سامح المحاريق ..
العرب واستئناف مسيرة حضارية مؤثرة
دور المنطق العربي في تطوير المنطق المعاصر
يعيش المنطق حالة بائسة في حياتنا العربية المعاصرة، فمن ناحية يجثم تجاهل أكاديمي يكاد يصل إلى التعمد والتقصد من أجل إحكام ذهنية التسطيح والاحتفاظ بمسافة كبيرة تحول بين الباحثين العرب والوصول إلى العمق ومقاربة الحقيقة أو على الأقل الجانب المعقول منها، ومن ناحية أخرى، في الحياة اليومية، حيث يسحق الاستسلام للموروث والمنقول أي قدرة على الإبداع والخروج من الحلقات المغلقة للأفكار السائدة وهيمنتها على الفرد، وكأنه يخشى التفكير أو الابتعاد عن المسلمات التي جرى تلقينه إياها عبر منظومة من الفكر الموجه المدعوم بآلية من الأداء التلقيني الذي يسور نفسه مرة بإدعاء القداسة، ومرة أخرى بارتداء الضرورة، ومرات كثيرة بالتقاليد والعادات والأعراف، وحتى المناهج الدراسية التي وضعت أساسا لدراسة المنطق، أتت في أغلبيتها جافة وشكلية إلى أبعد الحدود، فلم يتكبد أحد العناء في وضع المناهج الدراسية للمنطق في إطار قريب من الواقع، وربط الأمثلة التي جعلت المنطق في العالم العربي مجرد تعبيرات رياضية ورمزية بما يجري في الحياة، وكأن المنطق في نسخته العربية، الحديثة، لا يختلف كثيرا عن الكلمات المتقاطعة، وليس أحد الضرورات من أجل إحداث إصلاح فكري وعلمي ضروري ومرتقب، ولا مناص عنه.
المنطق العربي القديم تفوق كثيرا على هذه الحالة، ولعل المنطق كان أحد العلوم التي رفدت النهضة العربية في العصور الوسطى، والمفارقة، أن العرب أنفسهم بدأوا اسهامهم المنطقي من مجال تطبيقي للغاية، ومرتبط مع الواقع بصورة جذرية، وهو المجال الفقهي، فتأسيس العلوم الشرعية في الإسلام ارتبط ببنية منطقية متماسكة، استطاعت أن تتعامل مع المقدمات التي تستقى من الكتاب والسنة، لتصنع من خلالها استنتاجات فاعلة حيال كل قضية شرعية تطرأ على المجتمع الإسلامي بناء على تقدم الحياة وشروطها، وكان العقل والنقل يتعايشان في تكامل وبصورة ايجابية، فالمنطق ليس من دوره المناقشة في المقدمات نفسها، ولكن ذلك دور العلم والفلسفة، وإنما دوره هو المحافظة على اتساق الفكر، أو المنظومة الفكرية، بحيث يمكن للباحث أو العالم، أو الدارس، أو المشرع، أو الفقيه، أن يتوصل إلى نتائج صحيحة بناء على معايير المنطق نفسه، لا تشتمل على التناقض، ولا توقع الإنسان في الخطأ، وتجعله في حصانة من التضليل والاشتباه في عملية التفكير ونتائجها، وبالتالي، فإنه يبقى بعيدا عن الاضطراب والتشوش الذي يرافق أشكال التفكير غير المنطقية، ويجعله بعيدا عن الاستغلال الذي يقع نتيجة المغالطات المنطقية التي ترتكبها المؤسسات والأفراد من حوله، وذلك لجعله يتحول من إنسان مفكر يكتسب مجالا من الاستقلالية، إلى مجرد أداة لتنفيذ رغائبية السلطة أو المؤسسة التي ترغب وتسعى إلى إخضاعه وتحويله إلى مجرد رقم ضمن قوامها الذي يتوجه إلى مصالحها وليس بالضرورة إلى مصالحه هو.
