إخضاع الاستيطان لمجلس حقوق الإنسان

إخضاع الاستيطان لمجلس حقوق الإنسان

قرار دولي هام اتخذه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أواخر شهر آذار الماضي يقضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية حول بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ومدى تأثيرها على حقوق الفلسطينيين المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويعد هذا القرار الذي وافقت عليه ثلاثون دولة مقابل معارضة دولة واحدة، بمثابة رسالة من المجتمع الدولي إلى إسرائيل بأن الاستيطان برمته غير شرعي وينبغي التوقف عنه كلياً، وسيتبين للجنة التحقيق أن الاستيطان يشكل تحدياً إسرائيلياً للإرادة الدولية ويتناقض تناقضاً كلياً مع مبادئ القانون الدولية وقرارات الشرعية الأممية، إذ يعد سلاحاً مدمراً تستخدمه إسرائيل للقضاء بواسطته على سائر مبادرات ومرجعيات وفرص الحلول السلمية، ولسلب ما تبقى من أرض فلسطين ونهب ممتلكاتها والحيلولة دون إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة عليها وفق حل الدولتين، بعد أن تضاعف عدد المستوطنات الكبرى في القدس والضفة الغربية وزاد عن مئة مستوطنة يقطنها دون وجه حق نصف مليون مستوطن صهيوني يستبيحون مياهها وأشجارها وطرقاتها ودورعبادتها ويعتدون على إنسانها، ولا بد أن تستذكر اللجنة الدولية القرار الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في (9 أيلول 2004) وأعلنت فيه أن الأراضي التي تمت السيطرة عليها نتيجة حرب 1967 بين إسرائيل والأردن هي أراضي محتلة وأن إسرائيل تظل سلطة احتلال وتتحمل بالتأكيد المسؤولية المترتبة على سلطة الاحتلال بموجب القانون الدولي، وحكمت المحكمة بأن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية تشكل انتهاكاً للقانون الدولي، ومن شأن المساحة التي تشغلها مع مسار الجدار الفاصل أن يشكلا عائقاً قوياً أمام حق الفلسطينيين في تقرير المصير.وكل ذلك يضع إسرائيل تحت مجهر الخارج على القانون والذي ينبغي ردعه وإيقاع العقوبة الدولية عليه جراء سلوكه وتصرفاته المرفوضة أممياً، ولذلك فإنها أعلنت قطع علاقاتها مع محامي حقوق الإنسان وعدم سماحها بزيارة لجنته التحقيقية للضفة الغربية، كما هددت بفرض عقوبات اقتصادية على السلطة الفلسطينية وعدم تحويل المستحقات الضريبية إليها، ووصف رئيس وزرائها (بنيامين نتنياهو) لجنة التحقيق الدولية بأنها لجنة نفاق لا أكثر ولا أقل، بينما توجه نائب وزير خارجيتها (داني أيلون) صوب واشنطن لإقناع الإدارة الأمريكية بمساندة إسرائيل على إحباط عمل اللجنة الدولية وإفشال مهمتها.إن الفلسطينيين يدركون تمام الإدراك المخاطر الجسيمة التي يمثلها الاستيطان والذي عن طريقه تسحب إسرائيل بساط أراضيهم من تحت أقدامهم، لذلك لم يتركوا وسيلة إلا ولجأوا إليها للتصدي لعدوانية هذه الأمة السرطانية، فهب فلسطينيو الداخل ليعلنوا بإصرار تشبثهم بأرض وطنهم ويقاومون عمليات الاستيلاء عليها وقد جعلوا من الثلاثين من آذار كل عام يوماً للأرض يعلنون فيه حقهم في البقاء على ثراها، يُساندهم أشقاؤهم العرب ونشطاء حقوق الإنسان في التضامن معهم عبر المسيرات الشعبية المنددة بالاستيطان واستمرارية الاحتلال، وفلسطينيو الضفة متماسكون في وجه المستوطنين ويحبطون تعدياتهم على أراضيهم ومزارعهم، وأهل الخليل يخوضون صراعاً قانونياً مريراً ضد تهويد بلدتهم القديمة واستيلاء المستوطنين على بيوتهم ومحلاتهم التجارية ويلجأون إلى محامي لجنة إعمار الخليل لتقديم اعتراضات قضائية إلى المستشار القانوني لسلطات الاحتلال وإلى المحكمة العليا الإسرائيلية، وينجحون أحياناً في استرداد حقوقهم، والسلطة الوطنية تتحرك على صعيد المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها لكشف عدوانية الاحتلال وتعديه على حقوق الفلسطينيين، وتعتبر إسرائيل ذلك على لسان داني أيلون بأنه تعبير عن استراتيجية المواجهة التي يتبعها الفلسطينيون وإرهاب سياسي ضد إسرائيل ينتهجه رئيس السلطة الوطنية محمود عباس على صعيد المنتديات العالمية بهدف فرض إجراءات أحادية الجانب عليها، ويهدد أيالون بأن إسرائيل ستعمل على إحباط تلك المحاولات الفلسطينية، ورغم تهديدات حكومة التطرف اليميني العنصري في إسرائيل، فإن شعب فلسطين لن يتوقب عن المطالبة بحقه المشروع في استعادة أراضيه المحتلة والتصدي للاستيطان اللاشرعي الذي يحاول ابتلاعها.