سلوكيات تحترم

سلوكيات تحترم

الأخلاق الأساسية صفة موجوده عند كل الأمم، ومعيارية تقدم الأمة بمقدار التمسك بها، فالقضية ليست إطارا نظريا وإنما هي التزام سلوكي يترجم هذه الأخلاقيات إلى واقع معاش تراه وتحس بأثره صباح مساء في كل مفصل من مفاصل الحياة . والحضارة الصاعدة هي حضارة ناهضة بكل جوانبها لا يتأخر منها جزء عن آخر ، والذين يتحدثون عن الحضارة الغربية حديث النقائص الشاملة ، إنما يرون هذه الحضارة بمنظار يلبسونه على أعينهم كى لا يروا فضيلة تستحق الذكر وبالمقابل فإن الذين يتحدثون من الغرب عن الحضارة الأسلامية بنفس المنظار إنما يعمى عيونهم حقد دفين ، وثارات وعصبيات ولا تتناسب مع السلوكيات التى تراها في كثير من بلاد الغرب.تتجول في منطقة ريفية ، أو في منطقة حضرية ، الأساسيات متوافرة للجميع من صحة وتعليم ونظافة وخدمات مختلفة ، يدخل المريض إلى المستشفي فلا توجد ، أقسام للمحاسبة ، يأخذ دواؤه وإن لم يتوفر حالا ، فالمستشفي ملزم بتأمينه حتى البيت ، ومهما كانت أثمان الدواء ، لا توجد أصناف مغطاة وأخرى غير مغطاة ، وكبار السن الذين لا يستطيعون الحضور ، الممرضة تذهب اليهم وتمرضهم في بيوتهم ، طائرات الهليكوبتر تتحرك بأوامر من الطبيب لجلب حالة من منطقة بعيدة وتعيد الحالة إلى مكانها ، عشرات القضايا الطبية تقف احتراما لها لدولة تحرص على تعميق انتماء مواطنيها لبلدهم المدارس المجانية ، وباصات تابعة للبلدية ، تأخذ الطلاب من أماكنهم مع مرافقين وتعيدهم إلى اقرب نقطة لبيوتهم ، الملاعب النموذجية التى لا تتوفر لأرقى الأندية، وبرك السباحة برسوم شبه مجانية كل ذلك مع مدربين ، يجد الأطفال أوقاتا مفيدة يقضون بقية نهارهم فيها ، ناهيك على توفر حديقة الألعاب في كل حي سكني يتجمع فيه أفراد الحي من الأطفال وربما أهاليهم يتعارفون ، ولكن قبل مغيب الشمس بأكثر من ساعة لا تجد طفلا في الشارع ، ناهيك عن الكبار ، أو سيارات غير سكان الحي تشق المناطق السكنية قبيل الغروب يذكرني بأجواء رمضان عندنا ، عندما تخلو الشوارع من المارة ويسود الهدوء والسكون المريح للأعصاب جنبات الحي.يتعين محافظ للبنك المركزي البريطاني ، فيداوم في أول يوم ركوبا في الحافلات حتى يصل إلى عمله، وربما تسأل نعم فالحافلات منظمة ، وأوقاتها منضبطة، ونحيل الجواب إلى الباص السريع الذي نعاني من أثاره في المنطقة التى نسكنها.رواتب النواب لا تلامس ثلاثة آلاف جنية استرليني وعندما بدأ الحديث عن زيادة عشرة بالمائة ثارت ثائرة الناس وأقفل الموضوع .نشترى بعض الحاجيات من سوبر ماركت كبير ، فيرسل لك قائمة بالأسعار مقارنة مع مثيلاته من المولات الكبيرة ، فإن كان هناك فرق أرسل لك المبلغ عن طريق البريد ، وعندما لعبت هذه المولات بأسعار الحليب كانت الغرامة على واحد منها مبلغ مائتان وستون مليون جنيه استرليني.رأيت بجوار منزل أن غرابا يقوم بنبش أكياس الفضلات، ودونما طلب قامت الجارة بتجميع كل ما قام الغراب بنبشه في الشارع ووضعته في كيس وارجعته إلى مكانه ، تذكرنا بحقوق الجار التى نقول عنها كمسلمين(ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورًّثه) والحرب التى تنشأ بيننا على الحاويات وكيف نضع فيها الأكياس وأين نضعها ، أمر يجعلنا نخجل من انفسنا نحن أصحاب القيم الربانية والحضارة الإنسانية.ما تسمعه في التلفزيون وتراه من دماء وسفك ومذابح وتدخلات وانقلابات، هي عن أخبار الشرق الأوسط، هنا الطقس محور حديث، تناقص الجريمة، حقوق المواطن، الصحة، التعليم، الخدمات، السياسة بمفهومها الذي يتكرس بعمق في واقع تجاوز طرح الشعارات إلى التطبيق.لا تسمع منبه سيارة، غريب، المارة يتقيدون بالشارع والتقاطع، لا يمكن أن تقف لتمر سيارة قادمة الاّ يحييك شاكراً، ويتنافس الأشخاص من يقدم الخدمة للآخر لا يقفون في منتصف الشارع ، كل يصر على أن يرجع الذي أمامه ويتطور الأمر إلى مشكلة وربما يؤدي إلى حادثة قتل أو دماء.نحن الذين علمنا العالم أخلاق الحرب وأخلاق السلم ، أصحاب الحضارة السابقة إلى اعلاء قيمة الإنسان والحيوان والنبات، بحاجة اليوم إلى وقفات جديدة لممارسات سلوكية متحضرة على مستوى الفرد والجماعة والدولة ، في كل مناحي حياتنا إذا اردنا أن ننهض من جديد.Drfaiez@hotmail.com