د.حمدي منصور - لعلَّ سؤال الثبوت والتغيُّر في أوضاع العالم العربي، يكون محلّ عناية وتجاذب بين المحافظين والمعياريّين بصرامة، والوصّافة والنقّاد بإسماح.
وفي ظل هذه التحولات وجد الشعراء في الشعر السبيل الناجح للتعبير عما يختلج في نفوسهم من مشاعر الإعجاب والحبور أو الغضب والحزن؛ فالشعر بلسم أرواحهم يتنسمونه في ساعات الصفاء والكدر، والراحة والعناء.
والشعر، نبوءة فنية ووجدانية عميقة، ويوم قال الشاعر التونسي: «إذا الشعب يوما أراد الحياة...»، لم يكن يدرك في حياته، أن قصيدته هاته، ستكسر صخرة الواقع العربي الصلبة، قصيدة تغنى بها العرب، ليسقطوا بها العديد من أوجه الاستعمار، وليعيدوا نفحة الحياة من جديد في ظل هذه التحولات العربية الجديدة.
يشاء «مكر» التاريخ، أن تبدأ الثورة العربية في رحم التربة التي ولدت أبا القاسم الشابي، وتشاء الصدف أيضاً أن تصدّر تونس، شطرها الشعري الأول، وما يليه، مصحوباً باستشهاد محمد البوعزيزي، إلى ربيع الثورات العربيّة الذي لمّا تُعرف نهايته، حتى أضحت تلك الدفقة وَلوداً في اللاوعي الجمعي العربي؛ من حيث التماهي معها أو التبصّر بنتائجها أو الاستضاءة ببريقها، لعلّها جاورت أخاديد مُترَعة بالحرمان والقسوة فشَفَت قليلاً من الوَجْد. لكل الساحات العربية، من أجل الحلم، بل من أجل الحق في قول لا.
فالشعر، في ضوء ما تعيشه مجتمعاتنا العربية من تحولات، كان وما يزال حاضراً، بشكل بعثت فيه الحياة من جديد.
ومن الشعراء الأطباء الذين برعوا في الشعر، مثلما برعوا في الطب ووجدوا انفسهم فيه؛ د.أيمن عارف زايد؛ الذي لمح قواسم مشتركة بين الطب والشعر, فاليد التي تحمل مبضع الجراحة, تعرف كيف تمسك القلم, كي تصوغ شعراً صافياً, تفوح منه رياحين الجمال وفتنة السحر والدلال, كما أتاح له إدراكه للشعر فرصة التعرف على الألم الإنساني بمفهومه العام واكتناه أسبابه؛ والشعر، عند هذا الشاعر، أنشودة الحياة، والأخيرة لا تتأتى إلا من رحم الحراك/العراك، المولد من الرغبة في الموت/الحياة.
ولا بد، وفي ضوء هذه الثنائيات المتساكنة/ المتماسكة، من خلخلة الشعر للوجدان العربي، هذا الوجدان الذي يُعقلن اليوم ديمومته، كبقية الوجدانات الإنسانية الأخرى التي سلكت مسلك التنوير عبر التثوير.
لذلك كتب قصيدته «ثورة مصر على فرعونها» الذي قال له شعبه: «اصلحْ، فأبى أن يكون من المصلحين... ألا بُعداً لمبارك، وبعداً لزين العابدين». إذ لم يمض شهر على انتفاضة تونس حتى خرجت الثورة في مصر خروج الوردة من أكمتها، خرجت الثورة من الحواري الفقيرة، ومن أحلام العاطلين المجهضة، ومن شباب الطبقة الوسطى، الذين ظُنت بهم الظنون، وادُّخِروا لأدوار ليس من بينها السياسة والانشغال بالهم العام، يقول:
يا ثورةً بدم الحريّة انْطلقت
الظلمُ أنطقها والقهر والدَّجَلُ
كم بات أصحابُها في ذلّ مخمصة
ترقّ رُحماً لها الأحجارُ والجبلُ.
خرجت الثورة في مصر من أمة ضاقت بحاضرها، وخافت من مستقبلها، وَفَرَّتْ كثيرا إلى ماضيها، به تتعزّى، وتأخذ العِبَر، أمة كان قدرها أن تكون قائدة ورائدة، فرأت نفسها في ثلاثين سنينها الخالية يتراجع شأنُها بين العالمين، ويضجّ مفكروها ومثقفوها بالشكوى، يقولون: ليست هذه مصر التي نعرف:
مصرَ الإباء سلام الودّ أغنيةً
عليك والرَّوحُ والريحانُ والرفلُ
... مصر الحضارة والتاريخ هل عرفا
مصراً كمثلك فيه الدهر يرتحلُ
... مصر الدُّنا والهوى يا بلبلا طربتْ
له العروبةُ والأزمانُ والدولُ.
وكان حصيلة ثلاثين عاما من حكم مبارك أن تردّت السياسة، وافتقر المواطن والوطن، واتسعت أحزمة الفقر، وتزايدت جيوش العاطلين، وانسدت الآفاق في وجه الملايين من المصريين، الذين وجدوا أنفسهم تحت خط الفقر.
سمّوك (حسني) فإن تعجب فذا عجب
والقبح أنت وسوء القبح والنَّغَلُ
جوْساً بمصر وأكثرت الفساد بها
كأنّما قلبك الخاوي به ثملُ
موسى بها خلع النعلَيْن تكرمةً
وأنت رُحتَ عباد الله تنتعلُ.
وفي ربيع الثورات العربيّة ثمّة تدرّجات مرحليّة تشفّ عن وعي القائمين بها بِمَا حولهم؛ فإلى جانب الاعتزاز بالموروث التليد المُغرِق في القِدَم، توجد المُثاقَفَة بالحاضر المُبتَكَر، هكذا بين أصالة وتجديد تمضي الثورات العربيّة وفق أهذب مناهج السلوك الإنساني في التعبير عن العواطف والمشاعر والرؤى.
ونحن إذ نرمي ثورات الربيع العربي بوسم «الراقية» -بآية ما ظهر فيها من تَحالم وتَسامح وتَطالب بإرفاق- ننزّهها عن كلّ ما شابها من ظلمة حالكة رانت على أذهان كثيرين قرنوا العرب بوصف الهمجيّة حيثما ورد.
فالعرب حتى ثوراتهم -التي قد تثوي الغطرسة والخراب والاحتراب- تبرئهم من كلّ دنس أو نقص أو شائنة من ذلك القبيل.
لذلك لم يتوقف الشاعر عند وصف الربيع المصري، بل راح يترقّب نتائج الثورة، ويجيب عن التساؤلات المتتالية التي تطفو على السطح محاولة غمط هذه الثورات شأنها، من قبيل: هل استردت مصر بانتصار ثورتها المكانة اللائقة بتاريخها وبحضارة شعبها؟ ثم أي تأثير لها على الجوار الشقيق؟. يُقال إن نهر النيل قد كفَّ منذ ثمانينيات القرن الماضي عن فيضانه السنوي أو تراجع، لكنه عاد أخيرا ليفيض بدلا من المياه شباناً من لحمٍ ودم عاهدوا أرضا محروثة على أن ينهوا سنيهم العجاف، يقول في قصيدته «يوسف قدّ قميصه من قُبُل»:
سيعلم جمع الناس يوم قطافها
أخيّ من المسحور طيراً مُزحلفا
فكيف إذا ألفَوا مذاق ثمارها
يُقطّع أمعاء ويُدمي مشفشفا
هنالك يَجلو كلّ مرء فؤاده
ويعلمُ أنّ الزّرع كان مزيّفا.
