بوح القرى .. كتابة وتصوير .. مفلح العدوان
لا يكون البوح مكتملا إن لم يوشح بحفر حقيقي في نواميس المكان والإنسان، حيث مناجم الذاكرة والتاريخ في العالوك، تلك القرية المكتوب في سجل ماضيها أنها كانت مدينة بيزنطية عامرة بالحياة والناس والعمران والقصص والأحداث.
وفيما تبقى من مقال التدوين لتلك الذاكرة لمقام هذه القرية، سيكون استكمال ما كنا قد بدأناه حول العالوك، حيث يتشعب الكلام ماضيا وحاضرا، في الجلسة التي ما زالت عامرة بزخم البوح مع السيد أمين جابر الشديفات (أبو حمزة)، ومعه كل من الحاج هليل محمد الشديفات (أبو هليل)، والسيد خليل عبد الرحمن الشديفات (أبو حمادة)، والحديث حول أن القرية «عاصرت ثلاث حضارات هي الرومانية والبيزنطية والإسلامية»، وأن هناك «معالم تاريخية تعود للعصر الروماني والبيزنطي في حي المسرة الشرقية، وهناك تتواجد آثار كنائس قديمة، وكذلك الحال في حي الشنقارة في المسرة الغربية، حيث هناك آثار ومغاور، وأيضا في منطقة رجم الحداده.. ويوجد كثير من المغاور والكهوف في المنطقة بكاملها، وكان الناس قديما يسكنون فيها. ومن الرجوم الأثرية في العالوك رجم صنمة، ورجم المشوبش، ورجم الحدادة، وهذا الأخير، ربما اخذ التسمية من كونه كان يتم فيه تصنيع الحديد لقطع الصخر، حيث انه يحتمل بأن جزء كبير من حجارة جرش تم إحضارها من هذه المنطقة، لوجود مقاطع صخرية كبيرة واضحة في تلك الناحية من العالوك».
مواقع أثرية
تزداد المعلومات والإشارات حول العالوك، كلما أوغلنا بحثا وتدقيقا، حيث أنه
في ذات سياق تتبع الآثار والمعالم والمواقع في القرية، نجد إطلالة على جوانب مضيئة منها في موقع ملتقى أبناء بني حسن، على الشبكة العنكبوتية، وفي هذا الموقع يتم تدوين المواقع والآثار العديدة في العالوك، بدءا من خربة المسرة الشرقية كونها «موقع أثري يرجع إلى الفترة الرومانية والبيزنطية حيث عثر على مقالع ومدافن تعود إلى الفترة الرومانية. وفي الفترة البيزنطية أعيد استعمال الموقع كقرية زراعية تحتوي على العديد من المنازل، ومعصرة عنب، وإحدى الكنائس الصغيرة. وتشير الدلائل الأثرية إلى أن الاستيطان استمر في هذا الموقع خلال الفترة الأموية. أما المسرة الغربية، والعالوك، اللتان هما أشبه بالتؤم، ولا يفصلهما إلا شارع يمر من بينهما، فتحتويان على المغر القديمة والآبار الرومانية وأجران المياه، وبقايا آثار لقنوات نحتت بالصخر، وكثير من المعالم القديمة التي تدل على حضارات قديمة سكنت المنطقة».
العصر البرونزي
ولتوثيق تلك الإشارات والمرويات حول معالم ومواقع القرية، نشير هنا إلى حديث منشور لمدير آثار الزرقاء الدكتور خالد الجبور في وكالة بترا للأنباء، وفيه يسترسل في الحديث عن آثار العالوك بقوله أنه قد «دلت المسوحات الأثرية والقطع الفخارية المكتشفة في العالوك والمسرات على وجود استيطان بشري في المنطقة منذ العصر البرونزي المتأخر. كما دلت أعمال التنقيب والحفر وأنواع العملات في الموقع على أن أساسات المساكن تعود للفترة الرومانية المتأخرة والفترة البيزنطية المبكرة والمتأخرة. وهناك فترة استخدام إسلامية في العصر الأموي للمنطقة ويبدو ذلك من خلال العثور على مساكن ذات غرف مختلفة، وهي عبارة عن تجمعات سكانية زراعية تشتمل على الأجران الحجرية والبازلتية لطحن الحبوب، وطابونين من الفخار، كما عثر أثناء التنقيب على أواني طبخ وزجاج مكسور وكذلك على كنيسة شمال المنطقة ومعاصر للزيتون والعنب قريبة من الموقع. وهناك آثار تدل على استيطان المنطقة خلال فترة استيطان عثمانية متمثلة بعدد من المنازل التراثية التي أعيد استعمالها في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. وقد كشفت المسوحات الأثرية عن وجود 11 مدفنا تشكل جزءا من المقبرة الخاصة بموقع المسرات الأثري، ثمانية منها على شكل كهوف محفورة بالصخر ويوجد فيها حجرات دفن يتراوح عددها من 6-8 قبور إضافة إلى العثور على عدد من الفخار المكسور وتميزت بتنوعها وشمولها لعدد غير قليل من الأشكال الفخارية التي تعود للفترة البيزنطية المبكرة وبعضها للفترة البيزنطية المتأخرة.».
