عمان-إبراهيم السواعير -اعترف الروائي هاشم غرايبة بـأنه يقترف كبيرا إن هو لخص رواية العالمي غابرييل غارسيا ماركيز (الحب في زمن الكوليرا) وانتقى من أحداثها أو شخصياتها بحجة نقدها أو تعريف القارئ بها؛ مكتفيا بإعادة القراءة، لا القراءة نفسها.
وقال غرايبة أمس في دائرة المكتبة الوطنية، إن بريق الوصف خطفه، وبلاغة النعت شدته، مضيفا أن الرواية التي قرأها
قبل عشر سنوات ونيف كان زخم أحداثها المتتابعة شائقا، وفيها مقدرة على الإقناع بما لا يقبل التصديق؛ وبين أنه كان
مندهشا من رسوخ الشخصيات الثانوية في الرواية وقوة حضورها بما لا يؤثر على الشخصيات المحورية الثلاث: العاشق
الأبدي فلورنتينو اريثا، وربة الجمال المتوجة فيرمينا داثا، والزوج المثالي الطبيب الدكتور خوفينال أوربينو.
واستدرك غرايبة أنه، وهو يعيد قراءتها اليوم، أدهشته فيها بلاغة الإعجاز في إهداء الراوي منجزه إلى زوجته مارسيدس:
قدما تمشي هذه الأماكن إذ صار لها ربة متوجة- ليناندرو دياث)، مبينا سحر مدينة جيرميا دي سانت آمور التي تمضي
قدما مقاومة هرمها وأفولها، والبيوت التي تتجدد والميناء ومكاتب الشركات الناهض بها الحب؛ وكل ذلك بسبب ربات
الجمال.
وتوقف غرايبة عند القيمة المعرفية في تبدل زمكان أبطالها؛ موضحا أن الشخصيات لم تكن تنمو وحدها، وساق غرايبة
تغيرات التكنولوجيا والتأثير الذي نال من نهر مجدولينا أواخر القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين،
وقال إن اقتصاديات وأدب وديموغرافيات رصدتها الرواية ولم يخل ذلك بسير الأحداث الدقيق المنتظم.
واندهش غرايبة أمام (لا مناص) و(إلى الأبد)؛ متابعا مصير العاشق الولهان على مدار خمس وأربعين وأربعمائة صفحة
ترجمها صالح علماني وطبعتها دار المدى، كان فيها العاشق صبورا على أشواقه، محافظا على وعده لنفسه خمسين سنة
وتسعة شهور وأربعة أيام، وقد كان حظي بربة الجمال المتوجة وسألته: إلى متى؟! فكان الجواب الحاضر منذ ثلاثة
وعشرين عاما وستة شهور وأحد عشر يوما لديه: إلى الأبد!.
وسار غرايبة يشرح تلقائية الحياة بين دفتي الرواية بما فيها من زخم ومفاجئات وأحزان؛ فلا العاشق يموت ولا المعشوقة
تفنى؛ انطلاقا من أن الحب أقوى من الموت والحياة أكثر من الموت، وقال غرايبة إن ماركيز لم يموت أبطاله لأنه
يتمسك بالحياة، وإن اضطر لقتل أحدهم فإن صراخا وبكاء ينبئ عن قرب، وأعرب غرايبة عن تقديره لماركيز الذي رغب
عن جائزة نوبل سنة اثنين وثمانين وتسعمائة وألف في حين حملها غيره، وشرح معنى ذلك في انتصاره لقضايا العرب
العادلة، وزاد إن ماركيز عارض تحويل رواياته إلى أفلام ليحفظ حق القارئ في الخيال؛ غير مجيب- غرايبة- على
الظروف التي حدت به إلى الموافقة على تحويل روايته إلى فيلم أخرجه الإنجليزي مايك نيويل، ومنع عن القارئ
خياله؛ حيث الرصد النفسي الإنساني الباهت للبطلة في تطورها شخصية مهمة، والعاشق المهرج العاطفي، واللاتفعيل
لغواية جيش من النساء، واستنتج غرايبة أن الفيلم كان هيكلا للرواية؛ بل كان سطحيا؛ متعجبا من ندرة الروايات التي
حملت فكرتها أفلام تفوقت عليها، وقال إن الفيلم لم يفلح في سيمياء العنوان؛ بل إن مفتاح الرواية غيبه الفيلم.
وكانت شهدت قراءة غرايبة مناقشات دارت في سياق الرواية ومضمونها، وهي الرواية التي قال بشأنها مدير المكتبة
الوطنية بالوكالة محمد يونس العبادي راعي القراءة، إنها نشرت في مشروع مكتبة الأسرة الأردنية في دورته الحالية، وإن
خمسمائة ألف نسخة طبعت واستنفدت في مراكز توزيع المشروع في المملكة؛ مستبشرا بالقارئ الأردني الذي يستفزه
العنوان والمضمون، فيطلع به على جوارنا من الأدبين العربي والعالمي. وكانت داخلت ضيفة في القراءة التي أدارها
مخلد بركات، عرفت على نفسها بربة بيت؛ مشجعة إقرار الرواية ومثيلاتها لدى طلبة المدارس، بل جعل الأدب ذا نصيب
في ترفيع الطلاب إلى صفوفهم اللاحقة بامتحانات في كتاب يختاره الطالب ويمتحن فيه.