لم تنتظر الجماعات الاسلامية في مصر طويلا لتكشف عن طبيعية العقلية القادمة لحكم المحروسة، فقدمت خلال بضعة أيام ثلاث إشارات تفصح عن الذهنية التي تسيطر على حوالي 72,5% من أعضاء مجلس الشعب المصري (إخوان مسلمين ممثلين بحزب الحرية والعدالة/235 مقعدا وسلفيين ممثلين بحزب النور/121 مقعد من أصل 498 مقعد).
الأشارة الأولى: مطالبتها ،أي الجماعات الدينية، بوقف انتاج مخبوزة «الكروسان» التي تأتي عادة على شكل هلال، بدعوى أنه لا يجوز أكل الهلال وهو رمز اسلامي! دون أن يحددوا موقفهم من فاكهة الموز التي غالبا ما تأخذ نفس الشكل، ولا يستبعد أن يمنعوا دخوله أو زراعته في مصر أو قد يجدون طريقة لتغيير شكله باختراع قوالب تجعله مستقيما أو دائريا أوهرميا مثلا أو أي شكل باستثناء الهلالي أو ربما تحريم أكله!!
والإشارة الثانية: ما قامت به مجموعة من الطلبة الاسلاميين والسلفيين في جامعة القاهرة بإرغام الرئاسة وقف عرض الفيلم الإيراني «إنفصال» separation A للمخرج وكاتب النص أصغر فرهادي الحائز على العديد من الجوائز في العالم واخرها كان جائزة «الاوسكار» كأفضل فيلم اجنبي غير ناطق باللغة الانجليزية وهو فيلم اجتماعي يتناول واحدة من القضايا اليومية التي قد تواجه أي زوجين أي الانفصال أو الطلاق، ويعالج الفيلم الموضوع من الزاويا الاجتماعية الانسانية والقانونية والمعاناة التي يتعرضان لها وخاصة بوجود ابناء، والعمل لم تتخلله أية مشاهد أو حوارات تخدش الحياء العام وكافة النساء اللواتي ظهرن فيه كن متسترات ورؤسهن مغطاة.
فرض منع عرض الفيلم هو شكل من أعمال القهر والارهاب الفكري من جماعة امتطت صهوة الحراك الشعبي المصري وحاولت أن تدعي «الحرية» و»الديمقراطية» وفي وقت يحاولون يوميا ومن خلال وسائل الاعلام الترويج لإدعاءات مدعاة بأنهم صوت للحرية وإن كانوا غالبا ما يتورطون بالكشف عن زيف هذا الادعاء برفضهم للديمقراطية باعتبارها تتعارض والشريعة، فعلى أحدى القنوات اللبنانية رفض ممثل لهذه الجماعات وجود مجلس تشريعي بدعوى أنه لا يحق للبشر التشريع وأن الديمقراطية بدعة غربية ضالة ومضللة.
والإشارة الثالثة: رفض جماعة حزب النور السلفي الوقوف دقيقة حداد على وفاة الانبا البابا شنودة الثالث بطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر، الذي رفض مرافقة السادات في زيارته الى القدس عام 1977 واتخذ موقفا رافضا لإتفاقية كامب ديفيد وحرّم على ابناء طائفته زيارة القدس طالما هي تحت الاحتلال الصهيوني، وأعلن السلفيون تحريمهم تعزية الأقباط بوفاته ، وتعمد بعضهم التغيّب عن حضور الجلسة الخاصة بالتأبين، ناهيك عن الحملات البشعة التي شنها بعض الاسلاميين في مواقعهم على الشبكة العنكبوتية.
هذه الوقائع، وأخرى كرفع قضية تكفيرية ضد الشاعر المصريّ الشعبي أحمد فؤاد نجم، وقبلها تقديم الممثل عادل امام للمحاكمة على أعماله السينمائية، ترسم حقيقة أن هذه التيارات «الباطنية» التي تتحكم بها عنجهية القوة تدفع باتجاه صياغة منفردة للمشهد السياسي والاجتماعي والثقافي لأم الدنيا وإقصاء القوى السياسية والمجتمعية التي كان لها الدور الحقيقي في الثورة.