إنّ رقي أي أمة مرتبط سلباً أو إيجاباً بمدى التربية التي تلقاها الناشئة من الناحية العاطفية والفكرية والمسلكية والأخلاقية، ولن تتقدم الأمة في معارج الرفعة إن لم تتوسع آفاق أجيالها الفكرية والوجدانية والنفسية والإنسانية، ومن أعظم شروط رقي الأمة وصول الناشئة إلى وحدة الهدف والغاية ضمن منظومة الجوامع الأخلاقية المشتركة، ولا يمكن أن يتم رقي صحيح وسليم في مجتمع لم يُوحد أفراده بل انقسموا شيعاً وطوائف وفرق متناحرة .
إذا رغبت الأمة الحية ذات الرسالة الخالدة الجامعة أن تقدم خدمة للناشئة فلا بد أن توفر محاضن التربية الموحدة المستندة إلى المرجعية الألهية والمستمدة من عمق الثقافة العربية الإسلامية التي حافظت عبر قرون عدة على الأصالة والجوهر وصانت مسيرة الأجيال المتعاقبة حتى نشأ الجيل القرآني الفريد الذي لم يتخبط يوماً في متاهات الإيدلوجيات الحاقدة على منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية الرفيعة، أما الأجيال التي نشأت في ظل تربية متعددة الألوان وغذيت بثقافات مختلفة ومتعددة فقد انقسمت إلى معسكرات فكرية متعادية عانت المرارة ولم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، بل انهارت وذابت ولم تقدم للعالم سوى تجربة فاشلة مأفونة.
الأمة ذات الأفكار والمبادئ السامية تقدم أفكارها الصالحة، وتصوراتها من خلال مرجعيتها بعد أن تعزز أفكارها النيرة بأدلة تدلل على صدق غاياتها وقدرتها على صنع النسيج الفكري والإجتماعي المتماسك، بحيث يجد الناشئة هذه الأفكار وتلك الرؤى جاهزة للحوار وبعدها القبول والرضا أو التصويب أو الرد، ولن تنجح هذه الأفكار إلا إذا تضافرت جهود القوى الخيرة من كافة أبناء الأمة لتحقيق الأهداف المرجوة معاً في هذا السبيل، والعلم سيد الحكمة والموقف، لأن التربية الصالحة والأفكار الصحيحة لا تجد طريقها إلا بالعلم النافع لإسهامه في التخطيط والبرمجة، وبدون ما ذكر يحكم على كل جهد بالفشل.
إنّ نجاح رقي الأمة مرهون بمرجعيتها لما قدمت من أفكار ورؤى لإدخال مزيد من التحسينات أو التطوير لما ينبغي اعادة النظر فيه نظراً لتطور وتغير حياة الناس من عصر لآخر، ولا تجمد الأمة على فكر وتوجه واجتهاد أصبح محل نظر عند العلماء والمفكرين، ولا تكتفي بما وصلت إليه، بل تحاول إيجاد الوسائل والطرائق التي تؤدي إلى الأفضل والأحسن، لأن سمة الأمة الصالحة المحافظة على الثوابت التي تستمد منها ديمومتها، والإنطلاق مع كل عصر في تطوراته ضمن الأطر المشروعة التي توافق عليها الكافة ولا تخرج عن النهج القيمي للأمة، لإيجاد البدائل الكفيلة بنهوض الأمة وإقالتها من عثراتها، حتى لا يتهاوى الكيان وتنحط تربية الأجيال.
ومع أهمية انتشار القراءة والكتابة ووسائل التواصل الثقافي والإجتماعي، ودورها في رقي المجتمعات إلا أنه إن لم يتم تربية الأجيال بثقافتها العربية الإسلامية وحسب اتجاه معلوم يقود إلى الخير في الزمان والمكان، فمن الصعب بلوغ النتائج المرجوة، والأمة التي لها عمق حضاري وتاريخي وعلمي لا بد وأن تفيد من ثقافات وحضارات وعلوم ومعارف وتجارب من سبقها، لأن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهذا أحق بها.
[email protected]