عيوب التعليم في المجتمع العربي وطرق ترميمه

عيوب التعليم في المجتمع العربي وطرق ترميمه

تاريخ النشر : الخميس 12:00 29-11-2012
No Image
عيوب التعليم في المجتمع العربي وطرق ترميمه

د.محمد عبد الكريم الشوبكي - ان ثراء الأمم والمجتمعات لا يتأتى الا بثراء القوى البشرية لا بالثروات الطبيعية ولا بالأموال المكدسة , وهي عملية تتم عبر التخطيط والتنفيذ لتطوير قدرات أبناء المجتمع و تفعيل طاقاتهم , واستدامة نموها للارتقاء بمكانتهم .
فمستقبل المجتمعات يأتي من حاضرها , وفي هذا المجال يقول الفيلسوف الفرنسي « سارتر « ( أنا لا أؤمن بان هناك شيئاً يسمى المستقبل « فما نصنعه الآن هو الذي يحدد وضعيتنا في الأيام القادمة ( المستقبل ) .»
فالتعليم من أهم أدوات التكوين الإنساني لخوض معضلات المراحل المتتالية من العمر , فلا بد ان يكون على افضل نوعية وكيفية في زرع القيم والمهارات والإمكانيات , والنهج الفكري الخلاق والمبدع لإنتاج شخصية علمية بناءة و منافسة لهذا العالم الذي أصبحت صبغته التنافس , والنقد , والجودة , والإتقان فهو الأساس للوصول الى مرحلة من التحضر والتمدن .


 فمما لا شك فيه ان هناك تدهورا كبيرا في مؤسسات التعليم ومراكز البحث العلمي في المجتمعات العربية بسبب سيطرة السياسية على هذه المراكز , مما غيب عنها كثيرا من مفهوم عالمية المعرفة التي لا تمس بعادات وتقاليد المجتمعات كما حصل في اليابان بعد عام 1945( حيث بقيت عادات وتقاليد المجتمع الياباني كما هي ) , وهذا ما أقصى إنسان مجتمعاتنا عن عالمية المعرفة والإبداع لا علاقة له بالعصرنة المعرفية ومجال البحث العلمي سواء كانت تكنولوجية او اجتماعية .

 وريث ( عهد التلقين )
 .. لازال التعليم في المجتمعات العربية متخلفاً في أعلى مستوياته , ومؤسساته نسبة الى الدول المتقدمة ذلك لأنه وريث ( عهد التلقين ) أي ( النقل من المدرسين ) والاستقبال ( من التلاميذ ) منذ اكثر من ثمانية قرون . وذلك مغايراً للتعليم في الدول المتقدمة سواءً كانت أمريكا او الدول الأوروبية و اليابان والصين و بعض دول شرق أسيا فلا منهج للتلقين ( معلم يلقن معلومات وطالب يستمع ويحفظ ثم يستفرغها على أرواق الامتحانات ) بل النقد والتقصي والبحث والحوار .
ومن المأخذ السلبية على التعليم في مجتمعاتنا انه لا يغير في شخصية الطالب بكافة درجاته العلمية الا الشيء البسيط , اذ انه لا يعدو سوى قشرة خارجية سرعان ما تذوب وتنقشع في ابسط عراقيل وتحديات الحياة اليومية , ذلك ان النمط التعليمي في هذه المجتمعات لم يجبل هذه الشخصية ( فكرا و سلوكا و عاطفة ) منذ الصغر وحتى مرحلة عمرية متقدمة بالصبغة العلمية , فهو كالثوب يخلع ويلبس حسب الأهواء والظروف الحياتية .
 فالتعليم المتقدم والسليم هو ذلك الناجم عن زرع روح البحث و التقصي , و روح المشاركة الجماعية للطلبة , والحوار , وتبادل الآراء , والبعد عن الشخصنة , فهم يقضون جُل وقتهم في المكتبات او عبر البحث الالكتروني في المواقع العلمية , أنهم يقّسمون من قبل الإدارة المدرسية الى فرق بحثية وبهذه الطريقة تتجذر في شخصيتهم العقلية البحثية العلمية التي هي أصل التقدم والتطوير العلمي على مستوى العلوم الإنسانية والتكنولوجية .
=المعرفة والانفتاح المعرفي مطلب إنساني
وفي هكذا وضعية تترسخ روح العمل كفريق , وتنمو روح المشاركة الجماعية الايجابية لا أهمية للعرق والدين او الجنس ( لان المعرفة والانفتاح المعرفي مطلب إنساني في التطور ) , واحترام التعددية , فلا شخصنة و احتكار للأفكار والآراء , فتنزرع روح قبول وجهات نظر الأخرين , والحوار البناء وبالتالي تشيع روح السماحة , واحترام الأخرين , وقبول النقد بسعة رحب من اجل مشروع البحث عن الحقيقة , وبذلك ( تتشكل الشخصية العلمية البحثية التسامحية النقدية عالمية المعرفة ) و التي تمثل أقصى درجات المواطنة والانتماء والتطور العلمي , كل ذلك نقيض التلقين الهادر للفكر السائد في مجتمعاتنا الذي يبدد روح المشاركة و العمل كفريق , ويزرع الأنانية , ويجمد العقل و يصلب التفكير , ورفض الانفتاح المعرفي مما يؤدي الى الانحطاط والتخلف .

الغثيان العقلي
ومن المؤسف ان التعليم في كافة درجاته في الدول النامية يعتمد على الكم والحجم ( Size And Quantity ) للمادة الدراسية و ليس على النوعية (Qualitiy ) المراد زرعها في عقول الطلبة فهي ليست الا( حشوة ) ذات عبئ عقلي ونفسي نستطيع تسميتها ( بالتخمة الذهنية او العقلية ) عسيرة الهضم ( تحفظ أو تختزن ) وتسبب ( الغثيان العقلي ) وتزول أثارها بمجرد استفراغها على أوراق الامتحانات لذلك فهي معطل للعقل والتفكير والبحث وتنمية الشخصية العلمية الخلاقة المبدعة , وقاتلة لنمو الشخصية المتمدنة المحاورة القابلة لأراء الأخرين والتي تثبط ايضا الانتماء والمشاركة الجماعية .
وتخلو برامج التعليم في المجتمع العربي من ( قيم النقد والتساؤل والبحث والنقد الذاتي ) وتطغي عليها روح ( القطعية و الجواب الواحد الثابت اليقيني ) , وهذا ما يشكل حجرا على العقل والتفكير الصحي السليم لان عصر الجواب الواحد والقطعية واليقين قد ولّى بلا رجعة في الدول المتقدمة منذ قرون عديدة , فكل ما يسمى ب ( حقيقة ) يبقى تحت التجربة والمسألة والنقد , وهكذا تنموا وتتقدم العلوم , فما ان تظهر نظرية الا وقد تغيرت بعد زمن ما .

سلبي التأثير على الشخصية
وبهذه الطريقة العقيمة فان التعليم في المجتمعات العربية، يعد سلبي التأثير على الشخصية , والعقلية , مبعداً الانسان عن مفاهيم المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية , وذلك عبر تجميد العقل وافتقاد القدرة على النقد , والتقصي وقبول التعددية , والمشاركة , والتسامح , والحوار .
ومن الناحية الاخرى فان مناهج التعليم يجب ان تصب جل أهدافها في تقليل الى الحد الأدنى من الشخصنة او الفردية في التميز الفكري , وذلك من خلال التركيز على الموضوعية والحقيقة كنظام لا أفراد , لأننا لسنا بحاجة الى إفراز أفرادا ذوي ثقافة شخصية متميزة , بل إنتاج ثقافة نظام متميز وذلك بعداً عن تركيز مناخ ( السلف والخلف ) أي العودة الى القدوة والإتباع ( عهد التلقين ) الذي جمد العقول والتفكر والتفكير والذي لا زلنا نعيشه منذ ثمانية قرون حينما أوقف ( باب الاجتهاد ) عندما نبذ ( ابن رشد ) الذي تميز بدعوته الى التفكير العقلاني والنهج الموضوعي ومحاربة عهد التلقين السائد آنذاك , وتبنت آراءه أوروبا في عصرها المظلم آنذاك وحصل ما حصل من الثورات الفكرية والتقدم العلمي التكنولوجي وفي العلوم الإنسانية .

إنتاج العقل الناقد
وعليه فان المؤسسات التعليمية العربية ان تركز على إنتاج ( العقل الناقد ) فهو الكافل الذي يمكننا من التقدم والتطور انه أقوى آليات البناء , فنقد المشاريع والخطط والبرامج والأفكار في جميع مراحلها سواء قبل او اثناء او بعد انجازها تضمن تقليل السلبيات وزيادة الايجابيات , فالنقد الموضوعي كالفاحص الآلي الذي لا يتوانى عن الفتك بأي فيروس وإعطاء الحصانة المنيعة للأفكار و المشاريع و الخطط , لان النقد الموضوعي يختلف في جوهره عن النقد الشخصي الذي يسود في كثير من المجتمعات والثقافات ومنها العربية باعتباره انتقاصا او اهانة او تبخيسا او حتى خيانة .
وعلى المؤسسات التعليمية العربية غرس روح عمل الفريق الجماعي بغض النظر عن العرق والدين والجنس , والبعد عن « الأنا « والقبول بقناعة وحب ان العمل مع الفريق مجرد أمر مساهم بنّاء , والابتعاد عن فيروس الفردية فلا ينسب النجاح لنفسه فقط وان يتقبل الفشل , وان الشكر للجماعة على الانجاز للجميع يعني شكراً شخصي له ,( لأننا من أجيال ثقافة الشخصنة والفردية ).
ففي المجتمعات الانعزالية ( التي لا تقبل بالتعددية ) لأنها تعيش بعيدا عن الديمقراطية فان إنسانها من الصعوبة عليه التفريق بين النقد الموضوعي , والنقد الذاتي , وكل ما ذكر سابقا لا يحصل الا من خلال التعليم منذ الصغر حتى تصبح المجتمعات ذات ثقافة متحضرة ويؤكد على ذلك الفيلسوف ( إيمانويل كانت ) بمقولته (ان النقد هو أهم أداة بناء صورها العقل الإنساني) .

مستشار الأمراض العصبية و الطب النفسي
www.dralshobaki.com

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }