو فهم تقاليد أحد أديان المشرق، بالتطابق مع بيئته العربية وبيئة شرق المتوسط، فلا يوجد في أوروبا بقول في شتائها الطويل، والأغنام هي في وسط القارة لها مواسم وكذلك الخنازير والبقر. وحين ينتهي الصيام أو يكاد تصبح سعف النخل مظهراً من مظاهر الاحتفال لدى دخول المسيح إلى القدس والنخلة ايضاً ليست شجرة اوروبية، وقد أدخل هؤلاء شجرة عيد الميلاد الى التقليد المسيحي مما لا وجود له عندنا، لأنه تقليد وثني عميق في حياة الاوروبي، في حين ان الشجرة عندنا محدودة.. ولعل امير المؤمنين ابا بكر حين اوصى جيشه: «ولا تقطعوا شجرة»، كان في اعلى درجات التحضر زمن الحروب، فالشجرة مباركة، ووردت في القرآن زيتونة لا شرقية ولا غربية، او هي بعض القسم والتين والزيتون!كنا ونحن صغاراً نرتل في الكنيسة باللاتيني وهي لغة لم نتعلمها.. ولكنا كنا نرددها كالببغاوات دون ان نعرف معناها، وقد ادركت الكنيسة ذلك فعرّبتها. وما يزال الارثوذكس يرتلون مع العربية باليونانية القديمة التي قد لا يفهمها يونان اليوم!وكنا نعتقد ان وضع منديل على رؤوس النساء في الكنيسة هو لاحترام قدسية المكان ثم اكتشفنا انه مؤشر لخضوع المرأة، وقد تنبه الفاتيكان الى ذلك، فأعفى النساء من هذا الخضوع.. دون بيان فاتيكاني!!.لا نظن ان الصائمين لأربعين يوماً يهتمون لمعرفة اصل التقليد، لأن القناعة الدينية لم تعد لها علاقة بالأسباب!.. ولكننا نرى ان خلف التقاليد، التي نكررها، فهم عميق لمتطلب الحياة الانسانية البسيطة الراقية، ففي الصيام -ونحن في بيتنا لا نصوم- تجد ان طعم الخبيرة واللفيتة والهندباء بالزيت طعماً مميزاً، لانه بسيط وموسمي، ونأسف كثيراً، لأن الاردن وباديته لم يعودا حقولاً للفطر والكمأة، مثلما أن العكوب صار اغلى من اي صنف مع انه متوفر.. لكن من يقلعه؟ ومن ينظفه من شوكه؟ وقد ينتهي سعره بـ 8 دنانير للكيلو!..كنت أقول لأبني رعد: تمهل في سعيك! فلعلك تدرك، قبل أن تصل إلى عمري، أن في الحياة أطايب ومتع وراحة اكثر من.. المال!
صيام وخبيزة وزيت!
12:00 25-2-2015
آخر تعديل :
الأربعاء