محمد بشتاوي - «كانت اليمامة من بنات لُقْمان. ابن عاد، وأن اسمها عّنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء».
الجاحظ، كتاب «الحيوان»
قيل في المثل العربي القديم: «كلُّ أزبٍّ نفور»، وهذا لا ينطبق بكل الأحوال على ملكة تدمر «زنوبيا»، وإنما على «الزباء» صاحبة الأبرش، لا لشيءٍ، وإنما لأن لون عيونها زرق.. والعرب كانت تتطيَّرُ من الزرقاء، ورغم أن «الأزب» هو كثيف الشَّعر في «معاجم العربية»، إلا أن المصادر أشارت إلى «الزباء» ذات العيون الزرق، كما بيَّن الجاحظ في كتابهِ «الحيوان»، وبذلك يكون هنالك معنى مباشر (كثيف الشعر)، ومعنى تمَّ تأويله وفق سياق الفهم العربي القديم، هو التطيُّر من «الزرقاء. «
وفي الجاهلية قبل الإسلام، كان وأد البنات يأتي منعاً لعارٍ قد يلحقُ بذويها إن وقعت سبيَّةً في حرب، أو انحرفت، أو لأنها وُلدت بعاهةٍ، وثمة سبب رئيس آخر ذكرته المدونات التاريخية، هي أن تولدَ «زرقاء».
ويتناقل أهل الأخبار أن هناك من العرب من كان يتشاءم من البنت الزرقاء، وذكروا أن والد «سودة بنت زهرة» الكاهنة وهي عمة «وهب» والد «آمنة» أم الرسول صلى الله عليه وسلم، أرسل بها إلى «الحجون» لوأدها، للصفة المذكورة، ثم تركها في قصة يروونها، وصارت كاهنة شهيرة. فسبب الوأد عند هؤلاء، هو هذه العقيدة القائمة على التشاؤم من البنت الزرقاء والشيماء.
وبحسب ما ورد في «الروض الأنف» لأبو القاسم السهيلي، حول قصة وأد «سوداء بنت زهرة بن كلاب» فإنها حين وُلدت ورآها أبوها زرقاء شيماء أمر بوأدها، وكانوا يئدون من البنات ما كان على هذه الصفة، فأرسلها إلى الحجون لتُدفن هناك، فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول: «لا تئدن الصبية وخلِّها في البرية»، فالتفت فلم يرَ شيئا، فعاد لدفنها، فسمع الهاتف يهتف بسجع آخر في المعنى، فرجع إلى أبيها فأخبره بما سمع فقال: «إن لها لشأناً»، وتركها، فكانت كاهنة قريش.
بل إن المؤرخين القدامى اختلفوا حول «حدة بصر زرقاء اليمامة»، إذ طعن البعض به، وقال إنها كانت كاهنة، لتضاف بذلك إلى قائمة الزرقاوات لدى العرب ممن امتهَنّ الكهانة، كالزرقاء بنت زهير، وهند بنت الخس.
قال الجاحظ في كتابه «الحيوان»، حين أراد أن يعرّف اليمامة: «إنها كانت من بنات لُقْمان. ابن عاد، وإن اسمها عّنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء»، ويضيف في موضعٍ آخر: «ومن الزُّرق ممن كانوا يتشاءمون به: قيس بن زهير، وكان أزرق وكان بكراً وابن بِكْرين، وكانت البسوسُ زَرْقَاءَ وبكراً بنتَ بِكرين.. وكانت الزّبّاء زرقاء، والزرْق العيون، من بني قَيس بن ثعلبةَ، منهم المرقِّشان».
ولا ينسى المرء أن فك طلسم «حصن الحضر» الذي كان بداخله الملك الضيزن بن معاوية تم -بحسب الحكاية- بدم حيض جاريةٍ «زرقاء» كما تؤكد بعض المصادر، إذ يقول «الزركلي» إن النضيرة بنت الضيزن بن معاوية السليحي من بنات الملوك في الجاهلية. أبوها «الضيزن» وهو صاحب «الحضر» في الجزيرة الفراتية، قتله «سابور ذو الأكتاف» ملك الفرس. والرواة متفقون على أن «النضيرة» كانت سبب فشله ومقتله، وإلى ذلك أشار نشوان الحميري في قصيدته «الحائية» بقوله وهو يذكر الزباء:
«قتلت جذيمة، وهو خاطبها،
ولم تفعل كفعل «نضيرة» وسجاح».
قال شراح القصيدة: كان الضيزن قد ملك الجزيرة وكثيراً من الشام، وتتابعت غاراته على الفرس، فنهض إليه «سابور» ولجأ الضيزن إلى «الحضر» وحاصره «سابور» ثلاث سنين، وكان جميل الصورة، فرأته «النضيرة» فأحبته، وراسلته في أن تدله على ثغرة في الحصن، ويتزوجها، فوعدها، ودخل الحصن، وقتل أباها، وتزوجها، ثم قتلها في ما بعد.
وخلال تطرق «ابن كثير» لروايات عدة بشأنها، ذكر: «ويقال: بل دلّتهم على طلسم كان في الحضر، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم، فيفتح الباب، ففعل ذلك فانفتح الباب».
وذكر ابن شاهين في «الإشارات في علم العبارات» في تفسيره لرؤية المرأة في المنام قائلاً: «يعدّ اللون في ذلك، فإن كان أبيض أو أخضر فالمرأة صالحة، وإن كان أحمر أو أزرق فالمرأة سوء»، وينسحب اللون الأزرق –وفق تأويله للحُلم- على كل ما كان أزرق، فرؤية «خرقة زرقاء» أو «جلد أزرق» ندل على الحزن والمصيبة. وفي ضوء ذلك، ثمةَ استنتاج عام يتولَّد في التراث العربي القديم حيال «زرقة العين»: إنها فألٌ سيئ يعود على أهلهِ بالخراب.
العيون الزرقاء في الشعر
في الشعر.. يشير محمد جميل حطاب في كتابه «العيون في الشعر العربي»، إلى أن العرب عرفوا هذا اللون في عيون الجواري منذ عهد الجاهلية عن طريق قوافل التجار التي كانت تحمل الرقيق من بلاد فارس وغيرها، كما عرف العرب القدامى اللون الأزرق في عيون الغزاة الروم.. لذلك كره العرب هذا اللون واتهموا أصحاب العيون الزرق بالكذب واللؤم والشر.. فيقال في العدو: «هو أزرق العين» وإن لم تكن عينه زرقاء..
وفي ذم العيون الزرق قال ذو الرمة مهاجماً قوماً:
«زرق العيون إذا جاورتهم سرقوا
ما يسرق العبد أو نابأتهم كذبوا».
وقد قال صُحَارٌ العبديُّ حين قال له معاوية: «يا أزرق!»، قال: «البازيّ (جنس من السقور الصغيرة) أزرَق»، وأنشد:
«ولا عَيْبَ فيها غيرَ شُكْلَةِ عينِها
كذاك عِتاقُ الطيرِ شُكْلٌ عيونُها».
وهجا حماد بن عجرد البخلَ فقال:
«أروق بخير تؤمل للجزيل فما
ترجى الثمار إذا لم يورق العود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته
حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل
زرق العيون عليها أوجه سود».
ولمّا كان الاعتقاد العربي بهذا الشكل، فإن التمائم -ومنها الخرزة والعين الزرقاء- ما تزال إلى اليوم تُستخدم، و «التمائم» ومفردها «التميمة»، هي عوذة على هيئة قلادة تضم خرزاً، وقد تكون من خرزة واحدة تُستعمل للصبيان والنساء في الغالب اتقاء النفس والعين. فإذا كبر الطفل، انتُزعت التميمة منه، فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادة.
ولأن البشر تألف كل ما كان منها، فإن الحضارة الغربية مثلاً ترى في «زرقة العين»، صفة مثالية، إذ يذكر «ويل ديورانت» في موسوعته «قصة الحضارة» أوصاف المثالية في العصور الوسطى في أوروبا قائلاً: «كان الفارس المثالي طويلا، أشقر، ملتحيا، كما كانت المرأة المثالية في الملاحم والروايات نحيلة ممشوقة القوام، رشيقة، زرقاء العينين، ذات شعر طويل أشقر أو ذهبي».