د. كامل جميل ولويل- ابدأ بهذه الآية الكريمة وهي قوله جلّ وعلا «ألم تر انا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً» وهي من سورة مريم آية 83، ومعنى كلمة تؤزهم هو تهزم وكلا اللفظين يدل على معانٍ متقاربة، فكان لتقارب المعاني اثر في تقارب اللفظين، ولكن يظل لكل لفظ خاصية تجعله يفترق عن اللفظ الآخر، فالهز قد يكون للنبتة او الورقة او الجناح، ولكن الاثر يتعلق بالنفس، الهز اخف في شدته من الأز، فالشياطين تؤز الكافرين ازاً، ترهقهم وتقلب افكارهم وتوجع نفوسهم، انها مقلقة لهم، ومزعجة لهم، ولو تحسس احدنا مخرج الهاء من الحلق ومخرج الهمزة من الحلق لرأى رخاوة في الهاء وشدة في الهمز، ولعلي احث القارئ ان يقول: الله اعلم حيث يجعل رسالته.
وقالوا ترد كلمة الغرب لتدل على الدلو العظيمة لأنهم يغرفون الماء به، ولذلك ربطوا في التقارب بين الغرف والغرب، وقد شبه الشاعر عينيه وهما يذرفان دموعاً بالغربين (أي مثنى غرب) فقال الشاعر:
كأن عينيّ وقد بانوني غربان في جدول منجنونٍ
كانت هذه الألفاظ عادية في حياتهم، ولكننا الآن نحتاج لشرحها حتى نزيل العجمة عنها، كأنها كلمات اعجمية، فكلمة بانوني تعني فارقوني، والبَيْن هو الفراق، والمنجنون هو الدولاب، ارأيت كيف تقارب اللفظان غرب وغرف، كلا اللفظين للماء، او نقل الماء من موضع الى موضع، والحرفان الباء في غرب والفاء في غرف متقاربان جداً، وقد اوجب تقارب هذين المعنيين الى تقارب اللفظين، وذلك سر جميل من اسرار هذه اللغة الشريفة.
وانظر الى هذين المثلين لأحد اللغويين المتمرسين، قال: قرمت انف البعير، وقلمت اظفري، كلا اللفظين متقارب مع الاخر في المعنى، فانت ضربت البعير على انفه فجعلت فيه حزاً كالجرح الدائم، وانت قلمت اظفارك اذ قطعت جزءاً منه، فهنا انتقاص من الجلد وانتقاص من الظفر، ان الحرفين الراء واللام متقاربان، وكان سبب التقارب هو تقارب المعنَيْين، ولذلك قاسوا الكلمتيْن: جَرَف وجَلَفَ على الكلمتين السابقتين، فالجرف معروف وهو انتقاص التربة او ما يشبه ذلك، والجلف انتقاص القلم، فاذا قالوا جلفت القلم عَنَوْا بذلك انهم اخذوا شيئاً منه، وقد ادى تقارب الحرفين الراء واللام الى تقارب المعنييْن او العكس، وجرى هذا على لفظ جنف، فان النون متقاربة مع اللام والراء، فاستعملوا كلمة جنف للانتقاص من الحق، او الميل عن الحق كما املت من قبل الشيء الذي جرفته، نشكر الله تعالى على تعليمنا لغة القرآن الكريم، فالعربية نعما هي.