المنطق .. أساس التفكير السليم

المنطق .. أساس التفكير السليم

تاريخ النشر : الأحد 12:00 23-11-2014
-
-

إبراهيم كشت

 التفكيرُ المَنطقيُّ سَبَقَ الاختراعاتِ والاكتشافاتِ العلميّةِ : كثيراً ما ننسى أن (المنهج سبق الاختراع) ، أي أنّ طريقة التّفكير الواضح القويم ، القائم على أساسٍ من قواعد المنطق ، المجانب للمُغالطات ، الذي يربط المقدمات على نحو سليم ، ليصل إلى نتائج صحيحة ، هو الذي أدّى إلى ما نعرف من اكتشافات علمية مفيدة ، واختراعات تَغلَّبتْ على تحدّيات الطبيعة ، وتأثيرات البيئة ، وحدود الزمان والمكان ، وجعلت تكيُّفنا مع ما حولنا أفضل ، حتى باتت حياتُنا أسهل وأيسر وأكثر جودة .  وعلى ذلك يمكننا أن نقول إن الفلاسفة الذين وضعوا المنهج ، لا يقلون أهمية عن العلماء الأجلاّء الذين بحثوا وجرّبوا واخترعوا .
ورغم ما تقدم ، فلم يعد المنطق كعلم وفن وأداةٍ للتفكير الصحيح ، محل دراسة وبحث واهتمام كافٍ في المدارس والجامعات والكتب والصحف والمنشورات والندوات ، فكأنما أَفِلَ نجمُه ، أو غاب أَلَقُه، فإذا استخدمناه في أحاديثنا كتعبير ، ألقينا اللفظ جُزافاً أو ارتجالاً أو عفو الخاطر ، دون أن نعني به العلم والفنَّ الذي يعرف بواسطة قواعده فساد التفكير من صوابه ، والمنهج الذي يكرّس المبادىء والقوانين التي تمنع الفكر من الوقوع في الخطأ والمغالطة .

 الاطلاع على علم المنطق وموضوعاته
قد يقال إنه لا يَتحتَّمُ أن يكون المرءُ قد درسَ علم المنطق ليغدو منطقياً في تفكيره ، تماماً كما يقال إنه قد يبرُزُ مدير مبدع دون أن يكون قد درس الإدارة ، وقد يظهر خطيب مفوّهٌ ، أو كاتب مميّز دون أن يكون قد قرأَ قواعد النحو والصرف والبلاغة والنقد ، كما قد تجد شاعراً موهوباً لم يطلع على العروض وبحور الشعر .  كل ذلك صحيح ، لكن دراسة أي علم تزيد من تَميُّز الموهوب ، وتكشف الطاقات الكامنة وتطلقها ، وتصقل القدرات القائمة وتحسّنها وتطورها ، كما أنها تساعد من لم يؤت القدرة أو الموهبة بالفطرة على أن يحوز ولو القليل منها .
لقد تعددت التعريفات التي قدّمها الباحثون والمختصون والفلاسفة لعلم المنطق ، ولكن ثمة تعريفاً ساقَهُ الفيلسوف الفرنسي لالاند في موسوعته ، وأراه تعريفاً جزلاً بليغاً ، فيه عمق وإيجاز ، إذ يقول إن المنطق هو : (اتفاق الفكر مع نفسه ، واتفاقه مع الواقع) فالمنطق يحقق اتساقاً في التفكير ذاته ، وعدم تناقض مع الحقيقة القائمة فعلاً في الواقع .
أما موضوع علم المنطق فهو التفكير ، وهو يُعنى بالتمييز بين الحكم الصحيح والخاطىء ، ويهتمُّ بالاستدلال السليم ، وكيفية الوصول إلى البرهان الصحيح ، وقد قال بعض فلاسفة العرب إن غاية المنطق هي : (العِصْمَةُ مِنَ الخَطأ في التّفكير) .