وكان زايد يسترفد النظر بالقرآن الكريم بوصفه مصدرا من مصادر الصورة الشعرية عنده؛ فأثرى شعره بمادة فنية مستوحاة من آيات القرآن الكريم والقصص الديني فيه، يقول:
ألمْ ينادِ «أليست مصر لي» أبداً
من تحتي الأنهر الغنّاء تحتفلُ
«وما أريكم إلا ما أرى رشداً
«بل ما علمتُ لكم ربّاً سواي فما
أهديكُمُو غيرَ حُسن الخير يقتبلُ».
ولعلّ اعتماده على القصة الدينية يُعزى إلى تركيز الشاعر على إبراز الصراع الذي لا يقوم إلا بالاعتماد على الشخصيّات، وشخصيّات القصة الدينيّة التي يتناصّ معها -خصوصاً أبطالها- شخصيّات مثاليّة، تتناسب في بعض أهدافها مع رؤى الإنسان العربي الذي يسعى بمثالية للوصول إلى أهدافه. لعلّه يبلغ مراده.
ويبرز ملحظ آخر في شعر زايد يتمثّل في اتّكائه على ظاهرة التكرار؛ بوصفها من أهمّ الأسس الفنيّة المساهمة في إغناء إيقاع القصيدة الحديثة؛ فإعادة كلمات معيّنة يوحي بأهميّة ما تكتسبه تلك الكلمات من دلالات؛ إذ يحوي إمكانات تعبيريّة تتجسّد في إثراء المعنى، كما تكمن أهميّة التكرار في ذلك النغم الموسيقي الممتع والمثير، الذي ينضاف لخلق قيمة معنوية للألفاظ بما تكتسبه من دلالات إيحائيّة لها علاقة بذات الشاعر؛ فالتكرار يعبّر عن مدى اندغام الشاعر بالفكرة وتشبّثه بها، تشدّ المتلقّي، وتحمله على التأمّل، وترسّخ الإحساس في نفسه. يقول الشاعر في وصفه مصرَ وأثرها في دول المشرق العربي:
إذا غَرِدت فكلّ الشرق في جَذَلٍ
وإنْ ألمت تداعت نحوه العِلَلُ
يا بلبل الشرقِ في آفاق عزّته
الشرق أنت وأنت الشرق يكتحِلُ
يا بلبل الشرق كم كادوا وكم مكروا
يبغونك الشّطط العِربيد كي يصلُوا
ودّوا وباريكَ لو تبقى على سَفهٍ
إنِ ابتُذلتَ فكلّ الشرق مُبتذلُ.
ووردت الصورة الفنية على نحو مكثّف في قصائد زايد؛ بوصفها أكبر عون على تقدير الوحدة الشعرية، أو على كشف المعاني العميقة التي ترمز إليها القصيدة؛ فالصورة عنان الشاعريّة، وهي التي تُميّز شاعراً من آخر، ويُقاس نجاحها بمدى التأثير الذي تُحدثه في نفسيّة المتلقّي، وبمدى مقدرتها على نقل الأفكار والعواطف. حتى تنطبع في الأذهان، وتستقر في الأعماق، ومن الصور الشعرية المتألقة التي توسّل بها زايد في شعره يصف الربيع العربي وتدفّقه في الدول دون توقف:
ربيعُكمو زرعٌ تميدُ وُرودُه
هوىً يُعجبُ الرّائين مَرْأى ومُشْرَفا
إذا ما رَأوْهُ بُكْرَةً أخِذُوا به
ولم يجدوا عنه من الحُسْن مَصْرِفا
ولكنّهُ يُسقى بمـاءٍ منافقٍ
تموجُ سُموم الخُبْـث فيـه لِتُقْذَفَا
أراها فتعلـوني شُجونٌ فأقتفي
تدفُقَ مجـراها فأكبـو تأسُّفا
وأذكرُ ما بالقومِ من غفلةِ الهوى
فـازدادُ غمّاً يكفهـرُّ تخـوّفا.