لقصة بائعة اللبن أهمية في تاريخ الإسلام بما تحمله من دلالات كثيرة، فهذه القصة التي تعود إلى عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، تدلل على رعاية الخليفة بأحوال رعاياه واهتمامه بأوضاعهم، فهو يجول ليلا ليتفقدهم دون أن يرافقه سوى أحد المقربين منه، وفيما ينام الرعايا فإن راعيهم لا ينام إلا القليل ويسهر على مصالحهم، والدلالة الأخرى تتعلق بفتاة صغيرة في الأغلب أنها كانت في الرابعة أو الخامسة عشر من العمر، هي أم عمارة بنت سفيان، فبعد أن ثارت الشكوى من باعة الحليب بأنهم يخلطون الحليب بالماء، توعد عمر من يرتكب الغش بالعقاب، وبينما هو يسير يسمع إمرأة كبيرة في السن تدعو ابنتها لخلط الحليب بالماء، فترفض الفتاة لأن أمير المؤمنين طلب بالتوقف عن هذا العمل، فتقول الأم أن عمر لا يراهم، فترد الفتاة بالمقولة التي جعلتها هدفا لأمير المؤمنين: « واللَّه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، إن كان عمر لا يرانا، فرب عمر يرانا»، لم يكن يسعى لمكافئتها، فهي في النهاية تصرفت بأخلاقها، وليس في التصرف الأخلاقي وبحسب ما تقتضيه طبيعة الدين أي شيء يستحق المكافأة، ولذلك يترك الفاروق علامة على منزل هذه الفتاة، ويطلب من مرافقه أن يتحرى في اليوم التالي عنها، وأن يعرف من هي، وكيف تعيش، وما هي ظروفها.
ويعود أسلم، مرافق الفاروق، بأمر الفتاة، فهي يتيمة تعيش مع أمها، ومهنتهما هي بيع الحليب، ومنه رزقهما، فيجمع عمر أولاده، لا يضع في حساباته أنه الخليفة الذي يحكم من المدينة دولة كبيرة ومترامية الأطراف، وهي مجرد فتاة من عامة القوم، ليست على شيء من الثراء، أما عن شكلها ووصفها، فهو لا يعلم عن ذلك شيئا، ولدى الفاروق رسالة واحدة لأبنائه، فيقول: «هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوّجه، ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية.»، هذه الفتاة تمتلك ما هو أهم من الأصل والنسب والمال والجمال، وهي الأخلاق الحقيقية التي يراها عمر الطريقة الوحيدة المقبولة للتفاضل بين الناس، ويعتذر عبد الله وعبد الرحمن بأنهما متزوجان، بينما يقبل عاصم، ويتزوج من هذه الفتاة، ويلبي رغبة أبيه في أن يكون صهرا لهذه الأسرة المتواضعة في ظروفها الكبيرة في أخلاقها.
يتزوج عاصم بن عمر بن الخطاب من أم عمارة بنت سفيان الثقفي، ومن هذا الزواج ابنة تصبح بعد سنوات ليست كثيرة زوجة لعبد العزيز بن مروان، والي مصر، وشقيق الخليفة عبد الملك بن مروان، وتصبح أما لابنه عمر الذي جمع بين سلالة من الأخلاق كان أحد طرفيها عمر بن الخطاب، والآخر هذه الفتاة التي لم تكن تعرف في تلك الليلة أن عمر يراها بقلبه ومسامعه، وأنها ستلقى جزءا وفاقا لأخلاقها ومبادئها.