نتمتع في الاردن بخاصية انتقاد كل شيء لمجرد الرغبة في إظهار أننا أفضل من الذين ننتقدهم, ونتمتع بخاصية مرتبطة بهذا, وهي عدم إنصاف المجيدين, والذين يؤدون عملهم على أكمل وجه, ونتجاهل المبدعين في أي موقع كانوا, مثلما نتجاهل الخدمة الاضافية, التي يقدمها بعض الموظفين في دوائر الدولة, لنصطاد أخطاء البعض, فنضخمها ونحاول تعميمها على الجميع دون استثناء, فنسرق بذلك من الناجحين نجاحهم, ومن المتفهمين لطبيعة مواقعهم, جهدهم في الإيفاء بمتطلبات وظائفهم, ونتناسى أن البعض يدفعون من جيوبهم, ومن راحة نفوسهم ثمناً لتواجدهم في مواقع قد تتطلب تضحيات من شاغليها, وهي بالتأكيد تضحيات تظل في خانة المجهول, لأنها لا تجد من يسلط الضوء عليها, أو يشيد بها ويعلن احترامه لها.
في دائرة أراضي شمال عمان مدير يستحق الاشارة إلى الجهد الهائل الذي يبذله في خدمة المواطنين, رغم العديد من العراقيل, الناجمة عن عدم فهم بعض موظفيه لطبيعة عملهم الخدمية, والتي تتطلب العديد من الصفات, من بينها المرونة والتواضع واحترام الجمهور, فبينما يرافق المدير أي مراجع لمكتبه إلى القسم المختص لإنجاز معاملته, ويمضي معه كل الوقت اللازم, حتى لو تجاوز وقت الدوام الرسمي, فإن بعض صغار الموظفين يتعاملون مع خلق الله الذين أجبرتهم معاملاتهم على مراجعة هذه الدائرة باستعلاء وتكبر, وكأن هؤلاء من طينة أدنى, وكأنهم أتوا إلى الدائرة للاستجداء, وكأنهم ليسوا مواطنين لهم حقوق, وكأن هؤلاء الموظفين لن يجدوا أنفسهم يوماً يراجعون دوائر حكومية, وينتظرون من موظفيها احترامهم وإنجاز معاملاتهم.
يدرك مدير أراضي شمال عمان أن وقت المواطن ثمين وأنه ليس مضطراً لقضاء بضعة أيام وهو يراجع الدائرة لانجاز معاملته, وهو لذلك يسعى شخصياً وبقدر كبير من التواضع, لتسيير المعاملات بأكبر قدر من السرعة مع مراعاة الدقة المطلوبة في عمل هذه الدائرة, ولست على يقين من أن حال هذه الدائرة هو حال بقية الاقسام في دائرة الاراضي, التي شهدنا فيها المآسي في يوم ليس ببعيد, وإذا كان الحال في شمال عمان ناجم عن اجتهاد شخصي, وأنه ليس سياسة جديدة للتعامل مع المواطنين تنطبق على الجميع, فان على مسؤولي هذه الدائرة التي يراجعها كل مواطن, أن يدرسوا تجربة شمال عمان للاستفادة منها وتعميمها.
في الجهة المقابلة هناك التصرف الحضاري لرجال الأمن العام, في التعامل مع موجة الاعتصامات والاضرابات التي تشهدها شوارع وميادين وساحات البلد , ويبدو غريباً على ثقافتنا الشعبية أن يوزع رجال الأمن الماء والعصائر على المضربين والمعتصمين والمتظاهرين, والمؤكد في هذا الاطار أن مدير الامن العام هو صاحب التحول في تعامل الجهاز مع الوضع, وهو ليس بعيداً عن توجيهات الملك, ولكن يبدو أنه واحد من قلائل يتفهمون هذه التوجيهات, وليست لهم أجندات خاصة تتعارض معها, وهو بذلك يرسم صورة ناصعة للمسؤول المتفهم, والقادر بلمسة إنسانية على امتصاص لحظة الغضب والنقمة, وتحويلها إلى علاقة نظيفة بين المواطن والمسؤول أياً كان الموقع الذي يشغله.
ويدرك مدير الأمن العام أن للمواطن حقوقاً يجب أن لا تنتهك, حتى وإن تعسف المواطن في سعيه لنيل تلك الحقوق, والمأمول من هذا الرجل صاحب التفكير الحضاري أن يولي دائرتي السير والترخيص بعض اهتمامه, لتدارك بعض الظلم الذي يقع على المواطن, خصوصاً وأنه مضطر لتحمل ذلك الظلم, ليتمكن من إنجاز معاملته في الوقت المحدد لها, ولأنه لا يمتلك الوقت الكافي لمتابعة من ظلمه في أروقة محكمة الامانة, التي تحتاج لأكثر من مقال لكشف أوجه القصور فيها.
من خلال مدير الامن العام ومدير أراضي شمال عمان, وهما يؤديان واجبهما على الوجه الأكمل, نشد على أيدي كل الشرفاء الذين يخدمون الوطن بكل أمانة وإخلاص.