كان في أمة العرب, لدى انطلاقتها في الارض بعد اسلامها, هاجسان قويان ما اجتمعا في أمة الا وكفلا لها ان تبلغ غاية المجد, وهما هاجس المعرفة وهاجس التنقل والاسفار واكتشاف الدنيا..الهاجسان معاً يعززهما كتاب الله الكريم الذي يأمر الانسان بطلب الحق, وانتهاج سبل الوصول اليه, كما يأمره بأن يسير في الارض طلباً للاعتبار, وللنظر في مآلات الامم السابقة, وسعياً في مناكبها.إن الارض كلها للمؤمن مسجد وطهور, وكل ظهور على حقائق اقطارها وأممها هو اطلاع على آيات الله سبحانه..يقول الله عز وجل فيما ينبغي لنا تأمله من تعليم الهي واجب الفهم والتطبيق:«أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم وأشد قوة واثاراً في الارض» (غافر 82).ويقول سبحانه: «قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق» (العنكبوت 20).كما يقول تعالى: «أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» (الحج 46).ويقول عز من قائل: «قل انظروا ماذا في السماوات والارض» (يونس 11).ولقد فهم العرب الذين تنزّل القرآن بين ظهرانيهم هذه الدعوة الربانية باتباع اسباب المعرفة, فضربوا في فجاج الارض يتعرفون الى الامم والبلدان, واستنبأوا التاريخ عن علوم الأمم الماضية, وابدعوا قبل ذلك مناهجهم في النظر والتحقيق وفي قراءة المتون والاسانيد, وفي تجارب العلم, وفي عمارة الارض. وكانوا في جملة حضورهم التاريخي رحمة للعالمين..وعلى أننا لم نحقق بعد ما يقارب عشرين مليون مخطوطة من بقايا تراثنا (العلمي والادبي والفقهي والكلامي والفلسفي), هذا التراث الهائل الذي دمرت معظمه غزوات المغول والصليبيين (القدامى والمحدثين), فإن ما تحدّر الينا منه يترجم عن هاجس معرفي اصيل وهمة طموح عالية، تباعدت بها جهودها المثمرة بعد ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة وما لأرسطو من منطق وعبارة وسياسة وما ورائيات، دون ان يغيب عن الذهن والوجدان ما تستشعره الامة الوسط الشاهدة من مسؤولية اخلاقية، بعكس ما نرى اليوم من حضارة الغرب التي تسخر هاجسها المعرفي لقهر الآخرين واستعبادهم، ولتدمير البيئة، ولاستنزاف مذخورات الطبيعة، دون وازع من خلق او ضمير، ودونما اعتبار لمآلات هذا التجبر الارعن او لما سيتولد عنه من كوارث مُبيرات..لقد توارى الهاجس المعرفي في أمة «إقرأ» خلف اطياف من الغفلة والجهالة، وطبائع الاستبداد التي تنزل بالناس الى مرتبة العجماوات. وبعد ان كان العالم الاسلامي معرضا للكتب وسوقا متراحبة للورّاقين، ممتدة من اطراف الهند الى شواطئ الاطلسي، صار العرب والمسلمون اليوم اندر الناس قراءة وبحثا، واستمرأوا كسل العقول وضعف الارادات، واصبحوا - الا من رحم ربك - قوما بورا ممحلين، وساء ذلك سبيلا.ان الجديد المُكتشف عندنا اليوم هو ما يترجمه لنا المترجمون عن الآخرين، وان ما نندفع فيه من شؤوننا كافة هو ما نوزع فيه بأمر من هؤلاء الآخرين، ولسنا نهجس اليوم بشيء الا ما يوحون به الينا، فان يكن ثم افراد متباعدون في اوطاننا ما يزالون مستمسكين بعهده «إقرأ» فهم في كبد واعنات، بل في عذاب واصب وغربة قاتلة.ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
فقدان الهاجس المعرفي
12:00 9-4-2012
آخر تعديل :
الاثنين