عمان- إبراهيم السواعير - التالي حوارٌ مع الأديب الكاتب محمد المشايخ؛ وهو حوارٌ نحذّر فيه من يقترب من محمد المشايخ، لأنّ له ذاكرة حديدية يستثمرها في طرائف ونوادر حلوة، في كتب تالية تتسم بالجانب الحكائي الممزوج بالأدب، وهي كتب لا نعرف متى يطلع بها علينا؛ خصوصاً بعد كتابه الناجح جداً (كشف الحجاب عن خبايا رابطة الكتاب) التي ذكر فيها يومياته سكرتيراً للرابطة منذ 1978- 2006، وهي فترة كافية لأن يحتفظ المشايخ بكلّ هذا الألق والمحبة والحضور لدى كلّ تيارات الرابطة. وهو عدا ذلك مندوب مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في عمان منذ عام 2006.
يحمل المشايخ بكالوريوس اللغة عربية من الجامعة الأردنية عام 1977، أصدر13كتابا منفردا، كان أحدثها(معجم أديبات الأردن)، كما أسهم في تأليف 28 كتابا مشتركا أهمها كتاب (أنطولوجيا عمان الأدبية)مشترك مع عبد الله رضوان.
والمشايخ عند كثيرين هو ذاكرة الأردن الثقافية، ومثقـّف الإجماع عند الأدباء والكتاب مهما اختلفت توجهاتهم وأطيافهم ومرجعياتهم الوطنية..
كانت السنوات التي لم تعد فيها مديرا إداريا لرابطة الكتاب الأردنييـــــن (2006-2013) غنية بأنشطتها الداخلية والخارجية، وكانت الرابطة وما زالت غنية بكـتـّابها وأعلامها وبهيئاتها الإدارية وكادرها الوظيفي..ألم تستطع خلال تلك السنوات أن تضيف جديدا لكتابك الصادر عام 2006 بعنوان(كشف الحجاب عن خبايا رابطة الكتاب)؟
اشتمل هذا الكتاب حين نشرته بملحق الرأي الثقافي على حلقات تحت عنوان(يوميات سكرتير الكتاب) قبل نشره في كتاب حمل هذا العنوان الذي اقترحه د.خالد الكركي على ناشرته الأديبة سميحة خريس، عبر دار ناره، اشتمل على أنشطة الرابطة الثقافية والفكرية منذ تأسيسها، إلى جانب تضمينه بعض الحكايات والمذكرات والطرائف، ولأن أنشطة الرابطة خلال الحقبة الواردة في سؤالك تحتاج إلى أكثر من كتاب، فسأذكر هنا بعض طرائف أعضائها، منوها في البداية أن الرابطة مؤسسة ثقافية وطنية ، وما سأورده لا يقلل من هيبتها:
عندما رشـّحت نفسي لانتخابات الرابطة عام 2007، انتخى لي أحد الأثرياء من أعضائها، وقال لي إنه سينصب لي صيوانا على بابها، وسيوقف على باب الصيوان جملا ً، وسيقوم بوضع نظارات على عيني الجمل، وسيضع في عنقه (كرافة)، ويضع أمام الجمل كتابا ليقرأ فيه..وللأسف لم يف ذلك الصديق بوعده، بل غاب عن تلك الانتخابات..يومها وقفت والقاص محمد طمليه الذي كان قد رشـّح نفسه عن «التيار القومي» بينما كنت «مستقلا» على باب مجمع النقابات ننتظر القادمين لندعوهم لانتخابنا..ولما وطأت القاصة بسمة النسور ود.رفقة دودين أرض المـُجـَمـّع قال محمد طمليه :»أصواتنا أكبادنا تمشي على الأرض».
