سهير شكري - في مجموعته «مرايا الليل» يتجول القاص سمير الشريف في المجتمع وهو يحمل فوق كتفه كاميرا شديدة الحساسية تسجل دقائق المشهد ليخترق الستائر ويصل إلى عورات المجتمع بقلمه الذي يسجل المفارقات الصارخة، فنتبين أن كثيرا من الناس أصيبوا بانفصال بين فكرهم وسلوكهم، وأن الموضوع أصبح مكّملة لأفكار سامية وكلمات ثورية.
لكن الأفعال منحطة والسلوكات غير وطنية وغير ثورية، مثل مسئول البيئة الذي يتكلم بإسهاب عن أهمية الحفاظ على البيئة بينما في الكادر نفسه ثمة بجواره أكوام من الزبالة، وهذه لغة الكاميرا.
وهناك الرجل الذي يتكلم عن الكفاءة المهنية بينما هو يدس في يد صبي الكراج بعض النقود ليولي اهتماما أكبر بسيارته. وهكذا تتوالى لحظات القاص أو لقطاته بمفارقات صارخة وواضحة تسجلها كاميرا ذكية فاحصة، فتأتينا المفارقة أو اللحظة بتكثيف شديد ومعنى واضح ككبسولةٍ تحتوي على الكثير من المرامي والإيحاءات رغم صغرها ودقتها.
ينتقل القاص بنا إلى محطات في نص لا يتعدى خمسة سطور، لكنه يصور بدقة ما بعد الانفجار والحروب والدمار بشكل درامي يدل على تمكن القاص من أدواته وتوظيفها في عبارات نافذه كطلقات الرصاص.
تأتي محطات الشريف موجزة إيجازاً شديداً ومع ذلك واضحة الرؤية، وتبدو الفكرة شاملة لكل الأحاسيس والمشاعر الداخلية والخارجية.
فهل يقف بنا القاص في محطاتٍ لانتظار وصول قطار نستقله ليصل بنا إلى الاتجاه الصحيح؟
إنه يرصد حالات إنسانية خمس في لقطات مأساوية ودرامية، فلا تلبث أن تصعد لاهثاً إلى قمة الحدث، ثم تجد نفسك وقد هبطت على صخرة التعجب أو الصدمة مستخدماً الصمت والنقاط والفراغات التي يقدّر القاص فيها ذكاء القارئ، فيترك له فرصة تخيل المشهد وتمثله مترفعاً عن الهبوط في استخدام ألفاظ خارجة أو خادشة. يقول السارد في إحدى الحالات:
«حمّلونا أعلاماً...
احمرت وجوهنا تحت لهيب الحارقة..
فقد رفيقنا وعيه...
أُمرنا بالانتظار..
زعيق، هرولة وهراوات...
سيارة بنوافذ سوداء مرت كالبرق وخلفتنا والهين».
كانت هذه النقاط بمثابة تتبع لتنفس القارئ صعوداً وهبوطاً، وهي تصور الحالة الجسمانية والنفسية التي تعتري مَن يُعَبّأ من الشعب بلا رحمة ليلهثوا خلف مسؤول يبرق أمامهم للحظة تحت لهيب الشمس والسياط والهراوات حتى يسقط أحدهم في الزحام.
وفي عبارة «ألبسونا ثياباً جديدة» إشارةٌ إلى إخفاء الحقيقة عن الحاكم.
هي نصوص مختصرة موجزة مكثفة تجيء كإسقاطات واقعية على واقع معاش، فيجيء نص «براءة» ليثبت براعة الشريف في إشراك القارئ بكتابة نصه، احتراماً لثقافة القارئ وأحاسيسه. هذا النص المدهش صوّر حياة بائعة هوى من دون أي لفظ فاحش أو خارج:
«سألت الطفلة أمها:
- أين أبي؟
- ........
- لماذا لا يأتي مع الرجال الذين يزوروننا كل ليلة؟
- .....
- ألم تقولي إن أبي سيعود قريباً؟
- ...
- أمي.. لماذا لا تردين؟!!
- ...
- لا غضبي يا أمي... سأذهب إلى الدكان البعيد وأشتري لهم علب السجائر».
يلاحَظ غياب الأم في الحوار ووضع نقاط بدلاً من كلامها، وأن الحوار جاء على لسان الطفلة البريئة التي تبحث عن شيء لا تفهمه ولا تدركه.
جاءت السكتات والسكنات والوقفات مملوءه بالشجن والانفعال، كعلامة «S»، وهي السكتة في الموسيقى التي تهيئ المستمع لما هو آت، أو لإلقاء ضوء على التالي لإبرازه والتأكيد عليه، فتأتي القصة كمعزوفة أو سيمفونية، لذا نكاد نسمع في الوقفات واللقطات والمحطات أصواتاً تتفاعل في بوتقة الخلق لتصبح طاقة من الانفعال الذي يحدد لنا بدوره إيقاعاً ونغماً، وذلك هو فن القص.
في نص «المراجعة» نظرة عميقة تسجل هروب الإنسان من ماضيه والانسلاخ من طبقته ودهس كل من يقف عقبة في وصوله مادياً ومعنوياً. وفي نص «متهم» تتبدى المأساة التي ما زالت المجتمعات السلطوية والاستبدادية تعاني منها، والتي تتمثل في التعذيب داخل السجون والمعتقلات والملاحقة الأمنية والإعلامية للأبرياء لمجرد رفضهم الظلم، واغتيالهم ودفنهم أحياء في حياة لم يستطيعوا أن يعيشوها بشكل إنساني، إلى درجة أن القاص يصور الخروج من الدنيا بوصفه انطلاقاً لحياة أكثر رحابة ورحمة:
«سرت في روحه قشعريرة.. صليل حديد الباب ناح إيذاناً بالفرج».. من دون صراخ أو عويل، أصاب القاص الهدف وجعلنا نعيش الحدث ونراه بكل أبعاده في إيجاز يتقنه ويقننه.
ثم يكتب تسع «توقيعات»، فتجيء بالشفاه لا بالقلم لكي يسجل اعترافات أصحابها بحيث لا يمكنهم الفرار منها.
الإنسان الآهة، الإنسان النملة، الإنسان العنكبوت، الإنسان الغصن الذي يعبّر عن فرحته بالاهتزاز كالغصن، الإنسان المخادع الذي يقول بلسانه ما ليس في قلبه.. وكأن الشريف يحصل بهذه التوقيعات على إقرارات من المتهمين بذنوبهم ليتمكن من ملاحقتهم ومحاسبتهم أمام أنفسهم وأمام التاريخ.
وهو يذكّرنا هنا بقصيدة صلاح عبد الصبور التي سجلت حواراً بين بشْر الحافي والشيخ بسام الدين عندما نزل السوق ليبحث عن الإنسان فوجد الإنسانَ الأفعى، والإنسانَ الثعلب، والإنسان الكركي، والإنسان الفهد، والإنسان الكلب..
وفي نهاية القصيدة يقول: «الإنسان الإنسان/ عبر من أعوام/ ومضى/ لم يعرفه بشر/ حفر الحصباء/ ونام/ وتغطى بالآلام».
هذه المجموعة تؤشر على انهماك الكاتب بالهموم، بحيث تجعله لا يحس بثقل الكاميرا على كتفه طوال جولته المنهكة في الجنبات المظلمة والمتفسخة للمجتمع.
إذ يرصد المشاهد المؤلمة ولا يترك عورة من عورات المجتمع إلا ويدينها. لقد رصد زيف الصحافة لدرجة أننا نعرف أخبارنا المحلية من الصحافة العالمية.. والسخرية اللاذعة في إعلان القدس عاصمة الثقافة العربية تكشف عن صرخة مكتومة تشرخ القلب، فيها استفزاز للمشاعر جعلته يحول المؤشر ويبصق على شاشة التلفزيون. كما يتعرض لقضية وضع الرجل غير المناسب في أماكن حيوية ومهمة بنيّة إفساد المجتمع وإسقاطه وتحطيم كفاءاته، ثم ينهي الشريف هذه المجموعة بقصة «عبقرية» قصيرة جداً تقول: «ظللنا نقول إن الأشجار المثمرة تُرمى بالحجارة.. اليوم في المظاهرات تُرمى الكلاب بالحجارة». وهو بهذا يجعل من الفكرة البسيطة التي تحت أعيننا طوال الوقت أو المشهد العابر الذي يمر علينا من دون التفات، حدثاً مثيراً مؤثراً.
وفي «طنين» استطاع القاص تصوير الضغط الساحق على الإنسان الذي يلقي به في «الجحيم» كي يوفر نصف دينار من أجل ربطة خبز: «إما أن يقذف بنفسه في الحافلة أو يسير على قدميه في مدينة مزدحمة تتناوب على موجات البرد اللاسع أو جمر ملتهب في شوارع حبلى بسيارات لا عدد لها».
وفي نص «نصف شنب» تَظهر قمة السخرية اللاذعة من كذب الإعلام الذي يعمل كبوق للسلطة ويعبئ الناس للحرب بينما هو لن يحارب: «نظر إلى نفسه من جديد.. غسلته موجة ارتياح.. هو لا يستحق هذا الشارب قانعاً بنصف رجولة على تحمُّل تأنيب الضمير.. لملم شعيرات شاربه. فكر أين يذهب بها! هل يرسلها بالبريد المضمون للقائد العام أم لمدير الإذاعة؟».
وفي قصة «توبة» يرحل القاص معنا داخل النفس التي تنتظر بزوغ خيوط الشمس.. إنها رحلة نفسية باقتدار. أما قصة «أرزاق» فتصور الصعوبة التي تواجهها رحلة وصول رغيف العيش إلى الفم.
قصص «مرايا الليل» تعبّر عن هَمّ عام أصاب الوطن الكبير، لذا لم يخصص القاص مكاناً أو زماناً بعينه، ولم يمنح شخصيات قصصه أسماءً، وذلك في إشارة إلى استمرار الهم والألم العام، فجاءت المجموعة لتتناول الفقد والإحساس بالغربة رغم محاولات التمسك بالكرامة والجرأة وعزة النفس.
وثمة نبرة السخرية اللاذعة من المتناقضات الصارخة بين أقوال المسؤولين وأفعالهم. وهناك الإحباط من كثرة الوعود وعدم الوفاء بأي منها.
رغم الاختصار الشديد، أوصل لنا الشريف المعنى المراد من قصصه بإتقان وحرفية، ولم يقع في الغموض. وكانت لغته طيعة، دليلاً على إتقانه لأدواته واستخدامها من دون تفريط في شاعريتها وعلوها، وحرصه على عدم سقوط حروفه وكلماته في ألفاظ خارجة أو خادشة.
كما أنه وظف سكناته ونقاطه توظيفاً مدهشاً وألمعياً، دليلَ احترامه للقارئ، وجعل منها أصواتاً مملوئة بالشجن والانفعال تتفاعل وتكمل بوتقة الصراع ليصبح طاقة من الانفعال الذي يقدم لنا بدوره إيقاعاً ونغماً.
* ناقدة مصرية