إن أكثر تعريفات المنطق اكتمالا، وقدرة على الصمود تاريخيا، ومع تطور أشكال المنطق، وأدواته، ونظرياته، هو التعريف الذي قدمه الفيلسوف الكبير في تاريخ الحضارة الإسلامية ابن سينا، حينما تعرض إلى المنطق على أساس أنه الآلة التي تعصم العقل من الزلل أو الخطأ، والدور الذي يمكن نسبته للمنطق العربي يتجاوز مجرد الإلمام بتعريف وظيفي للمنطق يوضح أهميته أكثر من التعريفات التي قدمتها الحلقات العلمية المتخصصة في المنطق في أوروبا في العصور الحديثة، وخاصة في مطلع القرن العشرين، وإنما في الوصول إلى أشكال منطقية لم يتمكن العلم المنطقي من تأطيرها سوى في مرحلة متأخرة كانت على أعتاب ثورة المنطق التي أدت في النهاية إلى الثورة الراهنة في مجال علوم الكمبيوتر الذي يعتبر منجزا مرتبطا بقوة بالتقدم المنطقي، فالمنطق الثلاثي القيم الذي خرج بالمنطق من ثنائية الصواب والمغالطة، كان متواجدا لدى المسلمين في العصور المبكرة، عندما خرجوا في مجهودهم الفقهي بمقولة الترجيح، التي كان يمكن تطويرها وتوظيفها في علوم أخرى، إلا أن الغرب هو الذي جنى ثمار هذه الفكرة عندما تعرض لميكانيكا الكم وغيرها من فروع الفيزياء الحديثة، بينما جرى تهشيم وتحطيم المنجزات المنطقية على يد السلطة في العالم العربي في عصور الانحطاط على أساس أنه يؤدي إلى التشكيك في العقيدة، وهو الأمر الذي يشتمل على تضليل كبير، فالمنطق هو أداة للفكر وليس أداة للبحث، وليس المنطقي معنيا باختبار المقدمات التي بين يديه، وإنما ذلك دور العلم والفلسفة، إلى حد ما، ولكن سلب المنطق من العلوم الشرعية أدى أيضا إلى إضعافها وتوهينها بالصورة التي عجزت فيها عن مسايرة العصر.
يقدم هذا الكتاب العديد من التأثيرات التي انتقلت من المنطق العربي الكلاسيكي إلى المنطق الحديث، ويوضح دور العرب في تطوير المنطق المنقول من الإغريق والبحث في القضايا المنطقية المختلفة للوصول إلى صياغات جديدة مكنتهم من التقدم بثورتهم العلمية في العصور الوسطى، وإن يكن الكتاب يعالج مجموعة من القضايا المنطقية بلغة تحتاج إلى بعض من التمرس والدراية بالمنطق، وهو الأمر الذي لا يتوفر لدى القراء في أكثر من دولة عربية اعتمدت في مناهجها الدراسية على تنحية المنطق، أو حذفه كلية، فإنه يعتبر وثيقة مهمة في توضيح أثر المنطق العربي ودوره في تحقيق النهضة العربية في العصور القديمة، ومساهمته في تطور المنطق الحديث، وهو الأمر الذي لا يجب أن يؤخذ على سبيل التفاخر كما يحذر المؤلف محمد مرسلي، وإنما يجب أن يكون حافزا لاستئناف الاهتمام بالمنطق والعناية به من قبل وارثي هذه الحضارة العربية، خاصة لما يكتسبه المنطق من أهمية في اللحاق بمجموعة من العلوم الحديثة سواء الطبيعية أو الإنسانية، وتمكين العرب من الانتقال من الاستهلاك إلى الانتاج المعرفي، وجعلهم يحضرون من جديد، بما يليق بهم من احترام واكتراث على ساحات البحث العلمي في العالم المعاصر، بدلا من إعادة اختراع العجلة الذي تشهده كثير من الدراسات العربية المعاصرة في جميع المجالات.