تعرّضت عندما كنت عضوا في اللجنة الاجتماعية في الرابطة، لموقف طريف حدث عندما توفي والد المفكر د.زهير توفيق، فقد اتصل بي رئيس اللجنة أ.محمد غالب المدادحة يدعوني للحضور من الزرقاء إلى عمان لأذهب بمعيته إلى منزل د.زهير لتقديم واجب العزاء، ولما وصلت عمان، اتصلت بزهير، فقال لي: إن بيت العزاء بوالده في الجبل الأبيض في الزرقاء..فعدت من عمان للزرقاء وأنا أردد أغنية:»بابوري رايح رايح..بابوري جاي».
سألني أحد الأصدقاء عند الانتخابات، عن المبلغ المترتب على عضو الرابطة جميل بركات عن اشتراكاته السنوية ليتمكن من انتخابه، فقلت له : جميل بركات مات منذ 6 سنوات.
صديقنا الشاعر سعد الدين شاهين، اتصل بكاتب قبل الانتخابات بأسبوع يدعوه للحضور لمجمع النقابات لانتخاب قائمته، وبعد خمسة أيام اتصل بالكاتب ثانية لأمر آخر غير الانتخابات، فردّ عليه ذلك الكاتب قائلا له بلهفة: والله إني جئت للمجمع وانتخبتك، فقال له سعد، يا رجل الانتخابات لم تجر بعد، وباقي لها يومان.
ركبتُ ومجموعة من الأدباء في مصعد مركز الحسين الثقافي، لحضور ندوة في الطابق الثالث من المركز، واعتمدنا على الكاتبة حياة الحويك عطيه، لتضغط بسبابتها على «الكبسة» التي تجعل المصعد يتوقف عند الطابق الثالث، غير أن المصعد رفض أمرها لأنها كانت ترتدي كفوفا، ولما خلـَعـَتـْها ولامس إصبعها تلك الكبسة، طار المصعد بنا وأوصلنا حيث نريد.
المفكر والأديب الأردني فايز محمود، كان قبل رحيله يحضر يوميا لرابطة الكتاب، ومعه حقيبة»سمسونايت» ترافقه كظله، كان يضعها في أماكن بارزة وقريبة من الشارع ، متمنيا أن يأتي أحد اللصوص لسرقتها، وعندما سألته عن السبب قال: إن ذلك اللص، بعد أن يسرق الحقيبة متوهما أنها مملوءة بالمجوهرات والدولارات والليرات، سيشتم اليوم الذي ولدته أمه فيه، لأنه لن يجد بها غير بعض الكتب، إلى جانب دواء المعدة وقطرة العين.
عند انعقاد المؤتمر الثقافي الوطني الأول عام 2007، بطلب بل بإلحاح من أ.د.أحمد ماضي، كان القاص تيسير نظمي يُصرّ على طرح أسئلته في كل جلسات المؤتمر، ولكي تحول إدارة المؤتمر بينه وبين طرح الأسئلة في إحدى الجلسات، قالت الإدارة للحاضرين جميعا إن هذه الجلسة خاصة بالحياة الثقافية في المحافظات، أما أدباء العاصمة فليس من حقهم أن يسألوا،غير أن تيسير رفع يده ليسأل، فقال له رئيس الجلسة أسئلة هذه الجلسة خاصة بالمحافظات، فقال له تيسير وأنا سأتحدث عن الثقافة في الشوبك، وظل تيسير يتحدث عن غياب البنية التحتية للثقافة في الشوبك وعن وضعها السيء، حتى قال رئيس الجلسة لوزيرة الثقافة آنذاك»أسمى خضر»، والله إن حال الثقافة في الشوبك يُقطـّع القلب..أرجو أن توليها عناية وزارتك..وبعد انتهاء الجلسة أقسم تيسير انه في حياته لم يدخل الشوبك، ولم يسمع أي معلومة عن الحياة الثقافية فيها.
وثمة مبدع - على ذمة الشاعر عماد الكتوت - طلب من فتاة أن تـُحبه عبر الفيس بوك دون أن يراها أو تراه..فقالت له: الحب عن غيب لا يجوز، فقال لها: بل يجوز، بدليل أننا جميعا نحب سيدنا محمد(ص) دون أن نراه.
