وتفضلوا بقبول الاحترام ..!

وتفضلوا بقبول الاحترام ..!

تاريخ النشر : الخميس 12:00 13-12-2012
No Image
وتفضلوا بقبول الاحترام ..!

إبراهيم كشت- تنتهي مراسلاتنا الرسمية وشبه الرسمية عادة بعبارة (واقبلوا الاحترام) ، أما إذا خطر لنا أن نُمْعِنَ في اللباقة والأدب وحسن الخطاب ، فربما ختمنا كتابنا الموجّه لشخص أو جهة ما بعبارة (وتفضلوا بقبول فائق الاحترام) . وهذه العبارات (التي تطلب قبول الاحترام) غريبة فعلاً ...! ولا تعدو أن تكون – فيما أرى – تركيباً من كلمات محفوظة ، صارت متداولة بفعل التكرار والتقليد ، دون أن نتوقف يوماً عندها لنتفكر في معناها ومدى دقة مدلولها ، ولو أننا فعلنا لاكتشفنا أنها عبارة مختلّةُ المضمون ، وأن استخدامنا لها إما أن يشير الى قناعتنا العميقة بأن صيغ المجاملة يجوز أن تكون مفرغة من المعنى الصحيح ، أو يشير الى أننا لا نفهم معنى كلمة (الاحترام) رغم كثافة استخدامنا لها .  
 وما أقصده هو أننا قد نطلب من شخص أن يقبل شيئاً أو يرفضه حين نقدم له هدية أو هبة (أو صدقة) ، وقد نطلب منه (القبول) إذا تقدّمنا إليه بطلب مساعدة ، أو برجاء للحصول منه على خدمة ، أو ربما إذا دعوناه الى وليمة . أي أننا نطلب من شخص ما القبول إذا كان يمتلك قرار القبول والرفض ، وهذا أمر غير مُتصوَّر حين نتحدث عن (الاحترام) ، فهل يعقل أن يرفض أحد الاحترام ؟  ثم إن موضوع احترامك لشخص ما هو مسألة موقف ذهني وشعور وجداني لديك بقيمته واعتباره ، وهو لا يملك بحال قرار قبول أو رفض هذا الشعور أو الموقف الايجابي ، فكيف تقول له إذن (وتفضلوا بقبول الاحترام) ؟ هل سيكون متفضلاً فعلاً إن هو قبل احترامنا ؟ وهل تبدو هذه التساؤلات شكلاً من (التفلسف) ، أم أنها تحمل فعلاً دلالات وإشارات على طبيعة تعاملنا مع اللغة والكلمات والمعاني ..؟
ربما كنت أطلتُ في التقديم وتشعّبتُ ، لكني أردت أن أقول أن كلمة (الاحترام) ، رغم كثرة استخدامنا لها ، ليست واضحة المفهوم في أذهاننا دائماً ، فنحن نستخدمها في مجال المجاملات (على نطاق واسع) ، كما نستخدمها عند الحديث في شؤون التربية والأخلاق وقواعد السلوك الاجتماعي ، بل كثيراً ما يستعمل لفظ (الاحترام) في المجالات القانونية والسياسية ، كالحديث عــــــن احترام القانون ، أو احترام هيبة الدولـة ، أو احترام الاتفاقيات الدوليـة .. وما إلى ذلك . ورغم هذا الزخم في استخدام مصطلح (الاحترام) ، فإنك تكاد لا تجـد معجماً يفسر لك معناه ، أو بحثاً جـاداً يدرس عناصـره ومقوماتـه وأبعاده ...! ولهذا ، فإني سأحاول أن أجتهد في تفسير مفهوم (الاحترام) ، وإلقاء الضوء على بعض عناصره وجوانبه وأبعاده ، من خلال الإيجاز التالي :

 جوهر الاحترام
(الاحترام) من حيث أصله ومنطلقه (شعورٌ) وجداني ، ينطوي على الاعتراف بقيمة شخص أو فكرة ، فإذا انتفى شعوري بالقيمة الإيجابية نحو شخص أو موضوع مثلاً ، انتفى احترامي الفعلي له ، حيث أن الشعور بالقيمة هـو جوهر الاحترام وعنصره الأساسي وماهيته ، فلا يستقيم القول باحترامي لشخص إن كان شعوري وموقفي النفسي منه يتسم باللامبالاة به ، أو بالإحساس بقلة شأنه ، أو تدني اعتباره ، أو كان موقفي الوجداني يتسم بالاستهتار بـه.
ولكن الاحترام لا يظل في صورة مشاعر مكنونة في الوجدان ، وخلجات حبيسة الجنان ، وإنما يُترجم إلى سلوك وواقع عملي على مسرح الحياة ، وهناك عدة مظاهر سلوكية تدل على شعور الاحترام هذا ، فأن تحترم شخصاً أمرٌ يترتب عليه أن تحسَّ بوجوده وحضوره ، وتنتبه إلى حاجاته ورغباته ، وتستمع إليه ، وتمتنع عن إيذائه بالقول أو الفعل أو الموقف .  أما أن تحترم القانون فهذا يعني أن تتقيد بأحكامه بدافع ذاتي ، وأن تحترم الوطن يقتضي ألا تنال منه بقول أو فعل ..  وهكذا .

 الاحترامُ ينطلقُ من الذاتِ ، ولا يفرضُ عليها :
الاحترام سلوك رضائي ينبع عن الإرادة الحرة ولا يُفرَضُ كرهاً ، فإذا كان غير نابع من العقل والقلب افتقد الصدقيّة ، ولم يعد احتراماً فعلياً ، فاحترام القوانين السارية مثلاً يعني أن أَلتزمَ بها إحساساً بأهميتها وقيمتها وضرورتها ، واقتناعاً بلزوم التقيد بها انطلاقاً من إحساسي الأخلاقي ومسؤوليتي كمواطن . أما إن كنتُ أخضعُ لتلك القوانين لمجرد الخوف من العقاب المترتب عليها ، فذلك مـن باب الرضوخ للقانون وليس احترامه . وشتان بين الموقفين ، فالخضوع للقانون تجنباً للجزاء يعني أنني سأخالفه غالباً إذا أَمِنْتُ ذلك الجزاء لأي سبب ، أما تَقيّدي بالقانون احتراماً له ، فيعني التزامي بــه ، حتى لو ضمنتُ عدم تعرضي للعقاب المترتب على مخالفته .

 مجالاتٌ تزدادُ فيها الحاجة لقيمة (الاحترام)  :
كلما زادت الحاجة إلى الانضباط والتقيد بالنظام وسرعة تنفيذ الأوامر ، زادت الحاجة لقيمة الاحترام ، ففي المجال العسكري مثلاً تتعدد مظاهر الاحترام وأشكاله وتطبيقاته فـي العلاقة بين مختلف الرُّتب ، كما فـي أداء التحية مثلاً ، والوقوف المُتهيّء المنتصب ، والتخاطب باللقب ، واستخدام الكلمات التي تدل على سرعة الاستجابة للأوامر. وفي مجال التربية والتعليم قد تسيح الأمور وتميع وتنفلت ، ما لم تتوافر حدود دنيا مقبولة ومعقولة من احترام المعلم ، واحترام مكان العلم ، ووقت الدرس ، وقوانين المدرسة أو المؤسسة العلمية .

 احترامٌ للآخر ، واحترام لفكرة ، واحترامٌ للذات
يمكننا تقسيم مفهوم الاحترام من حيث موضوعه وتَوجُههِ إلى ثلاثة أقسام : فثمة احترام الشخص للآخر ، واحترامه لفكرة معينة ، واحترامه لذاته .  وبصدد احترام الآخر فإن المبدأ هو أن يكون هذا الاحترام موجهاً للناس كافة تقديراً لإنسانيتهم ، بيد أن هناك نوعاً خاصاً من الاحترام ينبغي أن يوجّه إلى أناس بالخصوص ، كاحترام الأب والأم ، واحترام الأكبر سناً ، واحترام المعلم والقاضي والمسؤول والقائد والعالم . أما احترام الفكرة فمثالها احترام القانون ، أو احترام الوطن ، أو احترام العِلْم ، أو احترام الفن ، بمعنى أن نضفي على تلك الأفكار القيمة التي تستحق ، ونمتنع عما ينال منها أو يقلل من شأنها .
أما احترام الذات ، فربما كان مبدؤه يتجلى أكثر ما يتجلى في بيت الشعر الذي يقول : { إذا أنت لم تعرف نفسك قدرها ... هواناً بها كنت على الناس أهونا } ، بمعنى أن نيل احترام الناس ينطلق أول ما ينطلق من احترام المرء لنفسه ، ويكون ذلك بأن يعطي المرء ذاته قيمة ، أو بتعبير أدق : أن يحفظ لذاته قيمتها ، فيبتعد عن مواطن الهوان ،  ويعزف عما يقلل من شأنه ، ويترفع عما يحطُّ من قدره ، ويسعى فيما يخلق له قيمة حقيقية في الحياة والمجتمع ، وفقاً للقاعدة التي تقول : ( يجب أن تكون لك قيمة ذاتية ؛ لتكون لك قيمة اجتماعية) .

تكلف الاحترام ... وادّعاؤه
إن خُلُقَ الاحترام ، سواء أكان موجهاً للذات أو للغير أو لفكرة مـا ، فيه مجال واسع للتظاهر والتكلف والتزييف ، فإذا كان من الطبيعي أن كل إنسان يسعى إلى نيل احترام الآخرين ، فإن البعض يحاول نيل ذلك الاحترام من خلال إحاطة نفسه بهالة كاذبة ، أو من خلال الاستعراض ومظاهر الاستهلاك . كما أن البعض يتكلف احترام الآخرين في ظاهر القول والفعل ، دون أن يكون صادقاً في التعبير عن اعترافه بقيمتهم وتقديره لشأنهم ، فكم عرفنا من رجال يتظاهرون باحترام النساء ، بالركض لفتح باب السيارة لهن مثلاً ، وسكب الطعام فـي صحونهن في الحفلات والولائم ، والدماثة في مخاطبتهن ، بينما لا تلقى زوجاتهم منهم في بيوتهم غير الإهانة والشتم والضرب . وكم عرفنا من أناس يُظهرون الاحترام للمسؤول ، حتى إذا غادر منصبه تعمّدوا إشعاره بعدم الاحترام ، كأنما يقدّمون بذلك اعترافاً لأنفسهم ولسواهم ، بأنهم إنما كانوا يمارسـون النفاق والتملّق ، وما ذلك إلا من قلة احترامهم لذواتهم، وهم لا يشعرون ..!

 علاقة المحبة بالاحترام ...
ثمة علاقة في جانب من الجوانب بين المحبة والاحترام ، لكن الترابط بينهما ليس شرطاً بالضرورة ، فالمحبة باعث على الاحترام ، لكن أن لا يشعر المرء بمحبة المسؤول عنه أو زوجه ، لا يحول دون أن يعامل أيا منهم باحترام ، بمعنى أن يعاملهم من خلال الاعتراف بدورهم وقيمتهم ، وبعدم النيل منهم . ونلاحظ أن كثيراً مـن المتخصصين يرون أن استمرار العلاقات الزوجية مثلاً ، وشيوع السلام في الأسرة ، يقوم على أساس الاحترام حتى لو لم تكن المحبة قائمة . ومراعاة قواعد الاحترام في معاملة الزوج أو الزوجة أفضل كثيراً من معاملة من يدعي الحب والهيام ، ثم لا يلقى منه الطرف الآخر غير الأذى .

بين الاحترام والتقديس :
الاحترام يختلف عن التقديس ، فالتقديس (في غير الأمور الدينية) لا يصح ولا يليق بتعامل البشر فيما بينهم ، فأنْ أحترم أستاذي مثلاً لا يعني أني أُنزهه عن الخطأ ، وأتصوره فوق البشر ، ولا يعني أن أحجم عن مخالفته الرأي ، وإنما يعني أن أُكنَّ له ما يلزم من الاعتراف بالقيمة والتقدير ، وأن أتعامل معه ضمن قواعد أدب السلوك التي يفرضها الاحترام.

وبعد  :
ربما بقي أن أذكر أن لفكرة الاحترام أهمية كبيرة في جميع مجالات الأخلاق بوجه عام ، لأن الأخلاق جميعها تقوم على أساس احترام (القانون الأخلاقي) وفقاً لما يرى الفيلسوف " كانت " ،  فهـو يقول : (( إن الواجب هو ضرورة إنجاز الفعل احتراماً للقانون الأخلاقي )).

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }