وليد سليمان
عندما يتذكر الطبيب موفق خزنة كاتبي، في كتابه القيّم «المحطة في الأربعينات» عن الأعياد في عمّان، فإنه يشير عن عيد الفطر وعن شهر رمضان المبارك في المحطة كما يلي:
كان الاستعداد للشهر الفضيل قبل شهر من رؤية الهلال حيث التموين الضروري والتفكير في تحضير المسجدين الوحيدين في المحطة – مسجد المعانية ومسجد الفتح - لصلاة التراويح وتخصيص جزء مستور لمصلى النساء.
كان الجميع يصوم حتى الأطفال, ولكي يتأكد أحدنا من أن رفيقه صائم يطلب منه أن يمد لسانه, ليعرف إذا كان اللسان رطبا أم لا، وأحيانا يشارك الأستاذ في «علامة مد اللسان» ويلوم من لا يصوم, رغم أننا كنا في المرحلة الأولى من المدرسة, ولا يتعدى أكبرنا سن التاسعة.
ولما كان مجتمع المحطة مختلف الأصول والمنابت فان الصيام والإفطار يكونان على نموذج البلاد التي أتوا منها.. ولما كانت مجموعة كبيرة من سكان المحطة آنذاك من أصول «شامية» فكان رمضان في المنزل عند السحور وعند الإفطار يستمد تقاليده من تلك الأصول.
لم يكن في عمان إذاعة ولذلك كنا نتسحر على ما تثبته إذاعة «هنا القدس» لأذان الفجر.. عدا عن وجود الساعة «الجرس» وطبلة المسحر «صدقة» أو نستمع إلى صوت الشيخ «حسين المدلل» من مأذنة مسجد الفتح في المعسكر, حيث يؤذن للفجر, ويتبعه بعض التسابيح.
أما قبل المغرب فكنا نجتمع وعدد من أولاد الجيران في الساحة أمام بيتنا ننتظر أن نسمع أذان مسجد الفتح، لنعود مسرعين إلى المنزل ونحن نقول: أذن,أذن,أذن....ويبدأ كل واحد منا إفطاره بالماء وخاصة فصل الصيف.
وكان طعام السحور في رمضان بسيطا ومتشابها وهو الخبز والجين واللبنة إضافة إلى البطيخ والخيار والعنب حسب الفصل.
إما الإفطار فكان سفرة عامرة من أنواع الطعام, وكان لا بد من شراب قمر الدين والسوس، ومن المقبلات لا بد من وجود صحن «الفتوش» وصحن «التسقية» بالحمص ومتبل الباذنجان.
كنا نذهب إلى صلاة التراويح مع أهالينا ونلتقي في المسجد قبل أذان العشاء، وعند العودة من التراويح كان بالانتظار «القطايف» وأنواع الفاكهة وأنواع العصير وأنواع التسالي خاصة إذا كنا موعودين بمن يسهر عندنا في تلك الأمسية.
وكانت السهرات الرمضانية من تقاليد الشهر الفضيل ولا تكون السهرات مختلطة بل يجلس الرجال في غرفة والنساء في غرفة أخرى.
وإذا كان الطفل صغيراً ولا يستطيع الصيام فكان عليه إن يفيق على السحور ويأكل ما يشاء وينام ولا يفطر صباحا كالمعتاد قبل رمضان,بل عليه أن يستمر إلى الظهر إذ بعد أذان الظهر تحضر له لأمه وجبة الغداء.
وكنا في دمشق نسميه «صيام درجات المأذنة» وفي فلسطين «درجات الصخرة» وإذا استمر الطفل في صيامه كاملا لأول مرة في حياته فان أمه ترتب له سفرة خاصة فيها كل أنواع الحلوى والملبس والشوكلاته وبعض الهدايا وتحمله أمه على ظهرها قبل إفطاره وتدور به على أفراد الأسرة فيقبله الجميع.
أما العودة من جامع حي المعانية بعد التراويح فمختلف، إذ أن كل واحد ترافقه زوجته أو بناته الكبار, فقد يدعو أحد العائدين من الصلاة والذي بيته أقرب إلى الجامع ليشربوا الشاي فلا يخيبون ظنه, وعلى الطريق يحتد النقاش بين النساء إذا استعجل الإمام بالقراءة وإذا غلط في عدد الركعات وكيف إن أم فلان أحضرت ابنتها الصغيرة جداً !!و التي لم تدع لهن مجالا للاستماع بالقرآن والركوع والسجود بسبب الضجيج الذي أحدثته.
ومن مراسم العيد قبل نهاية رمضان قص الشعر عند الحلاق, فكنت ترى طوابير من الكبار والصغار ينتظرون دورهم عند الحلاق صابر, وقد يمتد الدور إلى منتصف الليل, وتعطي للحلاق إكرامية غير محددة, واللطيف أن أجرة قص الشعر عند الطفل تعادل نصف ما يدفعه الأب لقص شعره, وقد يكون الأب أصلعا والولد يتأنق بشعره, ولله في خلقه شئون.
