ذاكرة المكان والإنسان، تبقى غنية، ثرية، في كل بقعة من بقاع الأردن، ولذا تكون العودة الى تلك القرى بين حين وآخر، لما فيها من تاريخ يحتاج الى مزيد من الدراسة، والتوثيق. وهنا نعود الى قرى وادي عربة، وقد كنا في بوح القرى، زرنا بئر مذكور، ورحمة، وقطر، ونشرنا أكثر من رسالة تفاعلية، حول ذاكرة تلك الأمكنة، وتاريخ الناس فيها، ومن تلك الرسائل التي نشرناها ما وصلنا من الباحث راشد بن حمدان الأحيوي المقيم في العقبة، وهو مهتم بتدوين تاريخ قرى وادي عربة، ومتخصص في تاريخ قبيلة الاحيوات التي تسكن بعضا من قرى وادي عربة، وهنا نستكمل نشر الجزء الثاني من رسالته الطويلة، وفيها يتتبع ذاكرة وتاريخ الاحيوات حيث يقول أن «قبيلة الأحيوات هي من أكبر فروع قبيلة المساعيد التي تتواجد في بلاد الشام والحجاز والديار المصرية، وهم ينحدرون من نسل مُعَلّى بن سليمان المسعودي، وهم من أقدم سكّان منطقة العقبة، وما حولها.
الاحيوات والمساعيد
وحول قبيلة الاحيوات والمساعيد، يوضح الارتباط بينهما الباحث راشد الاحيوي بقوله بأنه «في القرن العاشر للهجرة ذكرت قبيلة الأحيوات تارةً باسم المساعيد، وتارة باسم الأحيوات وكانت ديارهم في نواحي العقبة، بامتداد إلى شرفة بني عطيّة، على نحو 80 جنوب شرق العقبة. قال الجزيري : « الأحيوات منهم أولاد أبو سنينة أصحاب درك الدلالة على المياه والأحطاب من عقبة أيلة إلى شرفة بني عطيّة ولهم مقرّر قديم من الخزائن السلطانيّة عشرة دنانير « (الدرر الفرائد ، ج 2 ، ص 1346).
و الأستاذ كلنتون بيلي : « يعتقد كلٌّ من المساعيد في شمال سيناء والأحيوات في وسط سيناء أنّهم كانوا في يومٍ من الأيّام قبيلة واحدة تسمّى المساعيد «. وقال في ذكر نصّ الجزيري وما ورد في بعض وثائق الدير عنهم : «إنّ المصدرين المكتوبين اللذين استندت إليهما وهما الجزيري ومخطوطات دير سانت كاترين يذكران كلا الاسمين بشكلٍ مستقلّ إلاّ أنّني بناءً على معرفتي الخاصّة وتجربتي مع البدو أنّ بعض الإشارات للمساعيد كانت لأُولئك الذين ينحدرون من الأحيوات في وسط سيناء وجنوب النقب» وقال: «أرى أنّ المساعيد المشار عليهم في مخطوطات الدير كانوا جزءاً من عشيرة الأحيوات التي نراها اليوم « وقال : « إنّ أسماء الرجال المذكورين أنّهم مساعيد في وثائق الدير وهم : نجم وعليّان ومسعد وعتيّق هي أسماء شائعة بين الأحيوات الذين يقطنون في وسط سيناء الآن بينما هذه الأسماء ليست شائعة بين المساعيد الذين يقيمون في شمال غرب سيناء والذين أتيحت لي الفرصة لدراستهم « (مجلّة التاريخ الاقتصادي والإجتماعي للشرق ، العدد 34 ، 1991 م) وهذا الذي قاله بيلي صحيح حيث أنّ قسمي الأحيوات هما فرعان من أولاد عطيّة المساعيد كما تقدّم بيانه.
ويتألّف الأحيوات اليوم من قسمين كبيرين هما : القسم الأول هم أولاد سعد جيّد الوعد (صادق الوعد) الذين يتألّفون من ثلاثة فروع هي : ذريّة شوفان بن سعد صادق الوعد ويعرفون باسم الشوافين، و ذريّة حمد بن سعد صادق الوعد ويعرفون باسم الحمدات، وذريّة سويلم بن سعد صادق الوعد. أما القسم الثاني فهم الدغيمات؛ وهم ذريّة دغيم المسعودي من شيوخ قبيلة المساعيد في منطقة العقبة في القرن التاسع للهجرة، ومن ذريّة دغيم الأحيوات : الصفايحة والوقيات وهم في سيناء وغيرها من أنحاء الديار المصرية.