ساق البامبو
غضب الكثير من الروائيين المكرسين الذين عادة ما يحظون بلقب الروائي الكبير من اختيارات القائمة القصيرة لجوائز البوكر العربية، وبدأت حملة من التشكيك في الجائزة وفي لجنة التحكيم، وإن يكن بعض من التحفظات صحيحا، ولا يمكن إنكاره، ولكن ذلك لا يستثني أي جائزة أدبية في العالم، بما فيها جائزة نوبل، إلا أن سبب الغضب الرئيسي هو الانحياز الذي أبدته اللجنة للأعمال التي يمكن وصفها بالتجديدية والخروج عن مألوف الرواية العربية سواء في شكله أو مضمونه، وهذه الرواية التي يقدمها الروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي تعتبر نموذجا لهذه النوعية من الأعمال، فالرواية توقع قارئها في الالتباس بمجرد أن يشرع في قراءتها، وحتى قبل أن يقرأ سطرا واحدا، حتى يشعر للوهلة الأولى، أن ثمة خطأ قد حدث في المطبعة، فوضعت الغلاف لرواية أخرى تماما، ولكن ذلك يتلاشى مع البدء في القراءة، فالرواية تقدم شخصية أخرى هي التي تتولى السرد بالنيابة، وكأن الروائي لم يفعل شيئا سوى أن يقدم المخطوطة ويرتبها للقارئ، وهذه لعبة ليست جديدة، ويمكن أنها أيضا، قريبة من اللعبة التي قدمها يوسف زيدان في عزازيل، وتشيع في الرواية الغربية أيضا، حيث يتملص يحاول الروائي أن يظهر نفسه في صورة سلبية تدعي الموضوعية تجاه شخصياته وحياته، ليعطيهم بعضا من الحرية المدروسة داخل بنية روايته.
الرواية تتوزع بين الفلبين، وهي بذلك تقترب من عالم غير مطروق للروائيين العرب، وبين الكويت، فالخادمة الفلبينية التي أتت من بيئة متواضعة في بلادها، تعود بثمرة زواجها الشاب الكويتي إلى الفلبين ليعيش حياة عشوائية في شروطها الاقتصادية والاجتماعية، وتتوزع هويته بين أصوله العربية وواقعه في الفلبين، وبعد محاولته العودة إلى الكويت يواجه بالإنكار من ذويه، ويبقى لفترة على هامش الحياة في الكويت التي ينتقد الكاتب تمسكها بتقاليد اجتماعية صارمة تجعله على هامش عائلته الأصلية، الأمر الذي يدفعه في النهاية ليعود إلى الفلبين حيث يستكمل حياته ويحمل معه تجربته المجهضة في الانتماء لعالمه الأصلي، ليتقبل اغترابه بوصفه قدره الذي لا مناص منه، فالمسافة بين شطري هويته يجعل من المستحيل تجاوزه في ظل ظروف من التي تحكم مجتمعه الكويتي من تمسك بمظاهر الهيبة الاجتماعية والمكانة التي تجعل ذويه يتجاهلون وجوده في سبيل صيانتها مهما تكن هشة من الداخل.