نشر الشاعر محمد العموش المغترب في الخليج إعلانا جاء فيه:( ... شاعرٌ أردني متفرغٌ كليّاً ، لديهِ إقامةٌ، وحاصلٌ على رخصة قيادةٍ على كافة أنواع الشعر،العمودي والحر، يتقنُ ثلاث لغاتٍ،»المدح والغزل والرثاء «،استعدادٌ تامٌّ للطلبات الخارجية،والمناسبات الرسمية والخاصة،وتفصيل القصائد حسب المقاسات، وبأحدث الموديلات، كما يوجدُ لديهِ قصائد مستعملةٌ بحالةِ الوكالة...»عنوان الشاعر:دولةُ الصدق،مدينةُ الحرية،شارعُ الفكر الحر، مقهى» أمرؤُ الفيس»، بجانب بقالةِ « كومار»).
التوثيق إبداع في ذاته، فهل سترتقي بكتاباتك التوثيقية إلى الجانب الإبداعي؟
إن ما أقوم به في معظم دراساتي الأدبية أقرب إلى التأريخ منه إلى التوثيق،فقد نشرت في كتابي (الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون في الأردن) على سبيل المثال ، دراسات موثقة تستعرض تأريخا لفنون الشعر والقصة والرواية والنقد وأدب المرأة في الأردن منذ تأسيس الإمارة،أما إن كنت تقصد الأرشفة، فقد طغت على بعض كتاباتي الصحفية الرامية للتعريف بالأدب المعاصر في الأردن، دون أن تلتزم بالتوثيق الإبداعي المقصود بسؤالك..وللأسف كثيرون من الباحثين يقللون من أهمية التوثيق والتأريخ والأرشفة، متناسين الجهد الذي يبذله الباحث وهو يقرأ مئات الكتب من أجل أن يريح الباحثين من جهد البحث في هذا العدد الضخم من المؤلفات، فيوصل لهم زبدة بحثه دون أن يكبدهم مشقة تكرار ما بذله من جهد..ولنا في الكتب التي أصدرتها لجنة تاريخ الأردن، التي تتخذ من مؤسسة آل البيت مقرا لها تحت مظلة سلسلة الكتاب الأم في تاريخ الأردن عشرات الكتب التي أرّخت لأوجه الحياة المختلفة في المملكة، والتي يماثل جهدي في البحث – ربما - جهد مؤلفيها، لولا توقفي فقط عند ما يتعلق بالأدب.
قمت في كتب التراجم التي أعددتها بتقديم سير معظم المبدعين المحليين..ترى أي سيرتك؟
قبل أن يتم حلّ مديريات الثقافة في المملكة قبل سنوات، كانت مديرية ثقافة البلقاء تصدر مجلة أدبية اسمها الكرامة، وقد صدر منها 6 أعداد، وكان لي في كل عدد منها فصل يشتمل على سيرتي الخاصة إلى جانب السيرة العامة لمواطني الأغوار منذ النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، وحتى معركة الكرامة عام 1968، وفي الوقت الحالي، استرجع سيرتي في الزرقاء: سيرة النهر، وسكة الحديد، وقصر شبيب، سيرة المؤسسات التربوية، ومن بعد سيرتي في الجامعة الأردنية، وفي الرابطة، انعطافا لسيرة أكثر غنى مع مؤسسة البابطين الكويتية التي أتاحت لي فرصة الإنطلاق إلى أماكن أكثر رحابة وغنى في فرنسا والمانيا والبوسنة والهرسك وغيرها..
وآمل أن تسمح لي هنا أن أسرد حكاية أول نص كتبته وأوردته في سيرتي: في يوم من أيام عام 1961، استيقظت على صوت من يغني(طيري طيري يا حمامة..وانت يا رمز السلامة..هاتي لي من حبي علامة..ساعة وخاتم الماز)كان يردد هذه الأغنية سائق عربة يجرها حمار وهو في قمة الحزن والتأثر والانفعال..ولما سألت عنه قيل لي إنه يحب بنت جيراننا..وأنه سمع انها ستتزوج من شخص غيره، وأنها ستغادر الكرامة بعد ثلاثة أيام إلى عمان، فأمضى أيامه تلك وهو يردد تلك الأغنية، وطارت الحمامة إلى العاصمة، واختفى العربنجي وحماره وعربته..وبعد أسبوع من زواجها عادت بنت الجيران لزيارة أهلها في الكرامة، وكنت ألاحظها تبحث وتستقصي وتنظر وتسأل عن بائع الماء المتلهف والهيمان عطشا، ولكن دون جدوى، فقد ترك الكرامة وذهب إلى عمان ليبحث عنها، فقمت بالواجب، وسطّرت رسالة باسمه عبّرت فيها عن شوقه ولهفته وحنينه وطيران عقله عليها، وسلمتها لها، كانت تلك الرسالة أول نص أدبي أكتبه وأنا في الصف الثاني الابتدائي حيث كان عمري8سنوات.
في دليل الكاتب الأردني الذي أصدرته سابقا عن رابطة الكتاب، وفي معظم كتبك الخاصة بتراجم الأدباء وسيرهم، نجد فقط معلومات ببليوغرافية، ولا نجد سيرا تتوقف فيها عند بعض تفاصيل حياة اولئك الأدباء، لماذا؟
ما نشرته من سير الأدباء في كتب، كان بهدف إطلاع القراء على سيرة عدد كبير من عمالقة الإبداع في الأردن، لا سيما الذين أفنوا زهرة شبابهم، بل حياتهم، وهم يبدعون، بعيدا عن الأضواء ، وبعيدا عن الإعلام، ولم تتم الإشارة لهم أو لأعمالهم في أي وسيلة إعلامية، هذا إلى جانب سير الأدباء الذين نشرت حولهم الكثير من المقالات..وفي جعبتي حاليا كتابان معدان للطبع، أحدهما كنت أعددته لجريدة عمان التي كانت تصدر عام 2002بمناسبة إعلان عمان عاصمة للثقافة العربية، حيث أعددت 30مادة تحت عنوان(بطاقة مبدع) وفيها خرجت عن السيرة الببليوغرافية إلى بعض التفاصيل الخاصة بحياته، وممن كتبت عنهم آنذاك حسب الأحرف الهجائية:ابراهيم نصرالله، الياس فركوح،بسمة النسور، جريس سماوي،جمال ناجي،حبيب الزيودي،خليل السواحري،رفقة دودين،رمضان رواشدة،زليخة ابوريشة،زهير ابوشايب،سعود قبيلات،سليمان قوابعه، طاهر رياض، عبد الله رضوان، فخري قعوار، محمد سناجله، محمد ناجي عمايرة، مفلح العدوان، منى السعودي، د.هند ابوالشعر، يوسف ضمرة،يوسف عبد العزيز.
ولديّ كتاب آخر يشتمل على شهادات إبداعية تملأ أكثر من كتاب، توقفت فيها عند دور بعض أعلام الأدب المعاصر في الأردن في تحقيق الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة، وإبراز لسيرهم إلى جانب مواقفهم التي أنعشت حياتنا الأدبية بخاصة، والفكرية بعامة، ومنهم: أ.د.ناصر الدين الأسد ، أ.د.أحمد ماضي، أ. د.صلاح جرار ، مؤنس الرزاز، محمد داودية، فخري قعوار، خليل السواحري، بدر عبد الحق، سالم النحاس، حسني عايش، إحسان رمزي، ماجد ذيب غنما، أمينة العدوان، مصطفى صالح، أ.د.هاشم ياغي، أ.د.ابراهيم خليل،ربيع شهاب، كمال رشيد، مصطفى الجعيدي، محمد عيد،صالح شبانه.
وبالتالي فإن ما ظهر في كتب هو السير بصورتها التقليدية الببليوغرافية، وما أحتفظ به من دراسات وشهادات يتجاوزها إلى ما تمنيته في سؤالك.