إبراهيم كشت- تنتهي مراسلاتنا الرسمية وشبه الرسمية عادة بعبارة (واقبلوا الاحترام) ، أما إذا خطر لنا أن نُمْعِنَ في اللباقة والأدب وحسن الخطاب ، فربما ختمنا كتابنا الموجّه لشخص أو جهة ما بعبارة (وتفضلوا بقبول فائق الاحترام) . وهذه العبارات (التي تطلب قبول الاحترام) غريبة فعلاً ...! ولا تعدو أن تكون – فيما أرى – تركيباً من كلمات محفوظة ، صارت متداولة بفعل التكرار والتقليد ، دون أن نتوقف يوماً عندها لنتفكر في معناها ومدى دقة مدلولها ، ولو أننا فعلنا لاكتشفنا أنها عبارة مختلّةُ المضمون ، وأن استخدامنا لها إما أن يشير الى قناعتنا العميقة بأن صيغ المجاملة يجوز أن تكون مفرغة من المعنى الصحيح ، أو يشير الى أننا لا نفهم معنى كلمة (الاحترام) رغم كثافة استخدامنا لها .
وما أقصده هو أننا قد نطلب من شخص أن يقبل شيئاً أو يرفضه حين نقدم له هدية أو هبة (أو صدقة) ، وقد نطلب منه (القبول) إذا تقدّمنا إليه بطلب مساعدة ، أو برجاء للحصول منه على خدمة ، أو ربما إذا دعوناه الى وليمة . أي أننا نطلب من شخص ما القبول إذا كان يمتلك قرار القبول والرفض ، وهذا أمر غير مُتصوَّر حين نتحدث عن (الاحترام) ، فهل يعقل أن يرفض أحد الاحترام ؟ ثم إن موضوع احترامك لشخص ما هو مسألة موقف ذهني وشعور وجداني لديك بقيمته واعتباره ، وهو لا يملك بحال قرار قبول أو رفض هذا الشعور أو الموقف الايجابي ، فكيف تقول له إذن (وتفضلوا بقبول الاحترام) ؟ هل سيكون متفضلاً فعلاً إن هو قبل احترامنا ؟ وهل تبدو هذه التساؤلات شكلاً من (التفلسف) ، أم أنها تحمل فعلاً دلالات وإشارات على طبيعة تعاملنا مع اللغة والكلمات والمعاني ..؟
ربما كنت أطلتُ في التقديم وتشعّبتُ ، لكني أردت أن أقول أن كلمة (الاحترام) ، رغم كثرة استخدامنا لها ، ليست واضحة المفهوم في أذهاننا دائماً ، فنحن نستخدمها في مجال المجاملات (على نطاق واسع) ، كما نستخدمها عند الحديث في شؤون التربية والأخلاق وقواعد السلوك الاجتماعي ، بل كثيراً ما يستعمل لفظ (الاحترام) في المجالات القانونية والسياسية ، كالحديث عــــــن احترام القانون ، أو احترام هيبة الدولـة ، أو احترام الاتفاقيات الدوليـة .. وما إلى ذلك . ورغم هذا الزخم في استخدام مصطلح (الاحترام) ، فإنك تكاد لا تجـد معجماً يفسر لك معناه ، أو بحثاً جـاداً يدرس عناصـره ومقوماتـه وأبعاده ...! ولهذا ، فإني سأحاول أن أجتهد في تفسير مفهوم (الاحترام) ، وإلقاء الضوء على بعض عناصره وجوانبه وأبعاده ، من خلال الإيجاز التالي :
جوهر الاحترام
(الاحترام) من حيث أصله ومنطلقه (شعورٌ) وجداني ، ينطوي على الاعتراف بقيمة شخص أو فكرة ، فإذا انتفى شعوري بالقيمة الإيجابية نحو شخص أو موضوع مثلاً ، انتفى احترامي الفعلي له ، حيث أن الشعور بالقيمة هـو جوهر الاحترام وعنصره الأساسي وماهيته ، فلا يستقيم القول باحترامي لشخص إن كان شعوري وموقفي النفسي منه يتسم باللامبالاة به ، أو بالإحساس بقلة شأنه ، أو تدني اعتباره ، أو كان موقفي الوجداني يتسم بالاستهتار بـه.
ولكن الاحترام لا يظل في صورة مشاعر مكنونة في الوجدان ، وخلجات حبيسة الجنان ، وإنما يُترجم إلى سلوك وواقع عملي على مسرح الحياة ، وهناك عدة مظاهر سلوكية تدل على شعور الاحترام هذا ، فأن تحترم شخصاً أمرٌ يترتب عليه أن تحسَّ بوجوده وحضوره ، وتنتبه إلى حاجاته ورغباته ، وتستمع إليه ، وتمتنع عن إيذائه بالقول أو الفعل أو الموقف . أما أن تحترم القانون فهذا يعني أن تتقيد بأحكامه بدافع ذاتي ، وأن تحترم الوطن يقتضي ألا تنال منه بقول أو فعل .. وهكذا .
الاحترامُ ينطلقُ من الذاتِ ، ولا يفرضُ عليها :
الاحترام سلوك رضائي ينبع عن الإرادة الحرة ولا يُفرَضُ كرهاً ، فإذا كان غير نابع من العقل والقلب افتقد الصدقيّة ، ولم يعد احتراماً فعلياً ، فاحترام القوانين السارية مثلاً يعني أن أَلتزمَ بها إحساساً بأهميتها وقيمتها وضرورتها ، واقتناعاً بلزوم التقيد بها انطلاقاً من إحساسي الأخلاقي ومسؤوليتي كمواطن . أما إن كنتُ أخضعُ لتلك القوانين لمجرد الخوف من العقاب المترتب عليها ، فذلك مـن باب الرضوخ للقانون وليس احترامه . وشتان بين الموقفين ، فالخضوع للقانون تجنباً للجزاء يعني أنني سأخالفه غالباً إذا أَمِنْتُ ذلك الجزاء لأي سبب ، أما تَقيّدي بالقانون احتراماً له ، فيعني التزامي بــه ، حتى لو ضمنتُ عدم تعرضي للعقاب المترتب على مخالفته .
مجالاتٌ تزدادُ فيها الحاجة لقيمة (الاحترام) :
كلما زادت الحاجة إلى الانضباط والتقيد بالنظام وسرعة تنفيذ الأوامر ، زادت الحاجة لقيمة الاحترام ، ففي المجال العسكري مثلاً تتعدد مظاهر الاحترام وأشكاله وتطبيقاته فـي العلاقة بين مختلف الرُّتب ، كما فـي أداء التحية مثلاً ، والوقوف المُتهيّء المنتصب ، والتخاطب باللقب ، واستخدام الكلمات التي تدل على سرعة الاستجابة للأوامر. وفي مجال التربية والتعليم قد تسيح الأمور وتميع وتنفلت ، ما لم تتوافر حدود دنيا مقبولة ومعقولة من احترام المعلم ، واحترام مكان العلم ، ووقت الدرس ، وقوانين المدرسة أو المؤسسة العلمية .
احترامٌ للآخر ، واحترام لفكرة ، واحترامٌ للذات
يمكننا تقسيم مفهوم الاحترام من حيث موضوعه وتَوجُههِ إلى ثلاثة أقسام : فثمة احترام الشخص للآخر ، واحترامه لفكرة معينة ، واحترامه لذاته . وبصدد احترام الآخر فإن المبدأ هو أن يكون هذا الاحترام موجهاً للناس كافة تقديراً لإنسانيتهم ، بيد أن هناك نوعاً خاصاً من الاحترام ينبغي أن يوجّه إلى أناس بالخصوص ، كاحترام الأب والأم ، واحترام الأكبر سناً ، واحترام المعلم والقاضي والمسؤول والقائد والعالم . أما احترام الفكرة فمثالها احترام القانون ، أو احترام الوطن ، أو احترام العِلْم ، أو احترام الفن ، بمعنى أن نضفي على تلك الأفكار القيمة التي تستحق ، ونمتنع عما ينال منها أو يقلل من شأنها .
أما احترام الذات ، فربما كان مبدؤه يتجلى أكثر ما يتجلى في بيت الشعر الذي يقول : { إذا أنت لم تعرف نفسك قدرها ... هواناً بها كنت على الناس أهونا } ، بمعنى أن نيل احترام الناس ينطلق أول ما ينطلق من احترام المرء لنفسه ، ويكون ذلك بأن يعطي المرء ذاته قيمة ، أو بتعبير أدق : أن يحفظ لذاته قيمتها ، فيبتعد عن مواطن الهوان ، ويعزف عما يقلل من شأنه ، ويترفع عما يحطُّ من قدره ، ويسعى فيما يخلق له قيمة حقيقية في الحياة والمجتمع ، وفقاً للقاعدة التي تقول : ( يجب أن تكون لك قيمة ذاتية ؛ لتكون لك قيمة اجتماعية) .
تكلف الاحترام ... وادّعاؤه
إن خُلُقَ الاحترام ، سواء أكان موجهاً للذات أو للغير أو لفكرة مـا ، فيه مجال واسع للتظاهر والتكلف والتزييف ، فإذا كان من الطبيعي أن كل إنسان يسعى إلى نيل احترام الآخرين ، فإن البعض يحاول نيل ذلك الاحترام من خلال إحاطة نفسه بهالة كاذبة ، أو من خلال الاستعراض ومظاهر الاستهلاك . كما أن البعض يتكلف احترام الآخرين في ظاهر القول والفعل ، دون أن يكون صادقاً في التعبير عن اعترافه بقيمتهم وتقديره لشأنهم ، فكم عرفنا من رجال يتظاهرون باحترام النساء ، بالركض لفتح باب السيارة لهن مثلاً ، وسكب الطعام فـي صحونهن في الحفلات والولائم ، والدماثة في مخاطبتهن ، بينما لا تلقى زوجاتهم منهم في بيوتهم غير الإهانة والشتم والضرب . وكم عرفنا من أناس يُظهرون الاحترام للمسؤول ، حتى إذا غادر منصبه تعمّدوا إشعاره بعدم الاحترام ، كأنما يقدّمون بذلك اعترافاً لأنفسهم ولسواهم ، بأنهم إنما كانوا يمارسـون النفاق والتملّق ، وما ذلك إلا من قلة احترامهم لذواتهم، وهم لا يشعرون ..!
علاقة المحبة بالاحترام ...
ثمة علاقة في جانب من الجوانب بين المحبة والاحترام ، لكن الترابط بينهما ليس شرطاً بالضرورة ، فالمحبة باعث على الاحترام ، لكن أن لا يشعر المرء بمحبة المسؤول عنه أو زوجه ، لا يحول دون أن يعامل أيا منهم باحترام ، بمعنى أن يعاملهم من خلال الاعتراف بدورهم وقيمتهم ، وبعدم النيل منهم . ونلاحظ أن كثيراً مـن المتخصصين يرون أن استمرار العلاقات الزوجية مثلاً ، وشيوع السلام في الأسرة ، يقوم على أساس الاحترام حتى لو لم تكن المحبة قائمة . ومراعاة قواعد الاحترام في معاملة الزوج أو الزوجة أفضل كثيراً من معاملة من يدعي الحب والهيام ، ثم لا يلقى منه الطرف الآخر غير الأذى .
بين الاحترام والتقديس :
الاحترام يختلف عن التقديس ، فالتقديس (في غير الأمور الدينية) لا يصح ولا يليق بتعامل البشر فيما بينهم ، فأنْ أحترم أستاذي مثلاً لا يعني أني أُنزهه عن الخطأ ، وأتصوره فوق البشر ، ولا يعني أن أحجم عن مخالفته الرأي ، وإنما يعني أن أُكنَّ له ما يلزم من الاعتراف بالقيمة والتقدير ، وأن أتعامل معه ضمن قواعد أدب السلوك التي يفرضها الاحترام.
وبعد :
ربما بقي أن أذكر أن لفكرة الاحترام أهمية كبيرة في جميع مجالات الأخلاق بوجه عام ، لأن الأخلاق جميعها تقوم على أساس احترام (القانون الأخلاقي) وفقاً لما يرى الفيلسوف " كانت " ، فهـو يقول : (( إن الواجب هو ضرورة إنجاز الفعل احتراماً للقانون الأخلاقي )).
[email protected]