الأستاذ الدكتور محمد عصام اليماني*
اهتمام الإنسان بالتغذية وما يتناوله من طعام وعلاقتهما بالصحة ودرء الأمراض وحتى علاجها قديم. ويحفل تاريخ الشعوب بالمؤلفات التي تتناول الأغذية وما ينصح ومالاينصح بتناوله في الصحة والمرض وفي مختلف مراحل حياة الانسان.
وقد رافق التطور في علم التغذية التأكيد على أهمية الغذاء وأثره على صحة الانسان والمحافظة عليها. لذا فقد عمدت الحكومات في كثير من الدول الى اعداد دليل الأغذية الذي يساهم بالتوعية بأهمية الغذاء وبيان الوسائل التي تضمن اختيار الغذاء الملائم والكافي. كما عملت على ذلك منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية وجهات وطنية غير حكومية.
ويهدف دليل الغذاء كما هو مالوف حاليا الى بيان كيف يمكن حصول الفرد على جميع العناصر الغذائية اللازمة للنمو والمحافظة على الصحة عند كل فئات المجتمع عن طريق تناول الاطعمة المناسبة.
يحتاج جسم الانسان الى حوالي خمسين عنصرا غذائيا توضع عادة في ستة مجاميع، هي: الكربوهيدرات (بما في ذلك الالياف) والزيوت والدهون والبروتينات والفيتامينات والعناصر المعدنية والماء. ومن جانب اخر فان الطعام الذي يتناوله الانسان يوضع عادة في مجموعات طعام رئيسية هي الحبوب و الخضراوات و الفواكه و الحليب و منتجاته و اللحوم و البقوليات. والعناصر الغذائية موزعة في كل مجموعة من مجموعات الطعام وفي الاغذية التي يتناولها الانسان بصورة متنوعة جدا من حيث الكميات. ومن هنا كان من الضروري التنويع في الطعام والاختيار الصحيح للغذاء وتناول الكميات الكافية منه لضمان الحصول دائما على العناصر الغذائية بالكميات المطلوب، اذ ان الاغذية هي مصدر هذه العناصر للانسان.
ومن جانب اخر فان الأمر لا يقتصر فقط على تأمين الحصول على العناصر الغذائية المختلفة بل يتعداه الى حجم ما يتاوله الانسان في وجباته , فالنقص و الزيادة عن الكميات الصحيحة يمكن ان يكون لها اثار سلبية على الصحة . وفي حالات كثيرة يفوق ما يتناوله الفرد من طاقة عن طريق الغذاء ما يصرفه في نشاطه اليومي المالوف، لذا فان فائض الطاقة هذا يخزن في الجسم ليظهر في حصول زيادة في الوزن او بدانه.
ومن هنا فان دور دليل الغذاء الحديث لا يقتصر على بيان ما ينبغي ان يتناول الانسان لتغطية احتياجاته من العناصر الغذائية بل يتعداه الى الكميات المناسبة وربط ذلك كله بالنشاط البدني المناسب للفئات العمرية المختلفه. ولعل البدايات واضحة المعالم في اعداد دليل الأغذية في الدول المختلفة كان في بدايات القرن العشرين، وقد يكون دليل الأغذية الأميركي الحديث الأشهر عالمياً من حيث الانتشار والاستعمال، حتى خارج الولايات المتحدة.
ويتصدر دليل الأغذية عادة ايقونة غذائية المقصود منها ايصال الرسالة الغذائية بصورة لافته وفعالة مع الربط بموارد وارشادات غذائية وصحية اضافية.
هرم دليل الأغذية
عملت وزارة الزراعة ووزارة الصحة والخدمات البشرية في الولايات المتحدة في 1992 على تطوير أيقونة غذائية لافتة اطلق عليها اسم هرم دليل الأغذية الذي يبين ما ينبغي تناوله كل يوم من مجموعات الطعام المعروفة على صورة حصص، تتناقص كمياتها كلما اتجهنا الى قمة الهرم. والحصة عبارة عن كمية محددة من الغذاء تستعمل عند الاشارة للكميات الواجب تناولها من كل مجموعة من مجموعات الطعام؛ ويظهر في بطاقة بيان الاغذية عادة عدد الحصص الى تحويها العبوة وكم هو وزن او حجم كل حصة. (أنظر الشكل 1.)
