هل يعقل، أن تعيث الموساد فساداً في الأرض دون أن يتمكن أحد من ردعها، أو إيقافها عند حدّها؟ وهل يعقل، أن تنتفخ إسرائيل حتى تصبح «بعبعاً» أو «غولاً» يجب تحاشيه، بل والامتثال لرغباته، حتى أصبح كل رؤساء الاستكبار الدولي، ابتداء من إدارات البيت الأبيض المتعاقبة، ومروراً بسكّان عشرة داووغ ستريت، أصبحوا كلهم «كتبة استدعاءات» على أبواب الكنيست وأمام مكاتب مديري الموساد؟ كل علماء العلاقات الدولية، وكل المنشغلين في علم التوازن الدولي، يقولون إن الدولة «القويّة»، هي تلك الدولة المحاطة بمجموعة من الدول الضعيفة؛ فهل انهارت قوى العالم، وخارت قوانا، نحن في العالم العربي، فلم نعد، فعلاً، قادرين على كبح جماح هذا الثور الهائج الذي اسمه إسرائيل؟ قبل شهر امتدت يد الموساد، وبكل اقتدار، لتغتال أحد قادة حماس في دبي، أي في بلد ليس له شراسة، ولا يملك سجلاً في الإساءة إلى أحد. بلد عروبي، ولا يسلك فجاج العدوان على الآخرين. إلى هذا البلد الساكن والهادئ ترسل الموساد أحد عشر مجرماً ليقوموا بأدوار مرسومة على المسطرة والفرجار لتتبع المبحوح وتغتاله نهاراً جهاراً.
وقامت الدنيا على الموساد في بريطانيا وإيرلندا وستلحقها دول أخرى اعتدت عليها الموساد بصورة غير مباشرة، إذ أسقطت عملية الموساد الحماية والأمان عن رعايا هاتين الدولتين، الأمر الذي حدا بوزيري خارجية البلدين لأن يُعربا، وبكل صراحة ووضوح، عن غضبهما لما قامت به الموساد من استخدام غير شريف لجوازات سفر لعدد من البريطانيين والإيرلنديين، وتوعد الوزيران أن الأمر لن يمر هكذا! وبالرغم من هذه العاصفة، فإن الموساد ستظل سادرة في غيّها، وستظل ترتكب الجريمة تلو الأخرى، دون أن تلتفت إلى أحد، لأنها أصبحت من القوة والاقتدار وأصبحنا من الضعف، ما يجعلها تتصرف بكل وحشيّة، دون أن يردعها أحد.
عام 1997 حاولت قتل خالد مشعل في عمان، ولولا الموقف الحازم والقاسي الذي وقفه جلالة الملك حسين طيّب الله ثراه، إذ وضع معاهدة السلام مع إسرائيل في كفّة، وحياة خالد مشعل في كفّة، في رسالة شرسة أرسلها إلى نيتنياهو الذي كان رئيساً للوزراء في إسرائيل انذاك، لكان خالد مشعل الآن في عداد ضحايا الموساد. وفي شباط 2008 قتلت الموساد عماد مغنية في دمشق، وفي أيلول 2007 قصفت، بالترتيب مع سلاح الجو الإسرائيلي، ما قيل يومها إنه موقع نووي. وفي كانون الأوّل شنت إسرائيل بقيادة الموساد غارة جوية على قافلة بالقرب من بور سودان قالت إنها تحمل أسلحة لحماس. وفي كانون الثاني 2010 لم يُبرئ أحد الموساد من قتل العالم النووي الإيراني مسعود محمدي في طهران.
بعد كل هذا هل يعقل أن لا توجد قوّة على الأرض تقف أمام هذا الطغيان غير المسبوق في العصور الحديثة أو حتى القديمة، حتى عندما كان المغول والتتار والكفرة والزنادقة والقراصنة يجوبون اليابسة والماء فلا يجدون أمامهم أحداً إلا وقتلوه؟ لقد طالت يد الموساد ليس لأنها أذكى من غيرها، ولكن لأنها «متدنية» أكثر من غيرها، ولأنها «مجرمة» أكثر من غيرها.
لقد حان الوقت لقطع هذه اليد ولإيقاف هذا الثور الهائج عند حدّه.