الإحساسُ بالجمالِ .. جزءٌ من ثقافةِ المجتمعِ

الإحساسُ بالجمالِ .. جزءٌ من ثقافةِ المجتمعِ

تاريخ النشر : الخميس 12:00 10-7-2014
عدسة: اسامة العقاربة
عدسة: اسامة العقاربة

ابراهيم كشت

رغم أن الموسوعات والمراجع الفلسفية ، والكتب المتخصصة في علم الجمال ، وكذلك الدراسات التي تناولت مجالات الفن المختلفة ، تزخر بمحاولات بحث مفهوم الجمال ومعناه ودلالاته ، فقد آثرتُ أن ألجأ إلى عبارات أدبية لطيفة ومُعبّرةٍ ، قالها « جبران خليل جبران « في سعيه لتوضيح فهمه لمعنى الجمال ، وهي عبارات تفي ـ فيما أرى ـ بالغرض من ناحية ، وتلائم موضوع الجمال بمـا فيه من شاعرية وسمو من ناحية أخرى . يقول جبران ، موجهاً حديثه إلــى (إبنة الأحراج ورمز الطبيعة) التي زارته في خياله :
(( ما هذا الجمال ؟ فقد تباين الناس بتعريفه ومعرفته مثلما اختلفوا بتمجيده ومحبته . قالت : هو ما كان بنفسك جاذب إليه ، هو ما تراه وتودّ أن تعطى لا أن تأخذ ، هو ما شعرت عند ملقاه بأيدٍ ممدودة مـن أعماقك لضمّه إلى أعماقك ، هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة ، هو أُلفة بين الحزن والفرح ، هو ما تراه محجوباً وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتاً ، هو قوّة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي في ما وراء تخيلاتك .. )) .

 ننجذب لما هو جميل .. وننفر من القبيح :

تنطلق أهميّة التأمّل في موضوع الجمال والتَّفكُرِ فيه وبحثه من حقيقة أساسية ، وهي أنَّ لإحساسنا بالجميل والقبيح أثراً كبيراً في حياتنا وعلاقتنا بالآخرين وصلتنا بالأشياء والأحياء ، فثمة شعور بالحبِّ والانجذاب والبهجة يبعثه الشيء الجميل في نفوسنا ، يقابل ذلك إحساس بالنفور والكره والضيق يرسله الشيء القبيح فـي وجداننا ، وهل لأحدٍ أن ينكر ما للحب والكره من أثر في تحديد علاقاتنا بمن حولنا ، أو بما حولنا ؟
إذن ، فالإنسان بطبيعته يميلُ إلى الجميل وينجذب إليه ، ويَمقُتُ القبيح وينفِرُ منه ، والحبّ والكره أهم العواطف التي تحدد مواقفنا وسلوكاتنا نحو الأحياء والأفكار والجمادات 0 والمسألة المهمة هنا ، هي أن شعورنا بالجمال والقبح ـ أي ذوقنا ـ لا يخضع غالباً لقواعد عقلانيّة ، أو أحكام منطقية ، فهو إحساسٌ ذو جذورٍ منغرسَةٍ في أعماق اللاشعور ، أو منطلقة من خبرات قديمـة ، أو غرائز دفينة ، غير أننا نسعى بعد أن نتخذ الموقف الإيجابي من الجميل (أو الموقف السلبي مـن القبيح) إلى استغلال العقل في الدفاع عن هذا الموقف وتفسيره منطقياً ، والبحث عـن الأسباب العقلانية لتبريره ، وإضفاء صِبغَة النُّضج والرُّشد عليه ، في كثير من الإحيان .
ومما يُعزز صدق هذه الفكرة ، أن الجمال ، من حيث منطلق الشعور بـه ، غير ذي علاقة بمعاني الأخلاق أو الخير والشر أو النفع ، فنحن نحسُّ بجمال الأسد رغم أنه أشد الحيوانات افتراساً وفتكاً بالكائنات البريئة ، ونتذوق جمال زهرة نبتت في جبل رغم أنه لا نفع يرجى منها . وأنا أتحدّث هنا بطبيعة الحال عن منطلق الاحساس بالجمال ، أما الشعور ذاته بالجمال ، وتذوقه ، فهو يزكي النفس ، ويبعث فيها المحبة والإيجابية والمعاني السامية .
ورغم أن الفلاسفة يربطون الجمال بالحواس ، وبخاصة الحاستين اللتين يعتبرونهما الأرقى ، أي السَّمع والبصر ، فإني أرى أننا نشعر بنفس الإحساس الذي يبعثه فينا الجمال حين نقعُ على فكرة رائعة خرج بها حكيم أو مفكرٌ أو فيلسوف ، مما يشير إلى أن شعورنا بالجمال لا يرتبط بحواسنا فقط ، بل ثمة ذوق يخصُّ الأفكار والمعاني أيضاً ، وهو الذي يبعث في قلوبنا غبطة عند إدراكها ، ويشعرنا بالانجذاب إليها .