معجم التنوير
الثورة المضادة
Counter Revolution
عادة ما تفشل الثورات من الإطاحة بالنظام القائم بأكمله، وتتوقف معظم الثورات عن تغيير رأس النظام السابق، أو الجزء الظاهري منه، دون أن تمتد إلى الأجهزة البيروقراطية التي تشكل بنية ذلك النظام، وتعتبر ذراعه التنفيذي، أو أنها تخوض حربا شاملة على جميع مظاهر النظام لا تتوخى فيها تحقيق العدالة وإنما تسعى لتحقيق غرض الانتقام من النظام السابق، وفي الحالتين، فإن الثورة تواجه ثورة مضادة تأتي من خلال العمل على القضاء على الثورة بصورة مباشرة، مثل تدخل الأجهزة البيروقراطية ومنها الجيش للمحافظة على النظام القديم، أو من خلال ظهور استياء شعبي كبير من الثورة الجديدة وممارستها، وخروجها عن المعقول والمقبول في ممارستها الانتقامية، بحيث يصبح ذلك وسيلة لتوتير المجتمع، وهدم الدولة، وليس إعادة بنائها، ومن أمثلة الثورات المضادة، العودة إلى الملكية في فرنسا، بعد عصر الإرهاب وعصر نابليون، الذين مثلا أخطاء من الثورة الفرنسية وخرجا بها عن مضمونها، حيث أديا في النهاية إلى القضاء على جزء كبير من إمكانيات وقدرات فرنسا، وإن تكن الثورة المضادة ضرورية وكامنة مقابل أي ثورة جديدة، إلا أن نجاحها وتأثيرها يتوقف على قدرة الثورة على العودة بالمجتمع إلى الاستقرار، بينما تتزايد فرص نجاح الثورة المضادة مع فشل الثورة في تحقيق أهدافها ووعودها للمجتمع والمواطنين.
يمكن أن تعتبر الثورة المضادة جزءا من المقاومة الطبيعية للنظام القديم، يستغل من خلالها شبكة نفوذه في مختلف المستويات للقضاء على الثورة، وإعادة إنتاج نفسه في صورة جديدة، ويمكن النظر إلى اجراءات وتدابير الجنرال فرانكو في أسبانيا ومواجهته للثوار الجمهوريين كنموذج للثورة المضادة التي تمكنت من إعادة إنتاج النظام القديم، ويمكن أن تعتبر أيضا حركة تصحيحية تقوم بوضع الثورة على المسار الصحيح، فتوصف وفقا لهذا المنطق، ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، كثورة مضادة على ثورة فبراير، مع أنها كانت تقاسم ثورة فبراير في معظم أهدافها، ولكن تختلف معها جذريا في رؤيتها للكيفيات التي تتحقق من خلالها هذه الأهداف.
ثورة يوليو
Egyptian Revolution
على الرغم من أن العديد من المراجعات التاريخية الجادة تعتبر ثورة 23 يوليو 1952 مجرد إنقلاب عسكري على الملك فاروق آخر حكام مصر من أسرة محمد علي، إلا أنه جرى اعتبارها في الأدبيات الشعبية ثورة نتيجة ثلاثة عوامل أساسية، فأولا: توجهت الحركة المباركة التي كانت الاسم الأول لعملية تنحية الملك فارق عن عرشه، لتدعي لنفسها تسمية الثورة وذلك من خلال استغلال الإعلام والصحافة لتصبغ عليها الاسم، ورفعها لشعارات لاقت قبولا شعبيا، مع أنها شعارات كانت في معظمها تمثل مطالب الحركة الوطنية المصرية ومن ضمنها حزب الوفد الذي كان يمثل تقليديا معظم طوائف الشعب المصري، وثانيا، لأن هذه الثورة اعتبرت مركزية في دعم حركات التحرر العربي من الاستعمار، وقامت بمحاولة تصدير الثورة إلى العديد من الدول العربية، وثالثا، لأنها عملت في السنوات الأولى على محاولة لتغيير الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المصري بصورة تختلف جذريا عن الوضع الذي كانت عليه الظروف إبان حكم أسرة محمد علي.
يمكن تقسيم الثورة المصرية إلى مرحلتين، الأولى، هي الانقلاب وتنحية الملك فاروق، وذلك بحجة محاربة الفساد والتواطؤ مع الاستعمار، وهو ما تحقق في الأيام الأولى للثورة، وكان يفترض أن ينسحب القادة العسكريون الذين قاموا بالثورة ويفسحوا المجال إلى حياة ديمقراطية كانت قائمة أصلا قبل الثورة، إلا أن ذلك لم يحدث، ودخلت الثورة في المرحلة الثانية التي مثلت تطبيق المشروع الناصري الذي بدأ بعد تفرد جمال عبد الناصر بالسلطة، وإزاحته لمحمد نجيب الذي كان القائد الرسمي للثورة وأول رئيس للجمهورية بعد الثورة.
