بوح القرى .. كتابة وتصوير .. مفلح العدوان
إن توثيق القرى، والأمكنة، وتاريخ الأردن، هو مسؤولية جماعية، تقع على الجهات الرسمية، والشعبية، وكذلك الأفراد والجماعات، إضافة الى الجامعات والجمعيات ومختلف الهيئات على كافة المستويات.
هذا مفتتح للكتابة بروح ايجابية عن ما نشر في مكتبة الأسرة، المشروع التي تتبناه وزارة الثقافة، ونجد فيه مساحة مشرقة، لكتب تعنى بالمكان الأردني، وبتاريخه، وبالوثائق التي تم تدوينها للحفاظ على سجلات الماضي، والإفادة منها، مع عدم إغفال المذكرات التي محور مدارها المكان الأردني، والأحداث التي تدور في فلكه، وكذلك الشعر والأدب اللذين يعبران عن الحس الجمعي، والنبض الحقيقي للمكان بكل تفاصيله.
مكتبة الأسرة.. وتاريخ الأردن
أستعرض في مطوية مكتبة الأسرة الأردنية/ مهرجان القراءة للجميع 2010م، 50 عنوانا، تغطي كثيرا من المعارف الإنسانية، ولكني سأنتقي عدة عناوين، محور مضمونها المكان الأردني، وتاريخه، وذاكرته، ونبضه، وتلك الكتب هي (تاريخ الأردن في العهد العثماني 1516-1918م للدكتورة هند أبو الشعر، وكتاب عمان وجوارها للدكتور نوفان الحمود، وكتاب ناحية بني كنانة في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي للدكتور محمد عدنان البخيت، وكتاب الثورة العربية الكبرى لنقولا زيادة وآخرين، وكتاب عمان في مطلع القرن العشرين لصلاح يوسف قازان، ودليل مواقع المدن والقرى في الأردن اعداد يوسف عبيد، وعلى هامش العشيات للدكتور زياد الزعبي، والطريق الى عمان لفالح الطويل، ومختارات من الشعر الشعبي الأردني اعداد نايف ابو عبيد، والحياة الموسيقية في الأردن للدكتور عبد الحميد حمام، وفن الغرافيك في الأردن لمحمد العامري، وصفحات من تاريخ الأردن وحضارته للدكتور محمد حسين محاسنة)، وكل هذه الكتب توثق لجانب من جوانب الأردن بأمكنته، وتاريخه، والإبداع فيه، وفي أزمنة مختلفة، حتى وقتنا الحالي، وفي ذلك شمول وإحاطة ونظرة ايجابية تسير الى الأمام، مع عجلة التقدم والحياة.
فوز يليق بالعلماء
وربما لن يكون هناك مساحة للكتابة عن كل هذه الكتب المهمة في مكتبة الأسرة، لكن لا بد من الإشارة اليها على الأقل، مع اعطاء نماذج باطالة واستفاضة بما يليق بكل كتاب منها، وفي أكثر من حلقة في بوح القرى، ولكن هنا، في هذا الأسبوع سنفرد صفحة بوح القرى، لكتاب ناحية بني كنانة في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي للدكتور محمد عدنان البخيت، لأهمية الكتاب، ولفضل يسجل للدكتور البخيت في استحداث مدرسة راقية، وجادة، تعنى بكتابة تاريخ الأردن، بكل مفاصله، على مر العصور، كما وأن قراءتنا هذه تأتي بالتزامن مع فوز الدكتور محمد عدنان البخيت بجائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية، ولعلنا في «بوح القرى» نقول له مبروك، من خلال ملامسة لطريقة يستحسنها العلماء والمؤرخون، في أن تكون كلمات المباركة مقرونة بتقديم جانب من الجهد العلمي الذي قدمه عالم بحجم أستاذنا الدكتور محمد عدنان البخيت، قضى جلّ حياته سادنا للكتب والمخطوطات، ومؤرخا للأحداث والأزمنة، وموثقا لجوانب كثيرة من سجلات ذاكرة الأمة بكل تجلياتها.
ديار آل مرا من بني مدلج
يقول الدكتور البخيت في تقديم كتاب «ناحية بني كنانة(شمال الأردن) في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي»؛ «تجىء هذه الدراسة كواحدة من مجموعة الدراسات التي عقدناها حول مجموعة النواحي التي كانت خارجة عن عجلون، وتابعة لقضاء حوران في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، وهذه النواحي هي: ناحية بني كنانة، وناحية بني جهمة، وناحية بني الأعسر، وناحية بني عقبة. وقد كانت هذه النواحي الأربع تشكل مع لواء عجلون، منطقة نيابة الكرك في العهد المملوكي، وما عرف فيما بعد باسم شرقي الأردن».