 الجمال نسبي .. لكن النسبية ليست مطلقة :

ليس ثمة شك في أن الجمال نسبيٌّ ، فالشكل الواحد أو الصوت الواحد لا يؤثر في الأشخاص تأثيراً واحداً ، وقد يحكم البعض بقبحه والبعض بجماله ، غير أن هذه النسبية ليست مطلقة ، فثمة أشياء أو أشكال قد يُجمِعُ معظم الناس على جمالها أو قبحها 0 ومما قد يفسّر نسبية الجمال هذه ، ولو جزئياً ، ارتباط ما نراه أو نسمعه أو نشمَّه أو نتذوقه أو نلمسهُ بخبرات لاشعورية ، كارتباط رائحة شخص مـــا برائحة الأم التي كان يشمُّها المرء حين كان رضيعاً ، أو ارتباط شكل شخص معين بحادث مـؤلم ، أو ارتباط صوتٍ ما بواقعة سعيدة ، وبمعنى آخر فإن ارتباط الأشكال والأصوات وسواها باللذة أو الألم في تجارب الإنسان ، التي قد يكون معظمها منسيّاً على المستوى الواعي ، مخزوناً موثّقاً على مستوى اللاوعي ، لها تأثير فاعل فيما قد يحسُّهُ الشخصُ جميلاً أو غير جميل 0

 الأُلفة .. تزيد احساسنا بالجمال أو تقلله :

يرتبط الإحساس بالجمال عادة بالأُلفة ارتباطاً مزدوجاً ، فقد يقل إدراكنا للجمال نتيجته أو يزيد ، فساكِنُ السهول الخُضْرِ قد لا يتأملها كل يوم متذوقاً جمالها لأنه أَلِفَ مشهدها ، أما من يزورها مرات قليلة فسوف يكون أكثر إحساساً بجمالها 0 كما قد يزيد إحساسنا بالجمال نتيجة الألفة أيضاً ، فالألوان (والموديلات) التي تكون منفِّرة في زمنٍ ما ، ما تلبث أن تغدو جميلة في النّظر بعد أن أصبحت مألوفة نتيجة وجود (موضة) جديدة أقرتّها ونَشرَتها 0 إضافة إلى أن الأُلفة تبعث على عدم إدراك القبيح والإحساس بـه ، فاتّساخ الجدران والعيوب في أثاث المنزل مثلاً ، يألفها أهل ذلك المنزل فـلا يأنفونها ، بينما يلاحظها ، وقد ينفر منها ، الزائر الذي يراها أول مرة ...

في الجمال بهجة وارتقاء ..

إذا أردنا أن نربط موضوع الجمال بالواقع والحياة ، فإن أهميته تتبلور في تنمية الإحساس به ، أي تذوقه ، وتذوق الجمال لا يقتصر أثره على ما يبعثُهُ فـي النفس من بهجة ومحبة وإقبال على الحياة ، لكنه يرتقي أيضاً بالمشاعر والأفكار والأحاديث والتّصرفات والمواقف ، ويجعلها أقربَ إلى معاني الحُبِّ والسّلام والهـدوء والتّهذيب ، كما يجعل المرء يمقتُ الفَظاظة والغِلظَةَ والعُنف والعدوان والصَّخب والفَوران والعصبيّة ، إنه يسمو بالروح حتى يجعلها تترفَّعُ على السفائف والصغائر ، ويبعث في القلب مشاعر الحنان والعطف والإحساس بالكائنات .
وعلى مستوى آخر واقعي ، فإن تذوق معاني الجمال والشعور بأهميته ، تبعثُ على الاهتمام بقيمة (الشَّكل) ، وهي قيمة كانت دائماً مدار بحث واختلاف بين المفكرين ، لكن يبدو أنه لا مناص في النتيجة من الاعتراف بقيمة الشّكل وأهميته ومدى تأثيره في الجوهر وتأثير الجوهر فيه ، فكم من معانٍ رفيعة لا تلقى اهتماماً حين تُعرض بأسلوب يعوزه الجمال ، وكم مـن مضامين عميقة لا يُلتفتُ إليها نتيجة طرحها فـي ثوب ينقصه الحُسن ، وكـم مـن أعمال جليلة تذهب هدراً حين لا تقدم بقالب جميل ، وبما أن للشكل علاقـة وثيقـة بالجمال ، وبالتالي بالتقبّل النفسي والانجذاب ، فهو (أي الشكل) إذن جزء مـن المضمون ، وليس نقيضاً ولا ضداً له .

 علاقة الجمال بالذوق :

الذوقُ في الأصل هو الحاسّة الموجودة في اللسان ، والتي يتم من خلالها التّعرف على الطَّعمِ وتمييزه . غير أنّ هذا اللفظ استُخدِمَ مجازاً ، وعلى نطاق واسع ، للدلالة على تلك القدرة على التمييز بين الحَسَنِ والقبيح في الأشياء والأشكال والأفكار والكلام والأدب والفن والسلوك ، وقد استُخدم لفظ (ذاقَ) في اللغة منذ القدم بمعنى (أَحسَّ) ، وقيل في مفهوم الذوق بوجه عام : إنّه حاسّة معنوية يصدر عنها إنبساط النفس أو انقباضها ، لدى النَّـظر في أَثر من آثار العاطفة أو الفكر (2) .
وموضوع الذوق مُهمٌّ ومؤثّـر في حياة الفرد والمجتمع ، لأنه يرتبط بالجمال والإحساس به وتقديره والتأثر به ، مع ما لهذا الأمر من انعكاس على الشّعور والسلوك . وإنـه مما يُعبِّر عن إيمان الناس بأهمية الذَّوق وأثره ، أنه يَسودُ في أحاديث عامة أفراد المجتمع وصف صاحب اللباقة والتهذيب في سلوكه بأنه يملك ذوقاً ، حيث تستخدم للتعبير عـــن ذلك عبارات عاميـــة مثل : (كُلَّكْ زوق) أو (هذا من زوقك) ، كما يوصف من يُعنى بجمال الأشياء وتنسيقها وترتيبها وتناسق ألوانها وأحجامها ومواضعها بأنه صاحب ذوق جميل ، ويقال في العامية : إنه (مِزْوِقْ) .

 الذوق الرفيع .. والذوق الوضيع :

مع أن الحكم على ذوق شخص ما في ناحية من النواحي بأنه ذوق رفيع أو ذوق وضيع مسألة نسبية ، فما قد يراه شخص ما ذوقاً راقياً ، قد يراه آخر متدنياً ، غير أنه ـ وكما ذكرنا قبل قليل ـ ليست هناك نسبيّةٌ مطلقةٌ ، فلا شك أن غالب الناس ممن أُوتوا القدرة على التفكير وصواب الرأي ، يحكُمون على من يثير الصوت العالي والجلبة والضجة والصخب بأنه ذو ذوقٍ مُتدنٍ ، بينما يحكُمون على الهادئ المؤدّب المهذّب اللبق بأنه ذو ذوق سامٍ ، تماماً كما يحكمون على الإعجاب بالفن الهابط والأدب الرَّكيك والفكر الضَّحلِ بأنه من قبيل تردّي الذوق ، ويحكمون على تقدير الفن الرفيع والأدب الراقي والفكر العميق بأنه يمثل قدرة عالية على التذوق ويشير إلى حسن الذوق .

 الاهتمام بالجمال كجزء من ثقافة المجتمع :

إن الانتباه للجمال ، والاحساس به ، وتذوقه ، وطلبه ، والنظر إليه كقيمة ، والسعي إليه ، والاهتمام بعلمه ، ومراعاة مقتضياته ، كل ذلك جزء من ثقافة المجتمع ، وهو جزء أَزعُمُ بأنه يغيب إلى حد كبير عـــن ثقافة مجتمعنا ، ومظاهر هذا الغياب متعددة ، منها المستوى المتدني من الاهتمام بالشعر والأدب والمسرح والرسم والموسيقى وشتى الفنون ، والمستوى المتدني من الاهتمام بالفكر والفلسفة والقراءة ، ومنها أيضاً مستوى ما تسمع وتشاهد من برامج هابطة في بعض وسائل الاعلام ، أو ما تراه في الشارع من عبوس في الوجوه ، وصخب وعدوان فـي الحديث ، وما تسمعه من زعيق أبواق السيارات الذي يحمل معنى (الشتيمة الآلية) ، وكل ذلك دليل على تـدني الاحساس بالجمال ، وغياب قيمته عن ثقافتنا ، إلى حدٍّ بعيد ، وهذا ما يُذكّرنا بمقولة الفيلسوف الألماني نيتشه (1844 ــ 1900) والتي جاء فيها : (( كل ما كان قبيحاً يضعف الإنسان ويقبض صدره ، إذ يذكره بالإنحطاط والخطر والوهن )) .

 وبعد :

ربما كان مناسباً أن أختم هذا الحديث عن الجمال ، بعبارات رائعة وعميقة المعنى للمفكر الجزائري المرحوم «مالك بن نبي» (1905 ــ 1973) وردت فـي كتابه (مشكلة الثقافة) ، ويقول فيها : (( لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل ، أو بالأفكار الكبيرة ، فإن لمنظرها القبيح فـي النفس خيالاً أقبح ، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة ، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره ، وأعماله ، ومساعيه )) .
 Facebook.com/Ibrahim.kasht

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }