ديمقراطية ناقصة في ربيع مرتبك!

ديمقراطية ناقصة في ربيع مرتبك!

رغم التغيرات السياسية الرئيسية التي حدثت في دول الربيع العربي،الا انه ليس من الجائز حتى الان، القول ان هذه التغيرات قد وضعت هذه الدول في خانة الدول الديمقراطية، التي تمتلك مواصفات الديمقراطية الكاملة والمستقرة، كما هي في الدول الغربية، باعتبارها النموذج الذي تتطلع اليه الشعوب العربية، وتسعى لمحاكاته حضاريا.فالديمقراطية الكاملة لا تتحقق بالوقوف على قدم واحدة، يتم فيها التركيز على القدم السياسية، دون ان تتوفر الفرصة لتحقيق اركان اخرى لاتقل اهمية، وهي الاركان الاقتصادية والاجتماعية، او ما يسمى بالديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية الاجتماعية، باعتبارهما جزءا اساسيا من مكونات الديمقراطية الكاملة.لم تحافظ الدول الغربية على ديمقراطيتها بضمان الحقوق السياسية لشعوبها فقط، بل بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الظروف الاقتصادية التي جعلت شعوبها تشعر كليا في معظم الاحيان، وجزئيا في حالات استثنائية، انها تعيش في ظل دولة تقوم بوظائفها وواجباتها المنصوص عليها في العقود الاجتماعية المكتوبة وغير المكتوبة.التقارير الدولية تقول، ان دول الربيع العربي تحتاج الى وقت طويل، قبل ان تحقق انجازات اقتصادية واجتماعية كافية لاقناع شعوبها، بان الاهداف الرئيسة للثورات قد تحققت، وان الوصول الى المستوى الذي تستطيع ان ترى من خلاله طريقا مستقرا وواضحا للسير الى الامام، قد بات في متناول اليد.ولم تكن الاسباب السياسية وحدها، هي التي ادت الى قيام هذه الثورات، بل تقدمت الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية صفوف الثورة. وكان محمد البوعزيزي قد قرر ان ينتحر بحرق نفسه، بسبب الضغوط الاقتصادية، وغياب العدالة الاجتماعية، ثم لبست بعد ذلك الثورة لبوسا سياسية.وعلى هذا فان اسباب الثورة ما زالت قائمة رغم توفر ملامح لتوفر ديمقراطية سياسية.وعلى الرغم من مرور عام على سقوط الانظمة في دول الربيع العربي، فان التجربة السياسية ذاتها مازالت مرتبكة وغير مستقرة، ولم يتم التوافق على الخيارات السياسية الداخلية والخارجية بين المكونات السياسية الرئيسية في هذه الدول، التي ما زالت تتصارع حول شكل الدولة ومدنيتها او دينيتها، وباتت نتائج الانتخابات التي اجريت في ظروف انفعالية، مبررا لفرض وجهة نظر احادية تشبه الى حد كبير الاحادية السياسية للانظمة السابقة.وفي الوقت نفسه فان احلام الشعوب بحياة اقتصادية افضل، باتت على المحك، ان لم تكن في طريقها الى التبخر، بسبب التدهور الاقتصادي وغياب الحلول الناجعة، وانعدام الرؤية الواضحة للمستقبل. كما ان العدالة الاجتماعية ظلت تراوح مكانها، ولم تغادر الحناجر، ولا تزال تشكل مطالب ونداءات بعيدة عن التحقيق.واذا مابقيت الديمقراطية السياسية وحدها في الميدان، على افتراض انها تحققت بكامل فصولها، فانها ستتعرض لانتكاسات جذرية قد تطيح بها، بسبب المطالب الاقتصادية والاجتماعية، التي يزداد الحاحها، في ظروف اقتصادية واجتماعية جعلت الكثير مما كان ترفا وكماليا، ضروريا واساسيا وعلى قائمة الاولويات. فالانتخابات النزيهة والتمثيل السياسي،لاتوفران حلولا لمشكلات ومطالب الافواه الجائعة، كما لاتوفر العدالة لمن بشعر بالظلم الاجتماعي المزمن، خاصة وان القوى التي كانت تستغل باموالها ونفوذها هذه الظروف مازالت حاضرة، وتسعى لاكتساب الشرعية بلونها الثوري.لا يمكن تحقيق الديمقراطية الكاملة، دون بناء بنية اقتصادية واجتماعية كافية لحماية الديمقراطية السياسية، وهو ما لم يتوفر ولن يتوفر في المدى القريب في دول الربيع العربي، التي لاتزال خطواتها السياسية معرضة للانهيار، نظرا للتوقعات غير الواقعية والتي تجاوزت المعطيات الراهنة في هذه الدول، مما يضاعف من حالة الاحباط التي تفرض ظلالا قاتمة على المستقبل.ما تحقق حتى الان، ديمقراطية سياسية غير مكتملة، وتفتقر الى اركانها الاقتصادية والاجتماعية التي تحافظ على بقائها حية ومتدفقة في شريان الحياة العامة للشعوب العربية، مما يثير الكثير من الهواجس والاسئلة حول النتائج الكلية لربيع ما زال مشوشا ومرتبكا.Almajali.abdalhameed@yahoo.com