بين جرش وعمان
كل تلك الإشارات والدلالات حول قرية العالوك، في الوثائق، والمراجع، والشهادات الشفوية، تقودنا إلى محاولة الاجتهاد في تفسير بعض نقاط حول أهمية العالوك، وتحديد العوامل التي جعلت منها موقعا اثريا، ومكانا استراتيجيا في الأزمنة القديمة، وربما يعود السبب في ذلك هو في أنها «كانت واقعة على الطريق التجارية، وكانت في الأزمنة الرومانية يمر منها الخط الناقل من جرش إلى عمون، خاصة وأن العالوك واقعة بين المدينتين الرومانيتين المهمتين، إضافة إلى أنها تقع كذلك محطة في الطريق التي تربط الحجاز في الشام، حيث كانت القوافل من الحجاز تمر بشرق الأردن في مسيرها إلى سوريا، وربما تكون العالوك واحدة من المحطات التي تستريح فيها تلك القوافل».
كهوف وقبور
جانب آخر واضح المعالم في العالوك هو أنه تنتشر في هذه القرية والمناطق المحيطة بها، بشكل لافت، كثير من المغائر والكهوف القديمة، العالوك، حيث كانت تشكل كل 30 الى 40 مغارة قرية صغيرة، ويذكر أهل القرية هنا «مغاور الشنجارة، ومغاور الحدادة، ومغاور المسرة، ومغاور العالوك» ويضاف الى تلك المغاور والكهوف كشواهد تاريخية، القبور القديمة التي توجد بكثرة في أنحاء القرية، وكذلك الآبار وينابيع المياه، حيث أنه «يوجد في المسرة الشرقية بئر قديم مياهه مالحة وعمقه 15م، وهو الآن مردوم».
النبع القديم
ويمكن الدخول إلى سيرة المياه في العالوك من خلال النبع القديم، والأثري، الموجود في العالوك، والتي يشير أهل القرية إلى أنها «كانت مبنية على أيام الرومان، والحجر فيها مطوي في بيرين كانن معروفات في منطقة النبع، وكانت تخرج منها قنوات فخارية تغذي المناطق المجاورة».
يسترسل الحاضرون من أهل القرية في حديثهم عن عين العالوك منذ القدم حتى الوقت الحاضر، لكنهم قبل أن يدخلوا في التفاصيل يوضحوا بأنه يوجد في القرية عدة عيون معروفة أخرى مثل عين المرج، وعين التيس، وعين سحارة، وعين المسرة الشرقية، لكن أشهر العيون في المنطقة هي عين العالوك التي «كانت بئر عميق من الحجر الروماني القديم، وحجارتها مطوية طوي. وفي بداية استصلاح، واستثمار هذه العين حديثا تم حفر البير من خلال السلطة عشوائيا، وتم عمل جورة (حفرة) قطرها 150مترا، هذا في سنة الثلاثة وستين/ أربعة وستين (1963/1964م)، وتم تقدير قوة المياه بهذيك الفترة بحوالي 4 انش، وبقيت الجورة مفتوحة لمدة 6 أشهر، وكان الناس ينشلوا(يسحبوا) منها المياه نشل، بالأواني والحبال، وبعدين جابت السلطة ماتورين، وعملت قنوات، حتى يقدروا يسيطروا على المياه، ويعرفوا منابعها، حيث طمروا كثير من النقاط التي تنز منها المياه، وأبقوا على نقطتين فقط، وعملوا تجمع اسمنتي، ومستودع للمياه، وقناة من الاسمنت والحجر بطول 150 مترا، كناقل للمياه، وأنشأوا 3 مواسير كمنابع للمياه.. يعني كانت القناة توصل للحوض، وكان منه تخرج 3 مواسير بقطر 2 انش، وكانت هذه العين مصدر مياه للعالوك وللمناطق المجاورة، فكانوا ينقلوا من العين المياه لبيوتهم بالروايا على الدواب في الزمن الماضي.. وكان في عند عين العالوك شجرة ضخمة، كبيرة، كان كبار القرية يعقدوا اجتماعاتهم تحتها، وكانوا يعقدوا اجتماعاتهم لترتيب دور المياه.. وبعد