مبايعة الشريف
يتابع الباحث راشد الاحيوي سرده لتاريخ الاحيوات، ومشاركتهم في أحداث المنطقة في المرحلة السابقة، حيث يقول: «شاركت عشائر المنطقة في صناعة تاريخها، ومن أبرز مشاركاتهم خلال القرن الماضي، المشاركة في عمليّات الثورة العربية الكبرى، حيث كانوا من أوئل المبايعين للشريف الحسين بن علي، إذ أنه في تلك الفترة سار فريقٌ من رجالات الأحيوات إلى الوجه لمبايعة الشريف الحسين بن عليّ، بمقابلة ولده الشريف فيصل بن الحسين، للثورة على الأتراك في منطقة العقبة، وكان هذا الوفد حسبما أفادنا به الرواة هم كل من إرتيمة بن سالم بن كريدم، إسليم ابن سلاّم الغنيمي، جمعة بن حسن إبن كريدم، راشد بن سلاّم إبن كريدم، سالم بن حسين الغنيمي، سلاّم بن عيد إبن كريدم، سلمان بن سالم إبن كريدم، صبّاح بن علي الغنيمي، عطيّة بن صالح الغنيمي، علي بن مسلّم الغنيمي، عليّان بن سالم إبن كريدم، عنيزان بن حسن إبن كريدم، عوض بن لويفي الغنيمي، عيد بن حسن إبن كريدم، عيد بن سالم إبن كريدم، فريج بن حسن إبن كريدم، فريج بن لويفي إبن كريدم، محسن بن عيد إبن كريدم، محيسن بن سالم إبن كريدم.
وقد سار هذا الوفد هجّانة إنطلاقاً من منطقة العقبة، إلى الوجه، على نحو 450 كم إلى الجنوب من العقبة، وقد ساروا إلى أن وصلوا إلى البدع، معقل قومهم المساعيد، في الحجاز، على نحو 135 كم إلى الجنوب الشرقي من العقبة، حيث تركوا إبلهم هناك وساروا إلى قيال غربا على ساحل البحر على نحو 20 كم، حيث ركبوا مركباً سار بهم إلى الوجه. ولمّا وصلوا هناك قدّموا بيعتهم للشريف الحسين بن علي، بمبايعة ولده الشريف فيصل على الثورة في منطقة العقبة، وأعلنوا ولاءهم للشريف الحسين بن علي. وقد أكرم الشريف فيصل وفادتهم ومنحهم بعض الهدايا وزوّدهم ببعض الأغذية ومنح كلاًّ منهم بندقيّة و 12 جنيها ذهبيّاً. وبعد أن مكثوا عنده لبعض الوقت ساروا عائدين إلى منطقة العقبة».
جيش الثورة العربية
ويكمل الاحيوي أنه «حينما وصلت عمليّات الثورة إلى جنوبيّ الأردن، وتساقطت معسكرات الأتراك في أبو اللّسن والقويرة، اتّجهت قوّات الثورة بقيادة الشريف ناصر بن علي، ولورنس، نحو العقبة. في تلك الأثناء كانت عشائر الأحيوات قد ثارت في منطقة العقبة، وكان الأتراك قد جمعوا قوّاتهم في الخضراء إلى الشمال الشرقيّ من العقبة، عند مدخل وادي اليتم على العقبة، فخلت البلدة منهم. وقد ذكر لورنس أنّ قبيلة الأحيوات ثارت في العقبة، في الوقت الذي كانت عمليّات الثورة قد وصلت على الفويلة في منطقة الشراة (مختارات من رسائل لورنس ، ص 55). وكان الأحيوات يستخدمون أسلوب الكرّ والفرّ في مهاجمة المعسكر التركي في الخضراء، كما كانوا يقومون بالقبض على أيٍّ من جنود الأتراك المتسللّين على القلعة، وباتت البلدة تحت سيطرتهم وأخذ رجالهم يجولون في البلدة لقطع الطريق بين الأتراك وبين التزوّد بحاجاتهم من مستودعات القلعة. وكان الأتراك يتسلّلون عبر خندقٍ أقاموه لهذه الغاية يمتدّ من الخضراء إلى قلعة العقبة. وفي أحد الأيّام اكتشف رجلان من عشيرة الكرادمة، وهما فريج بن لويفي، ومحسن بن عيد، أنّ ثلاثة جنود من الأتراك قد وصلوا متسلّلين عند بئر القلعة، فقاما بأسرهم واقتاداهم إلى سيل الجيوشيّة في جنوب شرقيّ القلعة، وسلباهم أسلحتهم، وكانت عبارة عن ثلاثة بنادق دخّاني أم أصبع، ثمّ أطلقا سراحهم بعد أن رأفا بحالهم. وفي الوقت الذي كان فيه بدو الأحيوات يهاجمون معسكر الأتراك كانت جموعهم تتوافد للمشاركة في المعركة الفاصلة، وكان عدد جنود وضبّاط الأتراك في الخضراء أكثر من 300 فرد، ولمّا وصلت قوّات الثورة على منطقة الخضراء تمّ الاتّفاق بينها وبين الأتراك على إستسلام الترك صبيحة يوم 6 / 7 / 1917م، وكانت حامية الخضراء تقع بين قوّات الثورة في وادي اليتم، وقلعة العقبة، وكانت جموع الأحيوات في العقبة لا تدري شيئاً عن الاتّفاق فبادرت بمجرّد وصول قوّات الثورة على مهاجمة معسكر الأتراك، الذي فوجئ بهذا الهجوم رغم وجود اتفاق بينه وبين قوّات الثورة، فبادر المعسكر فورا على الاستسلام ليلا. قال عبد المنعم مصطفى: (صار الاتّفاق على التسليم في الصباح ولكن قبل بزوغ الفجر جاءت قوّات عربيّة من البدو أخذت تهاجم القوّات التركية دون أن تعلم بالاتفاق فساعد هذا في حمل الترك على سرعة التسليم إذ ظنّوا أنّ القوّة العربيّة ضخمة التجهيز كثيفة العدد وهكذا دخل العرب في السادس من تمّوز عام 1917 إلى العقبة) (لورنس : قصّة حياته، ص 183). وفي ذكر ذلك أورد ميشال اشر أنّ المئات من الأحيوات انضمّوا في الليلة التالية إلى القوّات الهاشميّة، وفي الصباح استسلمت الخضراء وقال: (انضمّ الأحيوات إلى القوّات الهاشميّة، ولورنس في فتح العقبة) (لورنس ـ باللغة الإنجليزية ـ ، ص 77). وهو ما ذكره ديفيد مورفي في كتابه الثورة العربية باللغة الإنجليزيّة، ص 54، وقال الأستاذ محمد الجازي: (وقد كان لهذه القبيلة دور في المشاركة بجيش الثورة العربية الكبرى، حيثُ شاركت باحتلال العقبة عام 1917م) وقال : (وقد التحق الشيخ سالم بقيادته لعشائر الأحيوات، في صفوف جيش الثورة العربية الكبرى عام 1917م، لقتال الأتراك وقطع الإمدادات عنهم في العقبة، واستخدم إبل قبيلة الأحيوات لنقل كل ما تحتاج إليه جيوش الثورة في العقبة عبر وادي عربة) (بادية جنوب الأردن، ص 76 و 91).
الاحتفال
ولم تكن المشاركة في القتال في العقبة فقط، حيث أن رجال هذه القبيلة شاركوا في عمليات أخرى كما يشير اليها الباحث راشد الاحيوي، حيث أنه «انضم الكثيرون من رجال قبيلة الأحيوات إلى قوّات الثورة، وتسلّموا البنادق والذخيرة للمشاركة في عمليّات القتال في وادي عربة. وكان للأتراك في وادي عربة عدّة مخافر، وهي: غضيان؛ غربيّ قرية رحمة، وغرندل، والظحل، وبئر مذكور، والغور. وكانت قوّات الثورة التي تسيّر العمليّات في وادي عربة بقيادة الشريفين شاكر وعلي، وكان الفرد يتلقّى راتبا شهريّا قيمته جنيهان في الشهر، وقد بقي الأحيوات ملتحقون بقوّات الثورة لمدّة شهرين.
وفي الثالث والعشرين من شهر آب 1917م، وصل الشريف فيصل بن الحسين بحراً إلى العقبة، وكان من بين مستقبليه عشائر الأحيوات الذين قاموا بالاحتفاء به والقيام بواجب الضيافة والإكرام والاحتفال بالشريف فيصل بن الحسين في منطقة الدار إلى الشمال من قلعة العقبة».
نقل الذخيرة والمؤن
«وما أن انتهت عمليّة تحرير منطقة العقبة، وما حولها، حتى آثر الشيخ عليّان القصير، العودة بمن معه من أحيوات سيناء، إلى ديارهم في سيناء، فبادر الشيخ علي بن حسين الكبيش، وكان حينذاك في منطقة العقبة، بإرسال ابن عمّه قبلان إبن دلال إلى الشيخ سالم بن سويلم أبو خليل. وكان إذ ذاك قد ذهب إلى العقفي الواقعة إلى الغرب من غضيان، لكي يحضر على الفور ليمثّل قبيلة الأحيوات لدى الأشراف، وكان الشيخ سالم أبو خليل رجلا متقدّما ومتكلّما ومن كبار رجالات الأحيوات، فحضر وجمع الأحيوات، وتعهّد بعمليّات النقل للذخيرة والمؤن على إبل الأحيوات، عبر وادي اليتم ووادي عربة، فمنحه الشريف فيصل مالاً طائلاً فرّقه على رجال الأحيوات. وكان الأحيوات ينقلون كل ما يلزم قوّات الثورة الى غرندل، وإلى الحفيّرة بوادي عربة، وإلى خنيزيرة في الغور، وكان كراء البعير ستّة جنيهات. كما نقلوا عبر وادي اليتم إلى دلاغة بمنطقة رأس النقب وقد شارك في عمليّات النقل مختلف عشائر الأحيوات إلى أن تمّ طرد الأتراك من جنوبيّ الأردن».
دعوة للمشاركة
هذه صفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للاكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى العنوان: بوح القرى - الرأي
ص.ب- 6710-عمان-1118-فاكس 5600814
بريد الكتروني [email protected]