وكان من المعتاد في نهاية شهر رمضان أن يتحروا الهلال, فكان كبار السن من أهل المحطة يجتمعون في مكان مرتفع «يبحثون» عن الهلال, وكأنهم مسئولون عن رؤيته ودائما كانوا يعودون دون إثبات أو نفي ما ذهبوا إليه,وكان من المعتاد إذا ثبتت الرؤية الصحيحة أن نسمع أصوات المدافع تنطلق من المحطة ومن قلعة عمان وهي عادة من زمن تركيا وبقيت إلى يومنا هذا.
حدث في أحد السنين وكنا صائمين في آخر يوم من رمضان, أن صار أئمة المساجد يدعون الناس إلى الإفطار, وأن ذاك اليوم هو أول أيام العيد,وذلك بعد أن اثبت أحد كبار القوم رويته للهلال، فافطر الجميع وهم غاضبون إذ حرموهم من بهجة العيد في يومه الأول.
كان لا بد لكل عائلة من تحضير حلو العيد آخر يومين من شهر الصيام,ورغم أننا في أسرتنا كما في أكثر العائلات الشامية في المحطة كنا نجلب حلويات العيد من دمشق في أول رمضان، وكانت عبارة عن المعمول والبرازق والغريبة والكنافة المبرومة «وكول واشكور» تأتينا بأصفاد خاصة من الخشب الرقيق كان لابد من اجل فرح أفراد الأسرة الصغار من عمل كمية من المعمول»والتويتات» الخاصة بنا ولذلك « برتوكول خاص» حيث يجب أولا الذهاب إلى الخباز نعيم على حافة السيل الشمالية ونأخذ من عنده عدد من الأفراش المعدنية التي سنضع فيها المعمول قبل إرسالها إلى الفرن وكذلك لابد من إخباره عن الكمية ليهيئ الفرن بحرارة معروفة لديه ولا بد من المجى بالافراش في ساعة معينة بعد تحضيرها في البيت وحسب برنامجه الزمني لكل أسرة وهكذا تشترك العائلة في عجن الطحين أو السميد بالسمن والماء والسكر ثم يترك إلى إن يختمر ثم تشترك العائلة بالعمل بقوالب خاصة للمعمول بالجوز أو الفستق الحلبي أو أقراص العجوة وتشترك الأسرة دون أن تشعر بالحرج في نقل «فروش الحلو» إلى الفرن فلا يستحي احد إذا رآه زميله يحمل وأسرته الفرش إلى الخباز ويعود إلى المنزل بعد أن يتم خبزه حيث انه في ذلك الزمن لم يكن يتواجد سيارات نقل صغيرة ولا حمالين في منتصف الليل وهكذا سهرة الحلو تستمر حتى وجه الصباح أحيانا،حيث يضعون السكر الناعم فوق المعمول ويعبئونه في صحون جميلة للضيافة في أيام العيد
عيد الفطر
اعتاد سكان حي سكة الحديد وسكان حي المعانية أن يذهبوا بعد صلاة الفجر لصلاة العيد في مسجد حي المعانية أما سكان حي الضباط فكانوا يصلون العيد في مسجد الفتح في معسكر المحطة.
وكانت العادة أن يذهب الأب مع أولاده الذكور مهما صغر سنهم لأداء صلاة العيد وكانوا يلبسون ثيابهم الجديدة ويذهبون إلى الجامع وبعد أداء الصلاة والعودة إلى المنزل كان لا بد من فطور خاص فيه كل أنواع حواضر البيت إضافة إلى البيض المسلوق أو المقلي وبعد الفطور يعودون للبس ثيابهم الجديدة ليستقبلوا المهنئين بالعيد والعادة أن يبقى كبير العائلة في المنزل ويأتي الآهل والجيران والأصدقاء للتهنئة وكانت الضيافة من الحلوى موجودة على الطاولة في غرفة الضيوف ويقوم أحد الشباب من الأبناء بتقديم المعمول وغيره ومعه فنجان قهوة ثم حبة شوكلاته وبعدها يغادرون المنزل إلى منزل آخر ولا يجلسون مدة طويلة بل يقومون عند انتهاء الواجب ويسيرون من منزل لآخر وتكبر الجماعة هكذا.
وكانت العادة عند المعانية أن يذهبوا مع شيخ الجامع إلى المقبرة لزيارة قبور موتاهم حسب الأصول الشرعية فيقفون عند أول المقبرة ويدعو الإمام لأصحاب القبور بالرحمة بعد قراءة الفاتحة ويحث الحاضرين على عمل الخير.
أما غير أهل معان من سكان المحطة وماركا الجنوبية فكانوا يذهبن مبكرين إلى المقابر ومعهم القهوة السادة وأنواع الحلوى ويستقبلون من يأتي ليترحم على ميتهم وكأنهم في سرادق العيد.. وكثيرون لا يصلون العيد بسبب الرغبة بالسرعة للوصول إلى المقبرة وكان لابد لنا من أداء الواجب إذا كنا في المقبرة فنذهب إليهم ونقرأ الفاتحة ونستضيف ما يقدمونه من القهوة السادة وأنواع الحلوى.
كذلك كان لكل مجموعة من سكان المحطة عادتهم في طعام الغداء في أول يوم عيد الفطر، فعند أهل الشام كانت «الفخدة والرز» أو «الإوزي», وعند أهل الخليل «الضلع المحشي»، وعند بقية الفلسطينيين المسخن, وعند غير القادر كان الرز واللبن, وعند وجيه العشيرة «المنسف»بالجميد.