غيابُ المنطِقِ في الكلامِ والكتابةِ والمُعتقداتِ  
إذا كُنتَ مـن المهتمين بعلم المنطق ، فإنك ـ كثيراً ـ ما تَلْمَسُ حجم ونوع التناقض في كلام عامة الناس، كما تقف على المغالطات المنطقية التي تتضمنها الكتابات ومقالات الصحف ، وبخاصّة تلك التي تبحث في الاقتصاد والسياسة ، فترى كيف أن الكاتب  يبدأ مثلاً بفرض ، ثم يشرع بشرحه وضرب الأمثلة عليه ، وفي ختام المقالة يكـون الكاتب (وربما القارىء أيضاً) قد نسي أَنه يستند لافتراض ، فيخرجُ بأحكام يعرضها بصيغة الجزم والقطع .
وستلمس كذلك حجم المقالات التي تبحث وتحلل ، ثم تخرج بالنتائج مستندة إلى عدد قليل من العينات التي لا تكفي لإصدار الأحكام وتعميمها ، أو تستند إلى نسب مئوية قادرة على أن تكذب إحصائياً ، وتصوّر الأمور على غير حقيقتها ، أو تقيم البرهان على توجهاتها وأحكامها من خلال النصوص التي تفترض أنها برهان كافٍ على كل حقيقة ، أو دحض شافٍ لكل باطل .  أما المجافاة الكبرى للمنطق ، وانقطاع الصِّلة بين المقدمات والنتائج ، وغياب علاقة السببية بين العلة والأثر ، فأحسَبُ أنك ستجدها في أحاديث السَّاسَةِ ، وتبريرات المسؤولين ، وخطابات الأحزاب وأصحاب الايدولوجيات المختلفة .
وحين تكون للمرء صلة وثيقة بالمنطق ، فإنه يتألم لغيابه التام ، حين يرقب معتقدات كثير من الناس حول تأثير السِّحر والشعوذة والحُجب والعين والحسد وسوء الطالع وقراءة الفنجان والأبراج وتفسير الأحلام وتأثير المخلوقات الماورائية .  كما أن المهتم بالمنطق يلمس مقدار المغالطات في التفكير في نظرة الشخص الى ذاته ، فكثيراً ما تبنى تلك النظرة على الحاجات النفسية والبواعث اللاشعورية ، وتكون مبتورة الصلة بكل تفكير منطقي سليم .

 دعوة إلى تعلُّم وتعليم المنطق
على أية حال ، ربما كـان أحد أسباب عدم الإقبال على علم المنطق في وقتنا الحاضر ، رغـم أهميته ودوره ، أن مادته شديدة الجفاف ، تستعصي أحياناً على الفهم السريع ، وقد تعود علَّة ذلك إلى أسلوب طرح هذا العلم ، فكثيراً ما يطرح بأسلوب قديم أشبه ما يكون بطريقة الفلاسفة القدماء في تناول الموضوعات ودراستها وعرضها ، بحيث لا يهضمها إلا المتخصصون في مجالها .
فحبذا لو توجّهت جهود المعنيين والمتخصصين إلى عرض هذا العلم بأسلوب أكثر بساطة وإيجازاً وتطوراً ، وأقرب الى الواقع ولغة العصر ، بحيث يكون التركيز متوجِّهاً نحو طرائق الاستدلال والبرهان وبيان مغالطات التفكير .
وبعد ، فإن المنطق ليس أساس المنهج الذي يسبِقُ الاختراع وحسب ، لكنه أساسُ المنهج الذي يصوّب تفكير الناس وأحكامهم في المجالات : الثقافية والفكريـة والاجتماعية والمهنية والاقتصادية والسياسية ، فحين يغيب المنطق تكون الخرافة ، والخرافة ليست قصراً على تصوّرِ وفهم وتفسير الكون والحياة والأحداث والعلاقات والماضي والحاضر والمستقبل وحسب ، فثمة أيضاً خرافات سياسية وخرافات اقتصادية ، بل وخرافات تلبس لبوس العلم وتَدَّعيه .
Facebook.com/Ibrahim.kasht

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }