جهاد الترك - باتت المنافذ مشرّعة اليوم، أمام أسامة بن لادن ليتسلل رويداً رويداً من تحت أثقال الموت المحكم بالفناء إلى حيث يصبح بمقدوره أن يتكوّن في جديد من نسيج الأسطورة.
وهو من جعل من الارهاب الرقم الأصعب في حسابات الألفية الثالثة. والأرجح أن لا غرابة في ذلك، فأفراد أقل جدارة منه وأقل مهارة في إشاعة «الدهشة» في العالم وبث القشعريرة في المخيلة، حجزوا لأنفسهم مقعداً متقدماً في نادي الخرافة.
جاء دوره الآن ليمضي في رحلة غامضة، على الأغلب، من غياهب الموت إلى حضور من نوع آخر في الذاكرة. وقد ساهم هو نفسه في إعادة تشكيل هذه الأخيرة بألوان الجحيم.
تحت الأضواء ثانية
أسامة بن لادن تحت الأضواء ثانية، وكأنه قضى للتو أو نهض من تحت الرصاص للتو!
-لماذا؟.
لأن عنصراً من فريق النخبة الذين اقتحموا مخبأه في منطقة أبو تباد الباكستانية قرر أن يكشف الجانب الآخر من الحقيقة الضائعة: لقد استهدف بن لادن برصاصة واحدة قاتلة في الرأس من دون أن يظهر ارتياباً أو اندفاعاً إلى الحيطة والحذر والدفاع عن النفس. سقطت هذه الرواية المدوّية على رأس الإدارة الأميركية كالصاعقة. أدركت، بعد فوات الأوان، أن طعنة مقصودة في الظهر قد أحالت صدقيتها وهيبتها حطاماً متناثراً لا يختلف عن الشكل المروّع الذي بانت فيه جثة بن لادن على شاشات التلفزة الفضائية. وكانت الرواية الرسمية التي اعتمدتها الإدارة للإفصاح عن الكيفية التي أسفرت عن اصطياد بن لادن تؤكد، بالدليل القاطع، أن مصرع هذا الأخير قد جاء نتيجة لإقدامه على المقاومة بسلاحه الشخصي. غير أن أحد عناصر البحرية الأميركية، وهو هداف من الطراز الأول، عاجله بطلقة في الرأس بدت كافية للقضاء عليه. ومع ذلك، فقد أشعلت هذه الرصاصة حريقاً متأججاً طاولت ألسنته الإدارة والبيت الأبيض والبنتاغون والقيادة العسكرية والرأي العام الأميركي برمته.
أرشيف الحقائق التاريخية الثابتة
كادت الرواية الرسمية التي تظلّلت بها الإدارة تتحول مادة موثّقة لا يُشقّ لها غبار في أرشيف الحقائق التاريخية الثابتة للولايات المتحدة. حتى قرر أحد عناصر النخبة التي داهمت بن لادن في مسكنه الباكستاني أن يتلو روايته الذاتية عن مقتل بن لادن. أرادها أن تتخطى، في مفاعيلها، الضجيج الإعلامي الصاخب الذي ينطوي عليه، في العادة، التصريح الصحافي. أودعها كتاباً بعنوان «ليس يوماً سهلاً..الرواية المباشرة للمهمة التي قتلت أسامة بن لادن» عن دار «داتون أدولت» في الولايات المتحدة. وترجّح مواقع كثيرة على شبكة الانترنت صدوره في الحادي عشر من أيلول سبتمبر 2012 بالتزامن مع تاريخ الهجمات الارهابية التي دمّرت برجي التجارة العالمية في مدينة نيويورك.
وكان متوقعاً صدور الكتاب في الرابع من أيلول سبتمبر الجاري وفقاً لمعلومات تداولتها صحف في الولايات المتحدة وبريطانيا على نطاق واسع. لم يحدث شيء من هذا القبيل. وان بدا ان السباق محتدم بين ارهاصات محمومة، على الأرجح، تسعى إلى استباق الكتاب بالترقـّب والتأويل والتحليل، من جهة، وصدور الكتاب عينه، من جهة أخرى. والأغلب أن الإحجام عن توزيع الكتاب في الرابع من أيلول، بعد أن سرت في الأوساط الإعلامية الأميركية موجة منظّمة من الشائعات تؤكد ذلك، كان له مفعول السحر. بدا الانتظار سيّد الموقف من دون منازع.
ولأن الأمر كذلك، سبق الكتاب نفسه إلى القرّاء، وتعاظمت الهواجس في الوقت عينه، لدى القيادات المدنية والعسكرية التي كانت أوكلت إليها مهمة التصفية الجسدية لبن لادن. أصبح الكتاب ظلاً لنفسه ولكاتبه في آنٍ حتى قبل ان يبصر النور ويوزّع على رفوف المكتبات. وهذه من الحالات النادرة التي تشهد استبدال الكتاب باللهفة إليه. وكأنه يفيض عن نفسه وعن كاتبه ويتحول رواية للقلق والشك والإلتباس أكثر منها رواية جديدة عن مقتل بن لادن. وسيغدو الأميركيون، بالتحديد، في الحادي عشر من أيلول الجاري على موعد مع فصل جديد من العلاقات المرتبكة مع الإدارة المنهمكة في استعدادات استثنائية للانتخابات الرئاسية المقبلة. بدورها، ستغدو الإدارة أكثر انكشافاً للناس. وسيغدو هؤلاء أكثر انكشافاً في العراء أمام الإدارة. لحظة مرتقبة، على الأرجح، ليقترب الطرفان، بعضهما من بعض أو يفترقا على مضض. أو أن ينظر أحدهما إلى الآخر بعين الريبة.
الغلاف قناعاً
أراد مؤلف الكتاب ان يستخدم الغلاف قناعاً يخفي به وجهه الحقيقي. زعم أنه يدعى مارك أوين. وهي الكنية عينها التي تصدرت أسفل الكتاب. بينما أُدرج العنوان بحروف بارزة، واضحة، متألقة في وسط الغلاف، دلالة، في الأغلب، على إمعانه في عدم البوح عن شخصيته وإصراره على تغييبها بالمطلق. بدا في هذه المحاولة «الذكيّة» مأخوذاً بمواصفات الشبح الذي تمكنه قدراته المدهشة من أن يرى الأشياء بحذافيرها كاملة وأن يظل محجوباً عن رؤية الآخرين إليه. ولعله ارتأى، في هذا المنحى، ان يقدم روايته لحدث بهذا الحجم المدوّي من خلف الكواليس. بلسان الضمير الغائب. من حيث يخيّل إليه ان يزعم ان الراوي الحقيقي شخص آخر قد يكون هو أو عنصرا مختلفاً في فريق النخبة البحرية. ولسوء حظه لم يقيّض له ما أراد، إذ أقدم الموقع الالكتروني لـ»فوكس نيوز» يوم الخميس الماضي على إفشاء سره الكبير، أورد على شبكة الانترنت خبراً مفاده ان مؤلف الكتاب ليس مارك أوين، بل شخص حقيقي آخر من لحم ودم هو مات بيسونيت الذي تقاعد من البحرية مباشرة بعد مشاركته في عملية قتل أسامة بن لادن.
وتمثلت المفاجأة الثانية، وإنْ بدت أقل وقعاً من الأولى، ان للكتاب مؤلفاً آخر لم يضطلع بأي دور عسكري في الهجوم، بل كان يتلقى مواد أولية من بيسونيت ليعيد صوغها بأسلوب احترافي، هو كيفن مورر الذي تبيّن، بعد ذلك، أنه كاتب ذو تجربة عميقة وواسعة في هذا السياق.
تسريبات من الكتاب
على نقيض كتب مماثلة في الأهمية، ارتضت الدور المولجة بإصدارها أن تسرّب مقاطع واسعة منها على شبكة الانترنت لأغراض الترويج والإثارة، اتخذ ناشر كتاب «ليس يوماً سهلاً» موقفاً متعنتاً من هذه القضية. ظل يرفض حتى اللحظة الأخيرة ترويجاً من هذا النوع المجاني. اكتفى بالشرارة الأولى التي أطلقتها عن الكتاب مئات المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت. وراح يرقب من البعيد التنافس العنيف بين هذه المواقع على ايراد خبر مزعوم من هنا وهناك عن حيثيات الكتاب. ما هي أبرز المعلومات التي رشحت عمّا خطه بيسونيت بنفسه أو لقنه لزميله مورر ليبثه في الكتاب؟ كتب بيسونيت قائلاً نقلاً عن تسريب مباشر، هذه المرة، من الناشر نفسه:
«كنت مباشرة أنقل الخطى خلف العنصر الهدّاف ونحن نصعد السلم درجة درجة. لم يتبق أمامنا إلا خمس درجات أو أقل لنبلغ أعلى السلم عندما سمعت إطلاقاً مكبوتاً للنار. فقد رأى الهداف رجلاً يختلس النظر من وراء الباب في الجهة اليمنى من الرواق». يضيف: «لم أكن قادراً من موقعي أن أتيقّن ما إذا كانت الرصاصات قد أصابت الهدف أم لا. الرجل الذي كان يختلس النظر اختفى في الغرفة المظلمة. تبعه عناصر البحرية على الفور ليجدوا ان بن لادن متقوّض على الأرض وسط بركة من الدماء، وقد بان على الجهة اليمنى من رأسه ثقب، وامرأتان تنتحبان فوق جمجمته. كان بن لادن يرتدي قميصاً أبيض من دون أكمام وبنطالاً فضفاضاً يميل إلى اللون الأصفر الداكن».
ويكمل قائلاً: «على الرغم من التقارير المختلفة التي أشارت إلى إقدام بن لادن على المقاومة ممسكاً بسلاحه لدى دخول عناصر البحرية إلى الغرفة، إلا أنه لم يكن مسلحاً. كان بن لادن جثة هامدة قبل ان يطأ هؤلاء الغرفة.
تلقى بن لادن على الفور رصاصة قاتلة في رأسه. عثرنا داخل الغرفة على سلاحين فارغين أحدهما من نوع «أي.كاي. 47» والثاني مسدس. لم يكن لدى بن لادن عزم على القتال. كان يطلب من أنصاره طوال عقود ان يرتدوا الأحزمة الناسفة أو أن يدمروا الأبنية بطائرات يقودونها إلى هذا الهدف. ومع ذلك، لم يكلف نفسه عناء التقاط سلاحه». ويقول في السياق عينه: «تناثرت الدماء وأجزاء من الدماغ من جمجمته وهو لا يزال ينتفض ويتشنج. في هذه الأثناء أطلقت أنا وزملاء لي رصاصات عدة على صدره بينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. اخترقت الرصاصات جثته مارغة جسده في الأرض حتى توقف عن الحركة».
قول الحقيقة
واضح من هذه الرواية التي يصفها شاهد عيان ومشارك في الهجوم على مسكن بن لادن، أنه يستهدف بالدرجة الأولى تقويض مثيلتها الرسمية التي صدرت مباشرة عن الإدارة الأميركية عقب تنفيذ الاقتحام في الثاني من أيار مايو 2011. ينصّب الكاتب نفسه، في هذا الإطار، «مدّعياً عاماً»، إذا جاز التعبير، يبتغي إحقاق الحق وإعادة الاعتبار إلى العدالة المفقودة. يقف وحيداً في مواجهة الحكومة والقيادة العسكرية ومن لفّ لفهما ليتلو أمام الرأي العام إفادته في هذه القضية. ومع ذلك، هل ينطوي الكاتب حالياً والمقاتل المحترف سابقاً على هذه النوايا في قرارة ضميره؟.
هل سيكون بمقدوره أن يتحمّل وحده مغبة قول الحقيقة واستعادة الصدقية إلى هذا الحدث الذي غيّر كثيراً في معالم التاريخ الأميركي الأحدث؟.
لعلّ في الأمر شيئاً حقيقياً من هذه التساؤلات وتداعياتها. ولعلّ فيه أيضاً شيئاً كثيراً من الحقائق المزعومة في سياق ما سرّب من كتابه ودحضاً للرواية الرسمية، قائلاً: «لقد حظي الهجوم على وصف يجعلها أقرب ما تكون إلى الفيلم السينمائي الرديء الذي بدا للوهلة الأولى مضحكاً لأنه مليء بالأخطاء الفادحة». وينقض تفاصيل أخرى من الرواية الرسمية مؤكداً أن أحداً من جماعة بن لادن لم يطلق النار على عناصر البحرية قبل أن يدخلوا الى المجمّع من بوابته العريضة. لم يحصل أي تبادل لإطلاق النار استغرق أربعين دقيقة. وليس صحيحاً بالمثل «أن بن لادن كان لديه متّسع من الوقت ليحدق في أعيننا».
وعلى الرغم من الثناء الذي يضفيه بيسونيت على الرئيس باراك أوباما نتيجة لإعطائه الضوء الأخضر لشن الهجوم، يقول إن زملاءه في المهمة كانوا يتبادلون المزاح بأن أوباما سيوظف النجاح الذي سيحققونه لمصلحته. وفي ليلتهم الثانية في أفغانستان وهم ينتظرون تلقي الأوامر النهائية، أخذ هؤلاء يتندّرون حول الممثلين الأقدر في هوليوود على أداء شخصيات عناصر النخبة في فيلم سينمائي. وقال «بالطبع إن هذه المهمة من شأنها أن تمكّن أوباما من الفوز ثانية في انتخابات الرئاسة». وقال في موضع آخر: «كلنا يعلم طبيعة الاتفاق. كنّا أدوات، وعندما تجري الأمور بشكل جيد فإنها تحظى بالإشادة. وبغض النظر عن السياسة التي قد تسفر عنها هذه الأمور، فإن النتيجة التي حققناها كانت ما نسعى إليه جميعاً». لعل في هذه التسريبات المبتورة، على الأرجح، وقد وردت في صحيفة «هافينغتون بوست» الأميركية، ما قد يشير الى نفور ما لدى هؤلاء العناصر حيال الرئيس أوباما نتيجة لخلفية سياسية أو لاعتبارات مختلفة لا نفقه منها شيئاً. وقد يأخذنا التساؤل بعيداً، في هذا المجال، عمّا إذا كان القصد من نشرها بالتحديد أمراً يراد منه إشاعة الاعتقاد بأن بيسونيت لم يضع كتابه هذا إلا في إطار الإساءة الشخصية للرئيس أوباما. وهذا ما يتناقض بالفعل مع رأي مختلف لبيسونيت تضمنته تسريبات مغايرة، يقول: «لقد حان الوقت لوضع النقاط على الحروف بالنسبة الى واحدة من أخطر المهمات في التاريخ الأميركي». ومع ذلك، قد لا تبدو الرواية المناقضة في الكتاب من المسلمات «المقدسة». اسوة بالركاكة والنقصان اللذين ظهرا بوضوح في الرواية الرسمية.
على كل شفة ولسان
قامت الدنيا ولم تقعد في دوائر البنتاغون بعد أن أصبح خبر الكتاب على كل شفة ولسان. ويبدو أن وزارة الدفاع بجنرالاتها ومسؤوليها المدنيين قد خلّفت انطباعاً لدى الجميع بأنها كانت آخر من يعلم وأوّل من يستهجن المعلومات الواردة في الكتاب. وكانت وكالة «رويترز» قد بثّت على موقعها الإلكتروني نبأ يفيد بأن الجنرال في البنتاغون جيه جونسون يفكر في مقاضاة صاحب الكتاب لإقدامه على الإخلال باتفاقات تنصّ على التزام الكتمان. وقد تبادر الحكومة الى مصادرة حقوق النشر في حال ثبت ذلك. وكان يتوجب على الكاتب، وفقاً للاتفاقات المشار إليها، أن يحصل على إذن رسمي بالنشر بعد أن يطلع المسؤولون على طبيعة المادة المتضمّنة في الكتاب.
إعلان رسمي من هذا القبيل لا يعدو كونه من ردود الفعل الروتينية التي تمارسها الدوائر المختصة بشيء كثير من الواجب البيروقراطي. علماً أنه سبق لبيسونيت أن أكد الأسبوع الماضي في تصريح لوكالة أسوشيتدبرس، أنه لم يقدم على إفشاء أي من المعلومات الحساسة التي قد تعرّض الأمن القومي للخطر. لا يخيّل إليه، وفقاً لهذا التصريح، أن روايته عن مقتل بن لادن تشكل انقلاباً فجّاً ومباغتاً على مثيلتها الرسمية بحيث تبدو هذه الأخيرة نبأ مقتصباً ممسوخاً ومفبركاً للغاية ومبسطاً الى حد السذاجة مقارنة بروايته. ربما لا يخيّل إليه أنه أسقط، بروايته، ورقة التوت التي يحتمي خلفها البنتاغون، وتتشبث بها الإدارة. وقد يظن في قرارة نفسه أن العاصفة الهوجاء التي أثارها الكتاب قبل صدوره قد مرت بأقل الخسائر أو أفدحها. وإصدار الكتاب في الوقت المحدّد له لن يقدم كثيراً أو يؤخر كثيراً ما دامت المعلومات الأساسية قد أودعت كاملة في روايته التي تناقض نظيرتها الرسمية. ومع ذلك، لن يكون في متناول يده أن يطلق العنان لمخيلته على هذا الغرار.
الكيفية التي قتل من خلالها بن لادن
قد تكون العاصفة هدأت في الشكل بانتظار أن تهبّ ثانية على نحو مدمّر في مكان آخر. وسواء حصل ذلك أم لم يحصل، باتت أمام الرأي العام الأميركي والعالمي روايتان متعارضتان، متناقضتان، غامضتان في طبيعة مكوّناتهما. غير أن كلاً منهما يكمّل الآخر، على الأرجح، أو يزيده إبهاماً. قد يفترقان في الكيفية التي قتل من خلالها بن لادن. الرواية الرسمية تعزو مصرعه الى إقدامه على المقاومة بالسلاح. الثانية غير الرسمية تؤكد أنه قتل وهو أعزل من دون أن يبادر الى استخدام سلاحه، خصوصاً أنه تم العثور على بندقيته ومسدسه مفرغين من الذخيرة. تشير الأولى الى استحالة القبض عليه حياً نظراً الى توافر السلاح بين يديه. توحي الثانية أن الإبقاء عليه حياً بدا أمراً محتملاً بشكل أو بآخر حتى ولو أُصيب بطلقات غير قاتلة. تتفق الروايتان وإن اختلفتا في الظاهر، على الأغلب، على خلوّهما معاً من أي معادلة قد تصلح للتوظيف في ظروف ملائمة تؤول الى اعتقال بن لادن وفي صدره شيء من رمق تمهيداً لجلبه أمام العدالة. وتتفق الروايتان بالمثل على استحالة أن يكلف هذا الفريق من كوماندوس النخبة النادرة في الولايات المتحدة، بالقبض على بن لادن حياً. والأرجح أن هؤلاء بالتحديد لم يتلقوا تدريباً براغماتياً من هذا النوع. فقد صُقلت غرائز هؤلاء لإطلاق النار على الفريسة وقتلها بالطلقة الأولى. ولو أُريد من عملية الاقتحام غير ذلك، لأرسلت البحرية الأميركية فريقاً مختلفاً بالغريزة والذهنية. تبدو الروايتان ضعيفتين، على الأرجح. وقد ازدادتا ضعفاً وغموضاً بالرواية الثانية. لعلّنا نحتاج الى رواية ثالثة.
ثقافة الكوماندوس
ينطوي الكتاب، في تفاصيل ومعالجات متعددة، على تمجيد لثقافة «الكوماندوس». وهي الخلفية القتالية والتربية العسكرية التي تلقاها مات بيسونيت. والملاحظ، في هذا السياق، أن هذا المفهوم المتطرف، بطبيعته، يعوّل على تنشئة قاسية لعناصر النخبة في البحرية الأميركية. ولأن الأمر كذلك، يُلقّن هؤلاء أساليب احترافية تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم كأفراد بمقدورهم اتخاذ القرارات الصائبة بأنفسهم في الأوقات الحرجة. وإن اضطروا الى ذلك فإنه لا يطلب منهم العودة الى مراجعهم العليا، سواء أكانت قيادات عسكرية أم مدنية.
يسهب بيسونيت في التحدث عن المهام التي كلّف بها مع زملاء له في صفوف النخبة، وجلّها من النوع الذي لا مكان فيه للرحمة. إما أن يَقتل وإما أن يُقتل. وعادة ما يمتلئ هؤلاء بأحاسيس الفخر والمجد نتيجة لاعتقادهم أنهم يتفوّقون على سواهم في الجيش الأميركي من حيث قدراتهم الفائقة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة.
اقتبس بيسونيت عنوان الكتاب من عبارة يرددها، على الدوام عناصر النخبة: «ليس يوماً سهلاً»، باعتبار أن أيامهم صعبة ومرهقة وغامضة، وقد يلقون حتفهم في أي مهمة يكلّفون القيام بتنفيذها. وبناء على ذلك، لا يوم سهلاً إلا البارحة لأنه انقضى وأصبح من الماضي. الماضي هو الزمن الوحيد السهل بالنسبة إليهم لأنهم لن يسعيدوا تجربته ثانية. الماضي لن يتحوّل زمناً سهلاً إلاّ إذا تمكن هؤلاء من البقاء على قيد الحياة. وكأنهم يعيشون لزمن ليصبح ماضياً ليطمئنوا الى سلامتهم. الماضي هو الملاذ النفسي الآمن الذي يلجأون إليه لتنفسوا الصعداء. أما الحاضر والمستقبل فيشكلان لديهم مأزقاً مشرعاً على الهاوية.. على الموت المحقق.
يستشف من الكتاب، أن عناصر النخبة هؤلاء لا يقيمون، في العادة، وزناً يذكر أو احتراماً ذا شأن للطبقة السياسية على اختلافها. حتى أنهم لا يستثنون أحداً، على الأرجح، بدءاً من قمة الهرم السياسي الى أسفله. والأغلب أن ذلك يعزى الى عزلة صارمة تحوط بهم من كل الجهات. يمضون أيامهم على إيقاع انتظار ثقيل للأوامر التي ترد إليهم في الليل أو النهار. نهارهم ليل. ليلهم نهار. ولعلهم ينصرفون بين المهمة والمهمة الى تطوير غرائزهم بغية الدفاع عن حياتهم عندما تدعو الحاجة الى ذلك. وما أكثر ما تدعو الحاجة الى الاحتماء وراء الغريزة أو استنفارها أو تفعيلها. لا هامش واسعاً لديهم للتفكير في السياسة وتقاليدها وإجراءاتها. ينبغي عليهم أن يوفروا ملكة التفكير والإدراك لديهم لاستثمارها في مهماتهم القاتلة.
نفى بيسونيت أن يكون المخرج الهوليوودي الشهير، ستيفن سبيلبرغ، قد أثار معه تنفيذ فيلم سينمائي يتناول المهمة التي أدت الى مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن. وكانت مواقع إلكترونية مختلفة قد أوردت من صفحاتها على شبكة الإنترنت أن اتفاقاً جرى بين الطرفين لإخراج عمل للشاشة الكبير يعتمد بالدرجة الأولى على المادة المتضمنة في كتاب «ليس يوماً سهلاً». ومع ذلك، قد يتحقق هذا المشروع بعد أن تهدأ العاصفة القوية التي سببها الكتاب وحمل قيادات عسكرية رفيعة المستوى ومسؤولين مدنيين على أن يغضبوا غضباً شديداً نتيجة للرواية المناقضة التي أوردها بيسونيت في كتابه.
×كاتب وباحث- جريدة المستقبل البيروتية