وبعد التقديم يتتبع الدكتور البخيت أصل تسمية ناحية بني كنانة، من عدة مصادر وكتب تأتي على ذكر عدد القبائل التي تحمل اسم كنانة، ليخلص الى أن ناحية بني كنانة تقع ضمن ديار آل مرا من بني مدلج أحد فروع بني كنانة، ولهذا كان انتساب هذه المنطقة الى بني كنانة بن خزيمة.
دفاتر الطابو
يعتمد الكتاب في تقديمه لهذه المنطقة، في الفترة التي حددها المؤلف، على سجلات الدولة العثمانية التي يطلق عليها اصطلاحا (دفاتر الطابو)، التي توفر معلومات تاريخية غنية عن ناحية بني كنانة، من حيث تسمية قراها، ومزارعها، وقطع الأراضي الواقعة ضمن حدودها، بالإضافة الى تعداد سكانها، الى جانب قيم الضرائب التي كانت تجبى من تلك الناحية، إضافة الى ذكر الأوقاف الذريّة والخيرية، والأملاك، والطواحين، والمعاصر ، وأسماء أصحاب الإقطاعات، والخاص، والمتمتعين بالزعامات، والتيمارات سواء من العناصر المحلية والمملوكية أو من أفراد المؤسسة العسكرية العثمانية، آنذاك، ليخرج المهتم، والباحث، والقارىء، بصورة متكاملة عن أوجه الحياة في تلك الناحية، حيث اعتمد الدكتور محمد عدنان البخيت في معلوماته عن ناحية بني كنانة، التي كانت تابعة لقضاء حوران، الذي كان يشكل جزءاً من سنجق دمشق الشام، على ثلاثة دفاتر طابو، هي: دفتر طابو رقم 430 الذي يرجع الى مطلع عهد السلطان سليم القانوني، ويعود تاريخه الى حوالي سنة 930هـ/1523م تقريبا، ودفتر طابو رقم 401 الذي يعود تاريخه الى حوالي سنة 950هـ/1534م، ودفتر طابو رقم 99 الذي يرجع الى سنة 1005هـ/1596-1597م.
سجلات القرى
يبدأ الدكتور البخيت كتابه، بعد المقدمة، بذكر الجانب الخاص بالقرى في هذه الناحية، حيث يشير الى أنه قد اختلف عدد القرى في هذه الناحية بين فترة وأخرى، حيث يسمي دفتر الطابو رقم 430 سبعا وعشرين قرية، بينما يسمي الدفتر رقم 401 تسعا وأربعين قرية، ويسمي الدفتر 99 إثنتين وخمسين قرية، وقد تم تصنيف السكان في تلك السجلات لتلك القرى الى خانة (أسرة)، ومجرد (أعزب)، وتم ذكر أسماء الأئمة والخطباء والمؤذنين، وهناك إشارات الى النصارى وأماكن وجودهم في تلك الناحية.
وحتى تكون خريطة اللواء واضحة في تلك الفترة، نشير الى أسماء القرى التي أوردها الدكتور محمد عدنان البخيت في الجدول رقم 1 وهي 63 قرية، وردت في الجدول، ولكنها لم ترد في كل دفاتر الطابو، كما هو واضح عند تتبع كل عمود خاص بتلك الدفاتر، وتلك القرى هي بالمجمل: دلوزة، حبراص، يبلى، عربربيده، مرعى، قصفه، ركنى، مرو، خرجى، سوم، البرز، سما، صوم، حور، كفر إياس، فوعرة، صما، زهر الفقيه، ججين، زهر النصارا، كفر رحتى، يحنا، قميم، طيبة الاسم، حوفا، كفر أسد، مكيس، سحم القفار، مندح، قرية بيت المارحة، حرحر، دير مسيب، مخربا، كفر داهم، دوقرة، الخراج، جليطات، سوقة، حريمى، زهر العقبة، بسر، كنيسة، كفر عباس، حاتم، أرغان، قم، دير ابو ثلجة، عزريت، بركته، سيفين، اسعره، ملكا، نخيبة، رمرامة، كفرعان، ابدر، مجادل، ايل، دير متين، برشته، صخرا، زهر الفضة، بلوقص، زبدا اجلاح.
وتعطي دفاتر الطابو تفاصيل السكان في تلك القرى، والتجمعات السكانية، حيث أنه قد كان مجموع السكان عام 1523م في ناحية بني كنانة 240 خانة، بينما في عام 1534م كان 703 خانات، وفي عام 1596-1597م بلغ 706 خانات، وترد هناك احصائيات متلازمة مع عدد السكان حول المجردين والأئمة وأسر النصارى.
ويوضح الدكتور البخيت في تحليله للأرقام التي تبلورها دفاتر الطابو لتلك القرى، بأن إحصاءات السكان تدل على أن مجتمع هذه الناحية كان مجتمعا قرويا صغيرا مستقرا، حيث لا تأتي الدفاتر على ذكر جماعات من الأعراب أو التركمان أو غيرهما من العناصر الرحالة. وتدل أيضا على أن متوسط عدد سكان القرية كان دون العشرين خانة، مع ملاحظة أن بعض القرى مكتظة بالسكان مثل حبراص وكفر أسد وطيبة وخرجى. كما أن عددا من المزارع تحولت الى أماكن استقرار بشري، ونواة لنشوء قرى جديدة، ولذا فقد كان هناك زيادة في عدد القرى في لواء بني كنانة بعيد نهاية القرن السادس عشر، وترتب على ذلك زيادة في عدد السكان، واستمرارا في الاستقرار.
قانون نامة ولاية شام
تحت عنوان «الأرض والرسوم»، يقدم الكتاب مستحقات الدولة من كل قرية في لواء بني كنانة، وهي في الغالب الربع من مجموع المحصول. وهنا يتم ذكر تفاصيل دقيقة فيما يتعلق بعائدات الزيتون، وكذلك الكروم، والحنطة والشعير، وأيضا عائدات الموسم الصيفي كالفول والذرة والحمص والعدس والكرسنة، وهو ما يشار اليه باسم مال صيفي، وهناك رسوم تجبى على المراعي، وأيضا رسوم محصول الكبريت في بعض القرى. وهناك رسوم كذلك على الثروة الحيوانية، حيث كانت الدولة تجبي الرسوم على المعز والغنم وخلايا النحل والجاموس، وكانت تجبى الرسوم على القطعان على أساس القاعدة التي يحددها قانون نامة ولاية الشام، وهي أن «تعد القطعان عندما تستطيع الخرفان اللحاق بالقطيع، ويعد الخاروف حينئذ مع الغنم، ويؤخذ عن كل رأسين آقجة واحدة، والماعز في هذا كالغنم».
الزوايا..والمتصوفة
أما ما يذكره الكتاب فيما يتعلق بالأوقاف، فهناك إشارات الى مساجد أوقف على كل مسجد منها عدد من قطع الأراضي، وقد اختلف عدد المساجد، ومقدار ريع أوقافها من دفتر طابو الى آخر. كما أن هناك إشارة الى أوقاف مجموعة من الزوايا، منها؛ زاوية الشيخ عثمان الحمامي، وزاوية الشيخ الصمادي، وزاوية أبو بكر، وزاوية الشيخ ذكرى، وزاوية بني حميد، وزاوية الشيخ مسمار، وزاوية الشيخ أبو الفوارس، وزاوية الشيخ محمد، وزاوية الشيخ عيسى، وزاوية الشيخ خياط، وغيرها. ويبدي الدكتور البخيت ملاحظة حول ارتفاع مجموع وقف الزوايا، في أنه يعكس دلالة على قبول الناس للحركة الصوفية والتوسع في التحبيس على زواياها.
وهناك أيضا أوقاف خيرية أخرى كان قسما منها ينفق على مدرسة السلطان خشقدم، كذلك الانفاق على المدرسة العزية بدمشق من أوقاف كانت محبسة لها في ناحية بني كنانة، ووقف للبيمارستان النوري بدمشق.
إطلالة أخرى
يختم الدكتور البخيت دراسته التحليلية لدفاتر الطابو، والخاصة بلواء بني كنانة، بإطلالة على الإقطاعات (خاص، زعامت، تيمار)، حيث يشير الى أنه قد درجت الدولة العثمانية على سياسة تخصيص جزء من عائدات القرى والمزارع وكذلك المدن على أرباب الزعامات والتيمار، وما زاد على ذلك كان يحتسب للسلطان باسم خاص شاهي. ويذكر هذا العنوان من الكتاب أسماء أصحاب التيمارات والزعامات في لواء بني كنانة، والعائدات المخصصة لأصحاب الخاص، والزعامة، والتيمار.
وفي الجزء المتبقي من الكتاب هناك إطلالة أخرى تبدأ بخريطة لناحية بني كنانة وجوارها، وبعدها جداول لأرقام وتفصيلات دفاتر الطابو الثلاثة، فيها توضيح بالأرقام للسكان، والحاصلات الزراعية، والثروة الحيوانية، والمزارع، والأراضي، والأوقاف، والإقطاعات. إضافة الى ما سبق هناك جداول مقارنة حول السكان، والثروة الحيوانية، ثم بعد ذلك يتم تثبيت تفاصيل دفاتر الطابو الثلاثة، والمعلومات الخاصة بلواء بني كنانة، والواردة فيها، كما هي لتكون مرجعا متاحا للدارسين والمهتمين.
دعوة للمشاركة
هذه صفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للاكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى العنوان: بوح القرى - الرأي
ص.ب- 6710-عمان-1118-فاكس 5600814
بريد الكتروني [email protected]