بقي نظام ثورة يوليو مسيطرا على مصر طيلة الفترة الممتدة من سنة 1952 لغاية سنة 2011، لتعتبر ثورة يناير مفتتحا لعصر جديد ينهي حكم النخبة العسكرية لمصر.
الثيوقراطية Theocracy
اعتماد السلطة السياسية على خلفية دينية تستقي منها شرعيتها في الحكم، وعادة لا يتم الحكم من خلال رجال الدين، وإنما في إطار توافق بين رجال الدين والسلطة السياسية، ويعتبر الحاكم صاحب حق إلهي في الحكم، أو ظلا لله على الأرض كما جرت المقولات في العصور القديمة والوسطى، ويمكن اعتبار أنظمة الحكم الفرعونية نموذجا للسلطة الثيوقراطية، حيث كان يدعي الفرعون انتسابه إلى مجتمع الآلهة، في الوقت الذي كان على الكهنة، أن يؤكدوا هذه الصلة، وفي أوروبا ومنذ القرن الخامس الميلادي حصلت الكنيسة على سيطرة كبيرة في القارة، ولم يكن أي ملك أو أمير في مقاطعة ما، يمكنه الحكم دون الحصول على مباركة البابوية في الفاتيكان، وهو الأمر الذي جعل الحكام يدعون أحقيتهم بالحكم بناء على تفويضهم من قبل البابا، ويعتبرون ذلك سببا في حكمهم المطلق ويبررون به استبدادهم لعدم حاجتهم للمواطنين في تأكيد شرعيتهم والاعتراف بها.
دار الإسلام Dar Al Islam
مصطلح سياسي فقهي، بدأ استخدامه في القرن الثاني الهجري، وبه يتم تمييز المناطق التي يسكنها المسلمون، وتخضع لسلطة الخلافة الإسلامية عن غيرها من البلدان والممالك، ويعتبر ذلك توصيفا يكتسب أهمية شرعية، حيث أن ذلك يتضمن تطبيق الأحكام الإسلامية في جميع المسائل، بينما يمكن العمل على تخفيف الحدود على المسلمين إذا ما جرت في غير دار الإسلام، فذهب بعض الفقهاء أن بعضا من الحدود لا تطبق على المسلمين في دار الحرب، ويعتبر ضمن دار الإسلام في الفكر التقليدي جميع المواطن التي فتحها المسلمون خلال توسعهم، حتى وإن أخرجوا منها بعد ذلك، بينما تعتبر حاليا الدول التي تعترف بالدين الإسلامي كديانة رسمية لها، وتستقي قوانينها من الشريعة الإسلامية، أو لا تقبل في الحد الأدنى، أن تتعارض القوانين المصدرة فيها مع الشريعة، ولدار الإسلام أهمية كبيرة في الأحكام الشرعية حيث جرت العادة أن يراعي المشرعون لدى تعاملهم مع بعض الأحكام المسلمون الذين يقيمون في بلدان غير إسلامية ولا يمكنهم الالتزام تماما ببعض الفتاوى الشرعية.
في مقابل دار الإسلام وقعت تقليديا في الفكر القديم، دار الحرب أو دار الكفر، إلا أن ذلك المصطلح لم يعد مستخدما في العصر الحديث، ويفضل الفقهاء أن يشيروا لها بالمجتمعات غير الإسلامية.