الشكل 1. هرم دليل الأغذية للعام 1992
ويركز هذا الهرم على الدهون والسكر المضاف في الأغذية، ومن هنا تتضح العلاقة بين محتوى الأغذية من هذه المواد وما يوصي الهرم بتناوله. لذلك فان مجموعة الحبوب، الاقل في المحتوى، تأخذ قاعدة الهرم بأكبر عدد من الحصص اليومية بينما الدهون والزيوت والحلويات، الأعلى في المحتوى، موجودة في قمة الهرم مع وضع مجاميع الطعام الأخرى بينها.
ومن هنا فان هذا الهرم يوصي بتناول 6-11 حصة من مجموعة الخبز والحبوب والرز والمعكرونة و3-5 حصص من مجموعة الخضراوات و2-4 حصص من مجموعة الفواكه و2-3 حصص من مجموعة الحليب واللبن الرائب والجبن و2-3 حصة من مجموعة اللحوم والدواجن والأسماك والبقوليات والبيض والمكسرات، وتناول القليل من الدهون والزيوت والحلويات. ومن الجدير بالذكر أن بدايات استعمال شكل الهرم أيقونة غذائية كانت في السويد.
وكان يؤخذ على هذا الهرم أنه لم عموما من السهل فهمه وانه يمكن أن يكون مربكا، خاصة فيما يتعلق بموضوع الحصص وحساباتها، ومن جانب اخر فان التشجيع على تناول الحبوب ومنتجاتها فهم عند البعض انه يمكن تناول هذه الأغذية بالكميات التي يرغبون فيها، الأمر الذي لم يساعد في الحد من الزيادة في الوزن والسمنة، بل يمكن ان يكون قد فاقم فيهما كما يعتقد البعض. كما إن عدم تناول الزيوت والدهون، كما اعتقد اخرون أن الهرم يدعو إليه، يمكن أن يحرم الجسم من مواد دهنية ضرورية وأساسية لتطور بعض أجزاء الجهاز العصبي عند الإنسان.
هرمي MyPyramid
عدل هرم دليل الغذاء في 2005 إلى أيقونة جديدة حافظت على الشكل الهرمي ولكن بتصميم جيد وباسم جديد: هرمي. وهذه الأيقونة عبارة عن هرم مقسمة واجهته إلى ست مثلثات طولية ذات مساحات مختلفة تمثل مجاميع الطعام؛ وعلى الواجهة المقابلة شخص يصعد بلياقة درجاً باتجاه قمة الهرم؛ وتحت القاعدة عنوان الكتروني لموقع مخصص لهذا الدليل، تحته الشعار التالي: «خطوات إلى أن تكون أكثر صحة». وكان المقصود الى بيان ان ما يتناوله الفرد يومياً من مجاميع الطعام الستة يتناسب طردياً مع مساحة المثلث المخصص لكل مجموعة. (أنظر الشكل 2.)
الشكل 2. هرم دليل الأغذية للعام 2005
وبذا فإن هذا الهرم كان يهدف إلى إيصال الرسالة التي تنطوي على وجوب التنويع وذلك بإحتواء الوجبات على أغذية من مجاميع الطعام الستة مع أهمية التدرج للوصول إلى الحالة الصحية المرتبطة بالنشاط البدني الذي ينبغي أن يصاحب تناول الغذاء.
ونظراً لوجود خلافات بين المستهلكين فيما يحتاجونه من غذاء اعتماداً على العمر والجنس والحالة الصحية ومزاولة النشاط البدني، فإن الدخول إلى الموقع الإلكتروني المبين في الأيقونة من شأنه أن يساعد في تفصيل الوجبات الملائمة وفقا لهذه المتغيرات.
ويلاحظ أن هذا الهرم لم يشر إلى موضوع الحصص وأنه حاول الربط بين تناول الغذاء واللياقة البدنية مع التركيز على التدرج في موضوع التحسين في الصحة والتغذية.
وقد انطبق على هرم 2005 المثل الشعبي الذي يقول «جاء يكحلها عماها»، فقد كان هناك صعوبة عند البعض في فهم المقصود منه بصورة عامة، وما المقصود بتناقص مساحات مجاميع الطعام كلما اتجهنا إلى قمة الهرم بصورة خاصة، كما أن البعض فهم أن التقدم باللياقة البدنية تعني قرب الوصول إلى قمة الهرم، ولذا فإنه لاحاجة لوجود ضوابط عند تناول الطعام فيما يتعلق بالكميات التي يتم تناولها.
قسم التغذية والتصنيع الغذائي
كلية الزراعة ? الجامعة الأردنية