إبراهيم كشت - إن طريقة التفكير الواضحة القويمة القائمة على أساس من قواعد المنطق، المجانبة للمغالطات، التي تربط المقدمات على نحو سليم، لتصل إلى نتائج صحيحة، هي التي أدت إلى ما نعرف من اكتشافات علمية مفيدة، واختراعات تغلبت على تحديات الطبيعة، وتأثيرات البيئة، وحدود الزمان والمكان، وجعلت تكيفنا مع ما حولنا أفضل، حتى باتت حياتنا أسهل وأيسر وأكثر جودة . وعلى ذلك يمكننا أن نقول إن الفلاسفة الذين وضعوا المنهج، لا يقلون أهمية عن العلماء الأجلاء الذين بحثوا وجربوا واخترعوا .
ورغم ما تقدم، فلم يعد المنطق كعلم وفن وأداة للتفكير الصحيح، محل دراسة وبحث واهتمام كاف في المدارس والجامعات والكتب والصحف والمنشورات والندوات، فكأنما أفل نجمه، أو غاب ألقه، فإذا استخدمناه في أحاديثنا كتعبير، ألقينا اللفظ جزافا أو ارتجالا أو بسطحية، دون أن نعني به العلم والفن الذي يعرف بواسطة قواعده فساد التفكير من صوابه، والمنهج الذي يكرس المبادىء والقوانين التي تمنع الفكر من الوقوع في الخطأ والمغالطة .
وقد يقال إنه لا يتحتم أن يكون المرء قد درس علم المنطق ليغدو منطقيا في تفكيره، تماما كما يقال إنه قد يبرز مدير مبدع دون أن يكون قد درس الإدارة، وقد يظهر خطيب مفوه أو كاتب مميز، دون أن يكون قد قرأ قواعد النحو والصرف والبلاغة والنقد، كما قد تجد شاعرا موهوبا لم يطلع على العروض وبحور الشعر . كل ذلك صحيح، لكن دراسة أي علم تزيد من تميز الموهوب، وتكشف الطاقات الكامنة وتطلقها، وتصقل القدرات القائمة وتحسنها وتطورها، كما أنها تساعد من لم يؤت القدرة أو الموهبة بالفطرة على أن يحوز ولو القليل منها .
لقد تعددت التعريفات التي قدمها الباحثون والمختصون والفلاسفة لعلم المنطق، ولكن ثمة تعريفا ساقه الفيلسوف الفرنسي لالاند في موسوعته، وأراه تعريفا جزلا بليغا، فيه عمق وإيجاز، إذ يقول أن المنطق هو (اتفاق الفكر مع نفسه، واتفاقه مع الواقع) فالمنطق يحقق اتساقا في التفكير ذاته، وعدم تناقض مع الحقيقة القائمة فعلا في الواقع .
أما موضوع علم المنطق فهو التفكير، وهو يعنى بالتمييز بين الحكم الصحيح والخاطىء، ويهتم بالاستدلال السليم، وكيفية الوصول إلى البرهان الصحيح، وقد قال بعض فلاسفة العرب إن غاية المنطق هي (العصمة من الخطأ في التفكير) .
وإذا كنت من المهتمين بعلم المنطق، فإنك كثيرا تلمس حجم ونوع التناقض في كلام عامة الناس، كما تقف على المغالطات المنطقية التي تتضمنها مقالات الصحف، خاصة التي تبحث في الاقتصاد والسياسة، فترى كيف أن الكاتب يبدأ مثلا بفرض، ثم يشرع بشرحه وضرب الأمثلة عليه، وفي ختام المقالة يكون الكاتب (وربما القارىء أيضا) قد نسي أنه يستند لافتراض، فيخرج بأحكام يعرضها بصيغة الجزم والقطع .
وستلمس كذلك حجم المقالات التي تبحث وتحلل ثم تخرج بالنتائج مستندة على عدد قليل من العينات التي لا تكفي لإصدار الأحكام وتعميمها، أو تستند إلى نسب مئوية قادرة على أن تكذب إحصائيا وتصور الأمور على غير حقيقتها، أو تقيم البرهان على توجهاتها وأحكامها من خلال النصوص التي تفترض أنها برهان كاف على كل حقيقة، أو دحض شاف لكل باطل . أما المجافاة الأكبر للمنطق، وانقطاع الصلة بين المقدمات والنتائج، وغياب علاقة السببية بين العلة والأثر، فأحسب أنك ستجدها في أحاديث الساسة، وتبريرات المسؤولين، وخطابات الأحزاب وأصحاب الايدولوجيات المختلفة .
وحين تكون للمرء صلة وثيقة بالمنطق، فإنه يتألم لغيابه الكبير حين يرقب معتقدات كثير من الناس حول تأثير السحر والشعوذة والحجب والعين والحسد وسوء الطالع وقراءة الفنجان والأبراج وتفسير الأحلام وتأثير المخلوقات الماورائية . كما أن المهتم بالمنطق يلمس مقدار المغالطات في التفكير في نظرة الشخص الى ذاته، فكثيرا ما تنبني تلك النظرة على الحاجات النفسية والبواعث اللاشعورية، وتكون مبتورة الصلة بكل تفكير منطقي سليم .
على أي حال، ربما كان أحد أسباب عدم الإقبال على علم المنطق في وقتنا الحاضر رغم أهميته ودوره، أن مادته شديدة الجفاف، تستعصي أحيانا على الفهم السريع، وقد تعود علة ذلك إلى أسلوب طرح هذا العلم، فكثيرا ما يطرح بأسلوب قديم أشبه ما يكون بطريقة الفلاسفة القدماء في تناول الموضوعات ودراستها وعرضها، بحيث لا يهضمها إلا المتخصصون في مجالها .
فحبذا لو توجهت جهود المعنيين والمتخصصين إلى عرض هذا العلم بأسلوب أكثر بساطة وإيجازا وتطورا، وأقرب إلى الواقع ولغة العصر، بحيث يكون التركيز متوجها نحو طرق الاستدلال والبرهان وبيان مغالطات التفكير .
وبعد، فإن المنطق ليس أساس المنهج الذي يسبق الاختراع وحسب، لكنه أساس المنهج الذي يصوب تفكير الناس وأحكامهم في المجالات الثقافية والفكرية والاجتماعية والمهنية والاقتصادية والسياسية، فحين يغيب المنطق تكون الخرافة، والخرافة ليست قصرا على تصور وفهم وتفسير الكون والحياة والأحداث والعلاقات والماضي والحاضر والمستقبل وحسب، فثمة أيضا خرافات سياسية وخرافات اقتصادية، بل وخرافات تلبس لبوس العلم وتدعيه .
[email protected]