من الناحية الشرعية يعتبر الدفاع عن دار الإسلام، واجبا وفرض عين على جميع المسلمين، وسببا لإعلان الجهاد، إلا أنه تبقى من المسائل الخلافية النظر في المناطق التي خضعت لحكم المسلمين، وطبقت فيها الشريعة الإسلامية ثم خضعت بعد ذلك لحكم غيرهم من الأمم، ومن ذلك الأندلس، التي بقيت تقليديا جزءا من توصيف دار الإسلام لقرون من الزمن، وكما يتم النظر بصورة خلافية في المناطق التي تشهد أقليات مسلمة متوطنة ولها حدود معينة ومتعارف عليها ضمن دولة لا تطبق أحكام الشريعة الإسلامية ولا تعترف بها، مثل الصين وبورما، فهل تعتبر دار للإسلام يتوجب الدفاع عنها شرعيا، أم تعتبر أرضا يسكنها المسلمون في دار الحرب ويتوجب نصرة المسلمين هناك بقدر المستطاع، من ناحية الأخوة الدينية.
المكون اليهودي
في الحضارة الغربية
شغلت المسألة اليهودية المجتمع الأوروبي طويلا، فبين وجود اليهود على هوامش المدن الأوروبية، واضطلاعهم بمجموعة من المهن الاقتصادية التي وإن لم تكن تلقى احتراما كافيا لدى الأوروبيين، تظل ذات أهمية بالغة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لهم، وبين عدم تمكن اليهود من طرفهم من الانتماء للمجتمعات الأوروبية وإظهار الانتماء للدول أو الإمارات التي يعيشون فيها، ومحاولة أن يظلوا دائما منفصلين عن الطبقات الوسطى والفقيرة في هذه المجتمعات، وأن يحصلوا على أدوار وظيفية في خدمة السلطة، مع وجود سجل من الأسبقيات التي جعلت اليهود مصدرا للقلق والتوتر في المجتمعات الأوروبية، حيث كانوا دائما ما يسعون إلى التواطؤ مع الطرف الأقوى، حتى لو كان يعتبر عدوا للمجتمع الذي يعيشون فيه، بين هذين الحدين، تشكلت شخصية اليهود في الذهنية الأوروبية، وكانت المشكلة تتفاقم وتنتقل من خانة التراث الديني الذي يحمل اليهود مسؤولية التآمر مع الرومان لصلب السيد المسيح حسب المعقتدات المسيحية، لتنتقل إلى خانة الدنيوي، حيث بدأ اليهود يعملون في الربا، وفي احتكار بعض السلع والخدمات، وهو الأمر الذي أدى إلى مجموعة من الأحداث العنيفة تجاه اليهود، وخاصة في دول أوروبا الشرقية التي تزايدت فيها أعداد اليهود بعد طردهم من الأندلس وشيوع محاكم التفتيش في أسبانيا وغيرها من دول أوروبا الغربية، ووصلت هذه الأحداث ذروتها مع انتشار النازية حيث بدأت وسائل الإعلام الألمانية تحمل اليهود مسؤولية الأزمة الاقتصادية الهائلة التي عايشها الألمان لاحتكارهم لتجارة البنوك التي أدت إلى توريط ألمانيا في حلقة جهنمية من الديون دفعت إلى انهيار عملتهم.
على الرغم من ذلك كله، فإن اليهود يظلون مكونا أساسيا في الحضارة الغربية، سواء من خلال الشخصيات الفكرية التي تمكنت من التقدم تجاه مكانة متقدمة في صياغة العقل الأوروبي، وإن كنا نرى أن ذلك لم يكن في كثير منه إلا نقلا لحضارة مسلمي الأندلس في مجتمعات أوروبا التي كانت تتصف بالتخلف الحضاري في القرن الخامس عشر، ويتضح ذلك في البدء من تجربة الفيلسوف سبينوزا بوصفه أحد التنويريين الذين أثروا في الحضارة الغربية، وهي النقطة التي يبدأ من خلالها الناقد السعودي سعد البازعي في استعراضه للمكون اليهودي في الحضارة الغربية، وصولا إلى دور اليهود في صوغ الحداثة الأوروبية في مختلف المجالات في بدايات القرن العشرين.