نشأنا على احترام وتصديق الكلمة المطبوعة باعتبارها مصدراً موثوقاً للمعلومات، لا يمكن ان يخالطها الشكّ،و لكن الزّمن تغير في ظلّ الثورة المعلوماتية والطغيان الهائل للتكنولوجيا التي تتطوّر باستمرار، تقلص دور المطبوعات الورقية واتجهتْ الأنظار وتعلقتْ القلوب بالشبكة العالمية للمعلومات حيثُ الكم الهائل من المعلومات المتاحة بسرعة ويسر وبأقلّ تكلفة.
ثمة ظاهرة مؤسفة ومؤلمة تتمثّل في اعتماد المتلقين على ما يقرأونه عبر الانترنت وهجرهم الكتاب وظنهم ان كلَّ ما هو موجود على الشبكة في المنتديات والمواقع والرسائل الالكترونية يحوي معلومات صحيحة ودقيقة ،يتخذونها بصفتها من المُسلَّمات فيصدقونها ويضيفونها الى رصيد ثقافتهم، ويسعون لتعميمها ونشرها ونقلها لأبنائهم وبعض هذه المعلومات مغلوط وغير صحيح ولا يستند الى حقيقية علمية ويخالف أحيانا ابسط مبادئ المنطق والعقل،ويتّصف بالسذاجة لا بل إنّ بعضها يستند على مُعتقد راسخ ، ليتسرّب الى العقول ويجعل ما جاء به من خزعبلات يبدو وكأنه حقائق مثبتة لا يطالها الشكّ ،لا بل كل من تسول له نفسه بالتساؤل عن مدى صحتها تنقصه المعرفة والثقافة والإيمان!
كيف ننسى بأنّ الانترنت مدى واسع ومفتوح وهو متاح للجميع على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم ومقاصدهم؟ والجميع قادر على نشر ما يشاء والوصول الى متلقين كثروا او قلوا؟ وما يُنشر غير خاضع لجهة رقابية مُتخصصة لمتابعة الصحة العلميّة او اللّغوية او حتى الأخلاقية؟! والتّحقّق من صحة المعلومة مسؤولية المتلقي والباحث لتمحيص ما يرى ويقرأ والبحث عن مصدر موثوق قبل ان يسارع الى التصديق، وعليه ألا يغفل بأنّا نعيش في زمن لم تعد فيه الكلمة المطبوعة وحدها موضع تشكيك فحسب، حتى الصورة التي تراها إمامك قابلة للتشكيك وغير مصدقة بالمطلق! وانّ الأمثال الشعبية التي حفظناها عن تصديق ما نراه تحتاج الى تعديل وباتت هي الأخرى موضع شكّ!
هناك من يسعى بحسن نيّة ربما-وحسن النيّة وحده لا يفيد-الى نشر ما يرى بأنه غير مُضرّ لتقريب وتحبيب مُعتقد ما هو بحد ذاته نبيل، لكنه بتفسيره له بما لا يستند لحقيقة علمية وبما لا يخدم الحقيقة، تصدقه فئة غير قليلة لا بل تجدهم يتحدثون بطريقة تدعو للرثاء ،رثاء ما وصل إليه حالنا الثقافي وما انحدرتْ إليه درجة الوعي لدى البعض، وثمة إجابة جاهزة وقاطعة لقطع أيّ نقاش او أيّة نصيحة «قرأتُه على الإنترنت!!»فهل بات الانترنت أبو العُرّيف في عصرنا؟ صحيح بأنّه مصدر للمعلومات والبحث،لكن هل كلّ ما يُنشر عبره صحيح وخال من المغالطات المقصودة وغير المقصودة؟! وليس ثمة رقيب ودليل إلا منارة العلم وتحكيم العقل وبوصلة الوعي قبل تبني المعلومة ونشرها والإسهام بانتشارها.
إنّ نشر وانتشار المعلومات المغلوطة أمرٌ مُخزٍ في زمن العلم والتطوّر الحضاري المذهل ،وانّ الاعتماد على الانترنت بصرف النظر عن الموقع ودون التحقق من المعلومة وإخضاعها للعقل والبرهان أمر مثير للتساؤل والشفقة وهو عَرَض من أعراض التعلّق المرضي بالانترنت الذي أصبح ينافس أمراض العصر، وإشارة غير صحية لاندفاعنا للجانب السلبي ونأينا عن الجوانب الايجابية في الثورة المعلوماتية، ويتطلّب منا حملة إعلامية توعوية تبدأ بالنشء الواعد من طلبة المدارس لغرس بذرة الوعي ونعمة التمييز لديهم ،انّ ثقافة الانترنت مهما بدتْ برّاقة وواسعة تظلّ منقوصة إن تمَّ تلقيها دون تعقُّل وتمحيص وحذر!
[email protected]