هيك وجد أهل القرية انه في مياه زياده، وفائضه، وكانت تصل لحد نهر الزرقاء، فقام أهل القرية واستصلحوا أراضي زراعية على جانبي العين، كانت قطعتين للعموش والشديفات، في البداية على جانبي القناة، وكانت 30 دونم على كل جهة، وقاموا زرعوها، وكان في اكتفاء ذاتي في العالوك من ناحية الزراعة.. وبقيت العين على هذا الحال حتى عام 1981م، حيث قررت سلطة المياه جر المياه إلى المنازل، ولذلك عملوا مستودع مياه تحت الأرض حجمه 80 متر مكعب، وحوّلوا الخط الناقل الى الخزان الأرضي، وبعد ذلك تم نقل المياه بواسطة موتورات وخطوط ناقله إلى خزانين تم بنائهما على منطقتين مرتفعتين، واحد في مكان بين المسرة الشرقية والمسرة الغربية، والخزان الثاني في منطقة عالية في العالوك القديمة، وكان كل خزان حجمه 60 متر مكعب، ومن هذين الخزانين، تم ضخ المياه للبيوت في القرية، وكان هذا عام 1981م، وتم تعيين موظفين لمعالجة المياه في الخزانين قبل ضخها للقرية، وبعد فترة بسبب سنوات الجفاف، إضافة إلى ضعف الصيانة والتجديد للمنشآت على عين المياه، صار في ضعف في مياه الخط الناقل، وضخ الماء بشكل عام.. لكن بعد سنوات تم الاستغناء عن الخزانين، وصار هناك ضخ للمياه من الخزان الأرضي مباشرة إلى البيوت، بدلا من الخزانات، وصار يتم روي العالوك وبقية أحيائها».
سيرة قرية العالوك
تقع العالوك غرب الزرقاء، على مسافة 25 كيلومترا، وهي تتبع إلى لواء القصبة في محافظة الزرقاء، وتعتبر واحدة من مناطق بلدية بيرين الجديدة.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان العالوك، والتي تشمل بحسب التقسيمات الجديدة كل من (العالوك، والمسرة الشرقية، والمسرة الغربية)، حوالي 1422 نسمة، بناء التعداد العام للسكان والمساكن في عام 2004م، حيث يتوزع هذا المجموع، بحسب المناطق على النحو التالي: العالوك 629نسمة (339 ذكور و 290 إناث)، يشكلون 117 أسرة تقيم في 192 مسكنا. المسرة الشرقية 359 نسمة (184 ذكور و 175 اناث)، يشكلون 69 أسرة، تقيم في 139 مسكنا. المسرة الغربية 434 نسمة (220 ذكور و 214 إناث)، يشكلون 89 أسرة، تقيم في 146 مسكنا. وقد زاد هذا العدد في الفترة الحالية. ويعمل أهل العالوك في الزراعة، والوظائف الحكومية. ومعظم أهل القرية هم من عشائر بني حسن.
التربية والتعليم:
توجد في قرية العالوك 4 مدارس هي: مدرسة العالوك الثانوية للبنين، ومدرسة العالوك الثانوية للبنات (فيها التدريس مختلط حتى الصف السادس)، ومدرسة المسرة الشرقية الأساسية المختلطة (يوجد فيها روضة أطفال)، ومدرسة طواحين عدوان المختلطة الأساسية.
الصحة:
يوجد في القرية مركز صحي أولي.
المجتمع المدني: يوجد في القرية جمعية تنمية المجتمع الريفي لقرى العالوك والمسرات.
يوجد في القرية 3 مساجد( مسجد العالوك الكبير، ومسجد عمر بن الخطاب، ومسجد المسرة الشرقية).
يوجد في القرية مكتب منطقة البلدية، ومكتبة وحديثة تابعة للبلدية.
دعوة للمشاركة
هذه صفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للاكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى العنوان: بوح القرى - الرأي
ص.ب- 6710-عمان-1118-فاكس 5600814
بريد الكتروني [email protected]