ليس هناك فن يمكن تكثيف الحركة في الزمن كما تفعل السينما فعن طريق المونتاج والسيناريو الجيد والانتقالات في الزمان والمكان، نشعر بأن الصراع الحقيقي ليس في مواجهة خطر داهم، ولكن الصراع مع الزمن نفسه، وعندما تنحل الأزمة نشعر بأننا كسبنا جولة ضد الزمن على مستوى الخيال لأننا ننهزم على طول الخط أمام الزمن في الواقع.
يمكن أن تجد الترجمة المثالية لهذه القاعدة في الفيلم الأمريكي «unstoppble» للمخرج «توني سكوت» والذي عُرض مؤخرا تحت اسم «قطار لا يمكن ايقافه». يعتبر الفيلم أحد أفضل أفلام الإثارة وأكثرها اتقانا بل إنه يتفوق علي فيلم «speed» الجزء الأول الذي قدم عام 1994، هنا الحبكة أقوى والتنفيذ أكثر احترافيه بميزانية وصلت إلى مائة مليون دولار، وهنا أيضا كل عناصر فكرة الإنسان في مواجهة الخطر والزمن معا، فيلم يجعلك تصفق في مقعدك بعد أن يستحوذ عليك تماما، وربما بعد عشر دقائق فقط تصبح أمام لقطة واحدة متصلة مشدودة الايقاع وغنية بالتفصيلات وصولا إلى مشهد النهاية أحيانا يختلط عليك الأمر هل القطار داخل الفيلم أم أن الفيلم نفسه ينطلق محمولا على القطار وبنفس سرعته، باختصار نحن أمام عمل نموذجي في إطار نوعه يتيح لك فرصة أن تتعامل مع عناصر في مستواها الرفيع.
في فيلم «Speed» الجزء الأول كانت المحاولة للسيطرة على باص لو قلت سرعته عن حد معين لانفجرت قنبلة بداخله، وفي فيلم آخر حدث أخرجه «توني سكوت» بعنوان «اختطاف بيلهام» ومن بطولة «دانزل واشنطن» بطل فيلمنا الجديد، كانت المشكلة في السيطرة على مترو انفاق نيويورك الذي اقتحمه أربعة رجال ورفضوا الافراج عن الرهائن قبل دفع 10 ملايين دولار، أما في فيلم «قطار لا يمكن ايقافه الذي استوحاه «مارك بومباك» من أحداث حقيقية فالوحش الذي يخترق الشاشة هو قطار عملاق به 39 عربة انطلق في غياب قائده وأصبح يسير بلا توجيه في طريقه إلي مدينة «ستانتون» «في بنسلفانيا» ثم اكتشف الجميع أن هناك ثماني عربات من القطار تحمل مواد كيماوية شديدة الانفجار يمكنها تدمير المدينة بسهولة، ومثل كل أفلام الإثارة سيكون علينا مواجهة خطر القطار وفي مستوي آخر لا شعوري مواجهة الزمن نفسه لأنه كلما ضاع الوقت أصبح الموت قريبا، ومثل كل أفلام الإثارة ستكون هناك بطولة فردية أو زوجية هي مفتاح حل المشكلة.
ولكن قطار لا يمكن إيقافه الذي يعرف صانعوه جيدا قواعد اللعبة ينجحون في تقديم الفكرة بالحد الأقصى من الاحتراف خاصة في عناصر أربعة أساسية لو اختل منها عنصر لما تحقق للفيلم هذا التميز السيناريو والإخراج والمونتاج والإنتاج الذي تكلف مائة مليون دولار، الحقيقة كنت أتمنى أن تكتب تترات البداية في الفيلم على النحو التالي: من إخراج توني سكوت وسيناريو «مارك بومباك» ومونتاج روبرت دوفي وكريس ليينزون نقدم فيلم قطار لا يمكن ايقافه، هذه العناصر الثلاثة بالذات وصلت إلي مستوي رفيع حقا، بل لقد بدا لي أحيانا أن توني سكوت كان يقدم بروفة كبيرة في فيلم «اختطاف بيلهام» استعدادا لفيلم «قطار لا يمكن ايقافه».
في الجزء الأول من «SPEED» تأخرت نسبيا في الدخول إلى لحظة حبس الأنفاس الأساسية بالوصول إلى الاوتوبيس، ولكن فيلمنا سيبدأ مباشرة بلقطات للقطارات ثم يقدم بطليه السائق المخضرم الذي عمل لمدة 28 عاماً «فرانك» (دانزل واشنطن) بأدائه الراسخ الواثق) ومساعده الشاب الذي أنهى تدريبه منذ 4 شهور فقط واسمه «ويل» (كريس باين)، بالتوازي يقدم السائق سبب الكارثة «ديوي» الذي نزل من القطار أثناء تشغيله معتقداً أن الأمور تحت السيطرة، وبعد انطلاق القطار يقدم السيناريو شخصيتين تحاولان السيطرة على الموقف من حجرة العمليات هما: نائب رئيس العمليات «جافن»، ورئيسة حجرة التحكم «كوني» (روزاريو داوسون)، ثم تنطلق في الموقع شخصيات أخري لها أدوار محددة مثل «جاد ستيوارت» سائق القطار المخضرم الذي يلقى مصرعه في محاولة فاشلة لإيقاف القطار، و«نيد» الخبير الذي ينطلق بسيارته للمشاركة والدعم، يتضح لك أن السيناريو لا يقدم أي شخصية إلا في وقتها ولدور محدد، ويهتم بشكل خاص بملامح خاصة في حياة البطلين «فرانك» الذي توفيت زوجته بالسرطان ولديه بنتان في الجامعة تعملان في أحد المطاعم، ثم نعرف في قلب الصراع للسيطرة علي القطار إنه تلقي خطاباً بالفصل والاستغناء عن خدماته بنصف المكافأة المستحقة له، وهناك البطل الشاب «ويل» الذي سنعرف أيضاً - وفي الوقت المناسب - أنه شك في زوجته وأم طفله ثم اكتشف براءتها ولكن بعد أن تورط بتهديدها والاشتباك مع أحد رجال البوليس، ومنذ اللحظة الأولى تبو أمام جيلين مختلفين: سائق مكافح خبير، وشاب أكثر ثراء ومكانة ونفوذًا ولكنه أقل خبرة وتجربة، ورغم أن السائق الخبير يطلب من الشاب أن يسأله على أي شي، إلا أن حاجز السن واعتداد الشاب بنفسه يجعل من التواصل بينهما في البداية صعباً، ثم يتحول الأمر إلى اتحاد وتعاون كامل في سبيل انقاذ المدينة من القطار المندفع.
لا دراما بدون صراع، وفيلم «قطار لا يمكن إيقافه» يطلق الصراع في اتجاهات مختلفة: عدم التكيف بين «فرانك» ومساعده في البداية، قطار يحمل أطفالاً يمر بحذاء القطار المجنون، «ديوي» يحاول في البداية السيطرة على القطار معتقداً أنه يستطيع، صراع بين «كوني» التي تريد التخلص من القطار في منطقة زراعية، و«جافن» الذي يتصل بمسئولين أعلى أو ربما برجال أعمال يملكون القطار) فيرفضون الفكرة لأن تدمير القطار سيكلف مائة مليون دولار، في حين أنهم يعتقدون بإمكانية ايقافه، صراع إضافي باقتراب القطار من قطار «فرانك» و«ويل» حتى يتمكنا من الهروب منه إلى تفريعة جانبية، ثم محاولة للسيطرة على القطار بإسقاط سائق فوقه من طائرة هليوكوبتر، ونتحول أخيراً إلى مواجهة «فرانك» و«ويل» للقطار من خلال فكرة مختلفة بالالتصاق بالقطار من الخلف، وشد فرامل عرباته يدوياً، وتواجه هذا الفكرة أخذاً وجذباً ورفضاً من «جافن» بل إنها تتم رغم أنفه، وبمساعدة من «كوني» هنا كاتب سيناريو يعرف النوع الذي يقدم فيه «الفيلم، كما أنه يدرس كل تفاصيل الأعمال الفنية في السكك الحديدية، وقد وضح ذلك في محاولة السيطرة على القطار من خلال روافع خاصة تصلح لقطارات أقل حجماً وأقل سرعة. ولأن السيناريو في يد مخرج محترف، فقد تحول هذا الصراع على الورق إلى ما يشبه الدوار، فبالإضافة إلى براعة المونتاج المتوازي بالقطع والانتقال بين أكثر من مكان في وقت واحد، وبالإضافة إلى عرض الحدث من عدة وجهات نظر (كاميرا من وجهة نظر موضوعية وكاميرا معلقة في طائرة هليوكوبتر تخص محطات التليفزيون، وشاشة محطة فوكس التي تتابع محاولات السيطرة على القطار)، فإن كل مشاهد فرانك ومساعده مأخوذة من كاميرا لا تتوقف عن الدوران حولهما، بل وحول عربة القطار، مع ملاحظة أن القطار يسير، ثم يضيف «سكوت» مزيداً من التوتر والدوار عندما يقطع دائماً وفي أماكن مختلفة بلقطة زووم انقضاضية تكاد تحقق في تأثيرها انقضاض القطار علي الكاميرا، وبالطبع فإن القطار المنطلق تم تصويره من كل الزوايا، من أعلى ومن أسفل ومن خلال كاميرا ثابتة يتقدم نحوها القطار، الحقيقة أن هذا التنويع مع اختفاء السائق تماماً منح القطار بعداً رمزياً فبدا كما لو كان تجسيدًا للشر نفسه أو كأنه وحش أسطوري قادم من الظلام وأظن أن «شلوت» كان يستهدف دائماً المحافظة علي توتر المشاهد، والتلاعب بفكرة قطار يتحرك داخل فيلم لتتحول إلى فكرة فيلم ينطلق بسرعة القطار ويحقق نفس تأثير الدوار المطلوب، وأظن أنه نجح في ذلك بامتياز.
مونتاجياً أنت أمام ما يقترب من الدرس الخصوصي، القطع يتم في اللحظة المطلوبة دون تقديم أو تأخير، وشريط الصوت وموسيقي «هاري جريجبسيون ويليامز» تدعم التأثير بمعاقبة المؤثرات الصوتية، وكان من اللافت أيضاً أن إراحة المتفرج بدخول الموسيقي الهادئة المنتصرة ثم قبل شد الفرملة الأخيرة لأن النصر تحقق فعلا بوصول «ويل» إلى القاطرة الأولى فبدأ الجميع في الاحتفال قبل الإنقاذ على آخر لحظة، ثم النهاية أمريكية تماماً لا انتصار إلا بتعاون الجيلين معاً، ولا بقاء إلا للأكثر كفاءة ( مد خدمة «فرانك» وترقية «كوني» وفصل «جافن» و«ديوي» الذي أصبح عاملاً في مطاعم الوجبات السريعة، والأهم من ذلك الحفاظ على القطار ومدينة «ستاتون» معاً، كما عادت زوجة «ويل» إليه، واحتفلت ابنتا «فرانك» ببطولته، وخرج المتفرج سعيدًا مبسوطًا لانتصار الإنسان على الخطر وعلى وحش اسمه الزمن، وإن كان ذلك إلى حين!